أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الانتحار الكوردي البطيء - 1














المزيد.....

الانتحار الكوردي البطيء - 1


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 08:11
المحور: القضية الكردية
    


غربي كوردستان على حافة الإلغاء
لم أكتب هذا النص لأدين طرفًا وأبرّئ آخر، ولا لأفتح جرحًا جديدًا في الجسد الكوردي المثخن أصلًا بالجراح، بل أكتبه لأن الصمت، بعد هذه المرحلة، لم يعد حكمة، بل صار شكلًا من أشكال المشاركة في الانهيار.
طوال السنوات الماضية حاولت، قدر المستطاع، أن أبحث عن نقاط التقاطع بين طرفي الاستقطاب الكوردي، وأن أتجاوز الأخطاء والخلافات، وأن أتحمّل ما صدر من اتهامات وتجريح من الطرفين ومن مؤيديهما. بعضها كان جارحًا، وبعضها انحدر إلى مستوى متدنٍّ وقذر، ومع ذلك لم أردّ، لا ضعفًا ولا عجزًا، بل لأنني كنت أظن أن الصمت أحيانًا قد يكون مساهمة أخلاقية في تقليل التآكل الداخلي، وأن احتمال طعنات الكوردي الآخر أهون من توسيع الشرخ في جسدٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من النزيف.
كنت أقبل النقد المنطقي، حتى حين يكون حادًا، وأتجاوز التجريح حين يكون صادرًا من انفعال حزبي أعمى، أملاً في أن تكون الكلمة قادرة على التأثير في مسيرة نضالنا، ولو في جانب محدود. ولا شك أن شريحة من المثقفين والكتاب والسياسيين الكورد ساروا على هذا الدرب، وإن اختلفت أساليبهم، لأن الغاية كانت واحدة، إنقاذ القضية الكوردية من براثن الصراع الحزبي، ومن تحويل الخلافات السياسية إلى حروب استنزاف داخلية تُدار أحيانًا بأدوات الخصوم أنفسهم، وتُغلَّف بشعارات السياسة والظروف الإقليمية ومقتضيات المرحلة.
لقد تحققت نجاحات في بعض اللحظات، لكنها كانت تُهدم سريعًا، ليس فقط بفعل القوى المتربصة بأمتنا، بل أيضًا بسبب عناد طرفي الاستقطاب وسذاجة حساباتهما السياسية. فالقوى المعادية للكورد لم تكن بحاجة دائمًا إلى اختراع أدوات جديدة لتفكيكنا؛ كانت تجد في داخلنا ما يكفي من التشنج، والأنانية الحزبية، وضيق الأفق، وحب الهيمنة، لتبني عليه مشاريعها. وهنا تكمن المأساة الكبرى، حين يصبح الخصم الخارجي أكثر وعيًا بنقاط ضعفنا مما نحن واعون بها، وحين تتحول الأحزاب الكوردية، من حيث تدري أو لا تدري، إلى جسور تعبر فوقها مشاريع الآخرين نحو قلب غربي كوردستان.
فما يجري اليوم لم يعد خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه، بل صار مسارًا خطيرًا يدفع الحراك الكوردي كله نحو التدمير الذاتي. فالقادم في غربي كوردستان يبدو أكثر ظلمة، لا لأن الخصوم وحدهم يملكون أدوات الإلغاء، بل لأن طرفي الاستقطاب الكوردي مهّدا، كلٌّ بطريقته، الأرضية التي يستطيع الآخرون أن يمرّوا فوقها إلى تفكيك القضية، وتذويب الجغرافيا، وتقزيم الحضور الكوردي إلى مقاعد رمزية لا تحمي لغة، ولا تصون أرضًا، ولا تبني مستقبلًا.
والأخطر أن هذا المسار لا يجري بوصفه صدامًا مباشرًا مع الكورد، بل عبر خطة أكثر خبثًا وهدوءًا، تقوم على حصر القضية القومية الكوردية في غربي كوردستان ضمن إطار عسكري تمثله قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد، وكأن القضية كلها تُختزل في بنية عسكرية قابلة للحل أو الدمج أو التفكيك. وهذا ما يجب أن ينتهي ويُلغى من أساسه، وأن يُعلن بوضوح أن الحوارات لم تعد بين حكومة انتقالية وقوة عسكرية، خاصة أن الإشكالية العسكرية انتهت تقريبًا، بل صارت القضية الآن بين حكومة انتقالية وإدارة ذاتية يُفترض أن تمثلها غالبية الحراك الكوردي وقواه السياسية والمجتمعية، لا طرف واحد دون الآخر.
وإلا فإن مسار الدمج ثم التذويب سيمضي تحت غطاء الحوار، بينما يُلهى طرفا الاستقطاب بمعارك صغيرة وهامشية، كالصراع على بعض المقاعد البرلمانية، أو التسابق المذلّ على من يسبق الآخر إلى لقاء أو حوار مع الحكومة السورية الانتقالية. وهكذا تتحول القضية الكبرى إلى منافسة على فتات سياسي، وتُختزل الجغرافيا في مقعد، واللغة في وعد، والحق القومي في صورة لقاء، بينما يجري في العمق إعداد المسرح لإفراغ غربي كوردستان من معناها السياسي والقومي والتاريخي.
وكان بإمكان الطرفين، رغم كل خلافاتهما وتناقضاتهما، أن يتحولا إلى كتلة كوردية صلبة، مسنودة بإرادة الشعب، تفرض شروطها على الحكومة الانتقالية بدل أن تنتظر فتاتها، وتنتزع احترام القوى الإقليمية والكبرى بدل أن تُستَخدم في صراعاتها. لكنهما اختارا طريق المناكفة والتحزب، فبدل أن يجعلا من الخلاف قوة تفاوضية، حوّلاه إلى ثغرة قاتلة دخل منها الآخرون لتفكيك الموقف الكوردي، وتقزيم حضوره، وإعادة رسم مستقبله خارج إرادته.
ومن هنا لا بد من قول هذا الكلام بوضوح، لا من موقع الخصومة، ولا رغبة في تعميق الشرخ، بل لأن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملة السياسية ولا التبرير الحزبي. لقد حاولت طويلًا أن أبقى وفيًّا لمنهجيتي في البحث عن المشتركات، وعن الحكمة في التعامل الداخلي قبل مواجهة القوى المحتلة لكوردستان، غير أن الحراك الكوردي بلغ حدًا صار فيه الصمت على التآكل الداخلي مشاركة غير مباشرة في الجريمة السياسية. فحين يصبح كل طرف مستعدًا للتنازل للآخرين أكثر مما هو مستعد للتفاهم مع شريكه القومي، فإن القادم لا يمكن أن يكون إلا أكثر ظلامًا.
ومن هذا المدخل تحديدًا يبدأ نقد قوى الإدارة الذاتية، وبشكل خاص حزب الاتحاد الديمقراطي وامتداداته العسكرية والسياسية، لأنها امتلكت السلطة والقرار والفرصة، لكنها لم تحول ذلك إلى مشروع قومي جامع. وما يجري اليوم ليس غبنًا بحق الحزب الكوردي الحاكم بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنهجه هو؛ فمن جلب التهميش إلى ذاته عليه أن يتذوق مرارته. ومن رفع شعار الأمة الديمقراطية على حساب الوضوح القومي، عليه أن يدرك أن هذا الشعار لن يُستخدم فقط بين العرب والكورد والسريان، بل سيُعاد تطبيقه داخل البيت الكوردي نفسه، لتذويب الخصوصية القومية، وتفريغ الجغرافيا الكوردية من معناها السياسي، وتحويل الشعب الكوردي إلى مكوّن إداري متناثر داخل معادلة لا تعترف به كقضية قومية.
يتبع...



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية بين النقاء والتذويب


المزيد.....




- تقرير لمعهد تشاتام هاوس: الحرب على إيران تضيق الخناق على الم ...
- مخاوف المهاجرين تلاحق مونديال 2026 بأميركا
- -هيومن رايتس ووتش-: مقاتلون كولومبيون قاتلوا في السودان تلقو ...
- هيومن رايتس:مرتزقة كولومبيون بالسودان تدربوا بقواعد إماراتية ...
- غريب‌ آبادي: عمليات القتل خارج نطاق القضاء تسقط قناع حقوق ال ...
- 3 شهداء و17 جريحاً في قصف مروحي استهدف خيام النازحين بخان يو ...
- آلاف الأسرى يتعرضون للقتل البطيء: رواية ناج من وحشية سجون ال ...
- تعذيب وتحرش.. عائدون من أسطول الصمود يروون معاناتهم في سجون ...
- مجريات مذكرة تفاهم بين ايران وأمريكا ومعوقاتها
- شهداء وجرحى في مجزرة جديدة استهدفت خيام النازحين بمواصي خاني ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الانتحار الكوردي البطيء - 1