أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الانتحار الكوردي البطيء - 2














المزيد.....

الانتحار الكوردي البطيء - 2


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 06:44
المحور: القضية الكردية
    


غربي كوردستان على حافة الإلغاء.
القادم أظلم، ليس لأن الخصوم أقوى فقط، بل لأن الأرضية التي تسمح لهم بالتمدد صارت جاهزة. فالإدماج الذي يُسوَّق اليوم بوصفه تسوية سياسية لن يحتاج إلى سنوات كي يكشف حقيقته؛ سيذوب مع الشهور، وعلى مراحل مدروسة. الحكومة السورية الانتقالية، والقوى الإقليمية الداعمة لها، لن تكتفي بتهميش المحافظ الكوردي الوحيد، بل ستتجه لاحقًا إلى الألوية العسكرية الثلاثة، وإلى تفكيك بنية قسد، ثم إلى تقليص العنصر الكوردي داخل قوى الأمن والإدارات، ليصبح حضوره على مقاس المقاعد الأربعة التي مُنحت للمجلس الوطني الكوردي. وهكذا ستتحول القضية، التي كان يفترض أن تكون قضية شعب وجغرافيا وحقوق قومية، إلى حصة رمزية بائسة داخل نظام سياسي يعرف كيف يستخدم الديمقراطية كسيف لا كضمانة.
لقد تحايلتم على مطلب الفيدرالية واللامركزية. نظريًا كان الحديث عنهما حاضرًا، أما عمليًا فقد جرى تفريغهما من مضمونهما. قُسِّمت منطقة الإدارة الذاتية بعشوائية، ولم تُحدَّد جغرافية غربي كوردستان بوضوح عندما جرى الحديث عن خمس مناطق في العقد الاجتماعي. وهذه ليست تفصيلاً إداريًا عابرًا، بل خطيئة سياسية كبرى. فالشعوب التي طبّقت نظريات عابرة للقوميات، من الأمة الإسلامية إلى الاتحاد السوفيتي، كانت تستند في العمق إلى أمة مركزية تملك اللغة والسلطة والهيمنة والقرار. أما أن يتخلى شعب صغير ومهدد عن تعريف جغرافيته القومية باسم نظرية فضفاضة، فذلك ليس أممية ولا ديمقراطية، بل انتحار سياسي مؤجل.
تهاونكم في عدم حل قضية الغمر، وغضّ الطرف عن عمليات الاستيلاء على أراضي الشعب الكوردي، وعدم إعادة النظر مبكرًا في ملف الأراضي التي استُثمرت أو أُديرت لمدة سنتين تقريبا في ظل الإدارة الذاتية، ومن بينها أراضي قريتنا نصران، وأعيدت إلى الغمريين ثانية، كل ذلك لم يكن خطأ إداريًا عابرًا، بل كان خللًا سياسيًا عميقًا تراكمت نتائجه عامًا بعد عام. ففي السنوات الأولى كان بالإمكان فتح هذا الملف بشجاعة، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، ووضع حدٍّ قانوني وأخلاقي لواحدة من أخطر أدوات التغيير الديمغرافي التي استخدمتها السلطة البعثية ضد غربي كوردستان.
لكن التردد، والمساومات، والخوف من الاصطدام بهذا الملف، أوصلكم وأوصل المنطقة إلى لحظة رمزية خطيرة: أن يدخل ممثل عن الغمر إلى البرلمان باسم غربي كوردستان. وهذه ليست مسألة تمثيل فردي عابر، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن قضية الغمر قد لا تُحل، بل قد تُعاد صياغتها تحت قبة البرلمان لصالح تشريع الأمر الواقع، وتثبيت ملكية الغمر، ومنح الاستيلاء القديم غطاءً قانونيًا جديدًا. وهكذا يتحول ما بدأ كمشروع بعثي لتغيير ديمغرافية الأرض الكوردية إلى واقع دستوري أو برلماني، إذا لم يُواجه بموقف كوردي موحّد وصلب.
وعلى المجلس الوطني الكوردي أن يدرك بدوره أنه همّش القضية الكوردية في الواقع العملي بسوية لا تقل عما فعلته الإدارة الذاتية، بل كان تهميشه في بعض الوجوه أشد قسوة، لأنه جاء باسم المعارضة والتمثيل والشرعية. لقد جعلت المصالح الحزبية النظرية والواقع على طرفي نقيض. تراجع المجلس عن مطلب الفيدرالية حين كان داخل الائتلاف عن طريق التلاعب بالمصطلحات، وأحياناً في حقوق المواطنة، وتحرك مع المعارضة السورية تابعًا أكثر مما كان شريكًا، وحرص على بقاء اسمه وكراسيه أكثر مما حرص على بناء خطاب قومي صلب. وساهم بسذاجته السياسية، التي لم تتغير طوال عقدين، في تعميق الشرخ داخل الحراك الكوردي، حتى انتهى الأمر إلى تقزيم القضية الكوردية في أربعة مقاعد برلمانية.
فما الذي يمكن أن يحصل عليه الشعب الكوردي من هذا التمثيل البائس؟ اصرخوا تحت قبة البرلمان قدر ما شئتم، ولا شك أنكم ستطالبون بتثبيت حقوق الشعب الكوردي في الدستور، وباعتماد اللغة الكوردية لغةً رسمية في المناطق الكوردية، وربما ستطالبون أيضًا بإعادة النظر في القوانين والمراسيم الجائرة التي فُرضت في عهد البعث، وفي مقدمتها قضية الغمر والاستيلاء على الأراضي الكوردية. لكن السؤال الجوهري يبقى، بأي قوة سياسية ستفرضون هذه المطالب؟ وبأي ضمانة دستورية ستمنعون تحويلها إلى شعارات فارغة؟ وبأي جرأة ستطالبون بحقوق الشعب الكوردي من دون تحديد جغرافية غربي كوردستان بوصفها قاعدة الحق، لا هامشًا إداريًا قابلًا للتذويب؟
بغضّ النظر عما جرى خلف الكواليس، سواء بين طرفي الاستقطاب، أو بين أطراف الحراك الكوردستاني والحكومة السورية الانتقالية، أو تحت ضغط الإملاءات التركية، فإن أربعة أصوات، أو حتى ثمانية، في مواجهة أكثرية برلمانية ساحقة من مئتين وعشرة أعضاء، جلّهم أسرى عقلية عروبية أو مركزية أو دينية سياسية، لن تستطيع حماية قضية قومية بحجم القضية الكوردية.
فالرضوخ لديمقراطية عددية بلا ضمانات قومية ودستورية وجغرافية لن يكون ضمانة لحقوق الكورد، بل قد يتحول إلى سيف مشرعن مسلط على رقابهم. وهذه الضمانات ستكون بعيدة المنال وهم على خلاف دائم، يتسابقون للحصول على حوار مع حكومة دمشق. في مثل هذه المعادلة، لن يُعامل الشعب الكوردي كشعب صاحب قضية وتاريخ وجغرافيا وحقوق، بل كمجموعة مواطنين مبعثرين على قارعة البرلمان، يُسمح لهم بالكلام، لكن لا يُسمح لهم بتغيير جوهر القرار.
وغدًا، تحت سقف هذه الديمقراطية الشكلية ذاتها، قد يُفرض تدريس اللغة الكوردية بحصتين اختياريتين لا قيمة عملية لهما، فتتحول اللغة، من حق قومي أصيل، إلى مادة هامشية لا ترسّب ولا تؤسس جيلًا ولا تحمي هوية. وعندها ستصبح الدراسة باللغة الكوردية في غربي كوردستان خبرًا من الماضي، لا لأن الشعب تخلّى عن لغته، بل لأن ممثليه عجزوا عن ربط اللغة بالجغرافيا والحق السياسي. فإذا كانت اللغة الإنكليزية، رغم إلزاميتها، لم تُتقن في كثير من مدارسنا، فكيف سيكون حال لغة اختيارية غير ملزمة وغير مرسِّبة، حتى في قرى ذات أغلبية كوردية؟ تلك ليست سياسة تعليمية، بل بداية دفنٍ ناعم للغة تحت غطاء القانون.
يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
24/5/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط
- صورة مفبركة وحقدٌ ساقط أمام الرئيس مسعود برزاني
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى- الحلقة ال ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- ثلاثة وسبعون عامًا بين قريتي نصران والذكاء الاصطناعي
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...


المزيد.....




- في أول أيام العيد.. اقتحامات إسرائيلية بالضفة واعتقال 4 فلسط ...
- السعودية والأمم المتحدة تقودان برنامجاً تنفيذياً لتعزيز حماي ...
- دول غربية وآسيوية تندد في الأمم المتحدة بـ-تهديدات- موسكو لل ...
- وزير الداخلية التركي يكشف للجزيرة نت أرقاما وحقائق عن الجنسي ...
- بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحذر من التصعيد في الزاوية ...
- هيومن رايتس ووتش: الإمارات متورطة في حرب السودان وأرسلت مرتز ...
- سوريا: اكتشاف بقايا البرنامج الكيميائي السري واعتقال 18 مسؤو ...
- -هيومن رايتس ووتش-: كولومبيون قاتلوا بالسودان تلقوا تدريبات ...
- -سجل إجرامي- .. مسلسل بريطاني يرصد موجات الكراهية ضد اللاجئي ...
- حكومة جنوب أفريقيا تبحث احتواء التوتر ضد المهاجرين


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - الانتحار الكوردي البطيء - 2