أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأولى














المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأولى


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 10:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كنا نأمل أن يقف الواعون من المؤرخين العرب والمثقفين الوطنيين في وجه تلك الشريحة العنصرية من المستعربين، التي ما زالت تعتاش على بقايا فساد الأنظمة البائدة وحقدها، وتعيد إنتاج كراهيتها لشعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الكوردي. فهذه الشريحة لم تولد من فراغ، بل خرجت من رحم أنظمة لم تكتفِ بتدمير السياسة والاقتصاد، بل خرّبت الثقافة، ولوّثت الذاكرة، وعبثت بتاريخ المنطقة، وبخاصة تاريخ الكورد وكوردستان، حتى جعلت من الجهل أداة حكم، ومن التزوير وسيلة للدفاع عن خرائط مصطنعة قامت على إنكار الشعوب، واحتلال أوطانها، وتمزيق كوردستان بين دولٍ صُنعت على حساب حقيقتها التاريخية والجغرافية.
لقد خلّفت تلك الأنظمة وراءها كوارث ثقافية لا تقل فتكًا عن كوارثها السياسية؛ إذ لم تكتفِ بتمزيق المجتمعات وإفقار الشعوب، بل عمّقت الشرخ بين الشعبين الكوردي والعربي، ومدّت سمومها إلى شعوب المنطقة كلها. ومن هذا الركام خرج مستعربون مأزومون، لا يملكون من التاريخ سوى حقدٍ موروث، ولا من المعرفة سوى شظايا خطابٍ سلطوي قديم، يحاولون اليوم تسويقه باسم البحث والهوية.
وما نعنيه هنا ليس العرب كشعب، ولا الثقافة العربية في معناها الإنساني، بل تلك الشريحة المأزومة التي لا تستطيع أن تعيش إلا بالعبث بكل جوانب الحياة؛ من السياسة الملوثة إلى تشويه التاريخ، ومن إنكار حقوق الشعوب، وفي مقدمتهم حقوق الشعب الكوردي، إلى توسيع مساحات الكراهية بين المكونات. هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن حطام سرديات يرممون بها أوهامًا قومية مريضة، ورثوها عن سلطات الاستبداد والحزب الواحد والخرائط المفروضة بالقوة.
لقد كنا نفضّل الصمت أحيانًا، لا عجزًا عن الرد، بل حرصًا على ألّا ننزلق إلى المستنقع الأخلاقي ذاته. غير أن ديمومة الصمت، ومعها الإحساس بأن هناك من يتساهل أو يتعاطف مع هذه الأفكار الموبوءة، تفرض علينا الرد. لا لنقابل الحقد بحقد، ولا العنصرية بعنصرية، بل لنحمي الحقيقة من التشويه، والذاكرة من المصادرة، والثقافة الكوردية من أن تتلوث بتلك التشوهات الفكرية التي تحاول جرّ الجميع إلى مستواها.
وكلما عجز هؤلاء عن تمرير مخططهم في نفي الوجود الكوردي أو تشويه تاريخه، لجؤوا إلى فتح أبواب جانبية وابتكار أساليب جديدة، ظاهرها النقاش وباطنها الغاية ذاتها. فتارة يزعمون أنهم لا يقصدون الشعب الكوردي، بل “طرفًا” من حراكه السياسي، وتارة يوجّهون سهامهم إلى مؤرخ كوردي بعينه، كما يفعل بعض الضحلين، أمثال د. محمد بهجت القبيسي، حين يصوّر العلّامة محمد أمين زكي وكأنه هو الذي خلق التاريخ الكوردي واخترع صلته بالحضارات القديمة، وكأن أحدًا قبله لم يكتب عن الروابط الإثنية واللغوية والحضارية والجغرافية بين الكورد الحاليين والميديين والساسانيين والحوريين والميتانيين، وكأن الشعب الكوردي هبط فجأة على هذه الجغرافية بلا جذور ولا ذاكرة ولا امتداد.
وهنا تكمن الخدعة؛ فهم لا يناقشون العلامة محمد أمين زكي بوصفه مؤرخًا يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حول بعض قراءاته، بل يستخدمونه ذريعة لنفي التاريخ الكوردي كله. يريدون إقناع القارئ بأن التاريخ الكوردي بدأ مع مؤرخ حديث، لا مع الجغرافيا، ولا مع اللغة، ولا مع الشواهد القديمة، ولا مع تراكم الشعوب التي سكنت جبال زاغروس وميزوبوتاميا العليا والأناضول الشرقي. لذلك فإن تبدّل أدواتهم لا يعني تبدّل غاياتهم؛ فالهدف واحد دائمًا: ضرب الوعي الكوردي، وإفراغ كوردستان من ذاكرتها، وتحويل التاريخ إلى ساحة إنكارٍ جديدة.
غايتنا، في النهاية، ليست فتح حرب بين الشعوب، بل إيقاف العبث بالتاريخ. وليست معركتنا مع العرب الواعين، بل مع أولئك الذين يريدون تحويل التاريخ إلى ساحة إنكار، والجغرافيا إلى كذبة قومية، والاختلاف بين الشعوب إلى وقود دائم للكراهية.
ومع ذلك، فإن تاريخ الشعب الكوردي، ولغته، وحقيقة وجوده على جغرافيته التاريخية، لم تتأثر جوهريًا بكل هذه المحاولات العنصرية، ولا بالمخططات والمؤامرات التي استهدفته طوال القرن الماضي بصورة ممنهجة. فكل هذا الضجيج لم يستطع أن يقتلع حقيقة راسخة: أن الشعب الكوردي من أقدم شعوب هذه الأرض، وأن لغته تنتمي إلى إحدى أعرق العائلات اللغوية في العالم، وأن حضوره في جغرافية الشرق الأوسط ليس طارئًا ولا عابرًا، بل هو امتداد عميق في التاريخ والذاكرة والمكان.
يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية
- كوردستان وإسرائيل حقيقتان ترعبان الشرق الأوسط


المزيد.....




- إيران تعلق على ضربات أمريكية استهدفت مواقع للرادار جنوب البل ...
- مقتل 3 عسكريين من الجيش اللبناني بينهم عميد بغارة إسرائيلية. ...
- العثور على 30 مهاجرا غير نظامي داخل خزان شاحنة صهريج في تركي ...
- جون بولتون سيقر بذنبه في الاحتفاظ بوثائق سرية
- مجلس الشيوخ يمنح ترمب انتصارا بشأن الهجرة
- الجيش الأميركي يعلن قصف منشآت رادار في إيران
- مقتل ضابط لبناني وعدد من الجنود بغارة إسرائيلية
- مقتل رضيع وإصابة والديه برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغر ...
- فصائل فلسطينية تجتمع في مصر لمناقشة مستقبل قطاع غزة
- ترمب يطلب من مدير الاستخبارات الجديد فصل موظفين


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأولى