أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثامنة















المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثامنة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 06:52
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ويكفي التذكير بأن طرفة بن العبد، أحد أشهر شعراء بكر بن وائل في الجاهلية، ارتبطت سيرته بإقليم البحرين التاريخي وبلاط الحيرة، وفي هذا المجال الممتد بين البحرين والحيرة كان الحضور الأشهر لقبيلة بكر بن وائل، لا في آمد ولا في جغرافيتها. وهذا يبيّن أن تحويل اسم ديار بكر اللاحق إلى دليل على حضور ديمغرافي عربي أصيل في آمد ليس قراءة تاريخية، بل إسقاط متأخر لتسمية إدارية على مدينة كانت تُعرف قديمًا باسم Amida/Āmid. أما ما تذكره بعض المصادر عن إسكان مجموعات من بكر بن وائل أو ربيعة في نواحي الجزيرة في العهد الأموي، فلا يغيّر جوهر المسألة؛ فهناك فرق واضح بين إسكان عائلات عسكرية أو مجموعات مرتبطة بالسلطة، وبين وجود ديمغرافي عربي واسع قادر على صبغ المدينة وهويتها وتاريخها. فالحضور الإداري أو العسكري لا يصنع وحده هوية حضرية، ولا يحوّل مدينة عريقة كآمد إلى جغرافيا عربية الأصل.
ومن هنا تظهر المفارقة الفاضحة في خطاب القبيسي وأمثاله: يريدون محاكمة الكورد بشاهد جزئي أو تسمية إدارية أو خبر سفير، لكنهم لا يجرؤون على تطبيق المنهج نفسه على تكويناتهم الحديثة. فإذا كانت خريطة أو تسمية أو خبر عابر كافيًا عندهم لنفي الكورد من كوردستان، فعليهم أولًا أن يسألوا أنفسهم: أين كانت دولهم القومية الحديثة قبل انهيار الدولة العثمانية؟ وأين كانت خرائطهم الراهنة قبل الانتدابين الفرنسي والبريطاني؟ وكيف تحولت جغرافيات واسعة إلى فضاء عربي حديث؟ أكان ذلك امتدادًا نقيًا بسيطًا منذ الأزل، أم مسارًا تاريخيًا طويلًا من التحول والسلطة والتعريب وإعادة التسمية؟
أما الكورد، فوجودهم في هذه المنطقة ليس اختراعًا متأخرًا، ولا اختلاقًا سياسيًا حديثًا، بل حضور موثق في الجبال والجزيرة والمصادر الإسلامية نفسها، فضلًا عن الشواهد الأقدم. وحين تذكر المصادر الإسلامية الكورد في أخبار الجبال والجزيرة والحدود ومناطق الصراع، فهل كانت تتحدث عن وهم؟ أم أن الوهم الحقيقي هو هذا الخطاب المتأخر الذي يريد شطب أمة كاملة لأنها تعجز عن الانصهار في سردية قومية مصطنعة؟
إن القبيسي لا يقرأ التاريخ ليكشف طبقاته، بل ليبحث فيه عن سكين أيديولوجي. يريد أن يختصر كوردستان في زاوية، وأن يحشر الكورد في هامش، ثم يطلب منهم الاعتراف بأنهم بلا أرض وبلا حق. ولهذا لا تعود المسألة خطأ في قراءة ابن حوقل، ولا سوء فهم لخبر مبعوث روماني، ولا التباسًا في اسم قديم أو إقليم سرياني، بل تصبح مثالًا صارخًا على تسليح المعرفة ضد أصحاب الأرض. والفرق كبير بين باحث يحاول فهم الماضي، وبين من يفتش في النصوص عن ذريعة لمحو شعب.
وهنا لا نقف أمام زلة عابرة في قراءة مصدر، بل أمام منهج كامل يتكرر بأشكال مختلفة: مرة في تحويل تسمية إدارية إلى هوية إثنية، ومرة في تحويل خبر عابر إلى دليل قومي، ومرة في جعل اللقب الجغرافي نسبًا، ومرة في محاكمة الكورد بأسماء الدول والسلالات بدل قراءة حضورهم في الجغرافيا واللغة والذاكرة. ومن هذا الباب تحديدًا يتضح جوهر الخلل المنهجي في هذا الخطاب: فليس كل من وُلد في مقاطعة حملت اسمًا معينًا صار منسوبًا إليها دمًا وهوية، وليس كل لقب جغرافي يصلح لإنتاج نسب قومي، وليس كل ما حفظته السرديات المتأخرة بريئًا من أثر السلطة والتحيز وسوء القراءة. فالإمبراطوريات الكبرى كانت فضاءات واسعة تتحرك فيها العائلات العسكرية والإدارية بين المقاطعات، وتُنسب الشخصيات أحيانًا إلى موضع الميلاد، أو إلى مجال الخدمة، أو إلى الإطار الإداري، لا إلى أصل قومي صافٍ كما تريد السرديات القومية الحديثة أن تتخيل.
والأشد غرابة أن هذا المنطق نفسه يُستعمل عند هؤلاء بطريقة انتقائية مكشوفة. فإذا تغيّر اسم الدولة أو السلالة أو الجغرافيا في التاريخ الكوردي، قيل فورًا: لا علاقة للكورد بها. أما إذا ظهر لقب ملتبس، أو وصف جغرافي عابر، أو تسمية لاحقة في رواية رومانية أو إسلامية، حُوِّل مباشرة إلى دليل قاطع على عروبة منطقة كاملة. وهكذا تصبح الجغرافيا إثنية حين تخدم الخطاب العروبي، وتصبح الأسماء حجة للنفي حين تتعلق بالكورد. وهذه ليست منهجية مؤرخ، بل انتقاء أيديولوجي يمدّ السلسلة بلا حدود حين تخدم العروبة، ويقطعها عند أول منعطف حين تخدم الكورد.
وعلى هذا المنطق ذاته، يحاول بعضهم، ومن بينهم الدكتور محمد بهجت القبيسي، ربط الأراميين والكلدانيين والبابليين بالعرب، وكأن شعوب الشرق القديم كلها لم تكن سوى مقدمات متدرجة للعروبة، وكأن التاريخ وُلد ليصب أخيرًا في نهر قومي واحد. وهذه محاولة واهية لا تختلف، في بنيتها الذهنية، عن محاولات ربط شعوب متباعدة داخل أعراق أو سلالات كبرى لإنتاج مجد مصطنع. فالأرامي ليس عربيًا، والكلداني ليس عربيًا، والبابلي ليس عربيًا، كما أن وجود تسمية جغرافية أو لقب لاحق لا يكفي أبدًا لتحويل شعب أو دولة أو حضارة إلى أصل قومي لعرب ما بعد القرون الحديثة.
ولا تقف هذه الآلية عند هذه الأمثلة، بل هي المنهج نفسه الذي غيّب حقيقة الدولة الساسانية، ثم أعاد تقديمها لاحقًا بوصفها “إمبراطورية فارسية” خالصة، متجاهلًا تعقيد بنيتها القومية واللغوية والجغرافية، وسماتها الكوردية اللافتة من أصول مؤسسها إلى اللغة الرسمية والجيش ومركزية جغرافيتها والبنية الديمغرافية. فهذه الدولة عُرفت في سياقها التاريخي باسم الدولة أو الإمبراطورية الساسانية، وارتبطت بلغات إيرانية وسطى، ومنها الفهلوية/البهلوية ضمن المجال الإيراني الغربي الذي تتصل به الكوردية. غير أن صعود السردية الفارسية لاحقًا، ولا سيما بعد السامانيين ومرحلة إعادة صوغ الذاكرة الإيرانية في اتجاه فارسي أوضح، ساهم في فرسنة الماضي الساساني، ثم تلقّف كثير من المؤرخين هذه القراءة كما لو أنها حقيقة نهائية.
والحال أن اختزال الساسانيين في الفرس وحدهم لا يختلف، في جوهره، عن أي محاولة لاختزال الألقاب الجغرافية إلى أنساب قومية حديثة. ففي الحالتين يجري تحويل الجغرافيا إلى قومية، واللقب إلى نسب، والسلطة إلى هوية، ثم يُقدَّم ذلك كله على أنه تاريخ لا يقبل النقاش. وكما لا يجوز أن يُسلَّح لقب جغرافي متأخر لصناعة عروبة سياسية سابقة لأوانها، لا يجوز أيضًا تحويل الإمبراطورية الساسانية المتعددة الشعوب واللغات إلى كيان فارسي خالص بالمعنى القومي الحديث.

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3


المزيد.....




- -لا نتوسل أبدًا-.. إيطاليا تلغي زيارة رسمية لواشنطن بعد تصري ...
- روبيو يؤكد وقوف واشنطن إلى جانب لبنان والعمل من أجل تحقيق ال ...
- زيلينسكي يهدد بضرب أراض بيلاروسية خلال أسبوع
- فون دير لاين تدعو إسرائيل لاحترام سيادة لبنان وسلامته الإقلي ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا الغربي ويعتقل راع ...
- تقارير تتحدث عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله ...
- مفتي سوريا يحذر من الانزلاق إلى الانتقام ويطالب بتسريع العدا ...
- انفراجة في مضيق هرمز.. حركة الملاحة تقفز إلى أعلى مستوى منذ ...
- حر شديد في أوروبا: أفيال ودببة حديقة برلين تنتعش بالماء
- موجة حر تقترب من 40 درجة في فرنسا: السياح يغيرون عاداتهم


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثامنة