أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الرابعة














المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الرابعة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 22:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا يحاول القبيسي هنا نفي الوجود الكوردي فحسب، بل تقليص جغرافية كوردستان نفسها عبر قراءة مبتسرة لخريطة ابن حوقل، وكأنه يتعامل مع خريطة حدودية حديثة من القرن العشرين، لا مع تصور جغرافي من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي.
والمفارقة أن من لا يحسن قراءة الجغرافيا التي وُلد فيها، يريد أن يعلّمنا حدود كوردستان من خلال إسقاطات مرتبكة، تنقل مركز النقاش إلى جنوب وغرب بحر قزوين وشمال طهران، وكأن كوردستان كلها تختزل هناك. وهذه ليست قراءة جغرافية، بل هروب من الجغرافيا.
وما يزيد الأمر بؤسًا أن القبيسي يحاول الظهور بمظهر الباحث الممسك بالمصادر، بينما تكشف أمثلته، واحدًا بعد آخر، عن سذاجة معرفية غارقة في الجهل، وعن عجز واضح في فهم النصوص والخرائط والسياقات التاريخية. وسأعود إلى هذه الأمثلة لاحقًا، لأنها لا تحتاج إلى كثير عناء لكشف هشاشتها؛ فهي تنهار بمجرد وضعها أمام أبسط قواعد القراءة الجغرافية والتاريخية.
لقد قرأتُ خريطة ابن حوقل قبل أكثر من عقد، لا كهاوٍ يفتش عن جملة تخدم موقفًا سياسيًا، بل كجغرافي يعرف أن الخرائط القديمة لا تُقرأ بمنطق الحدود القومية الحديثة.
إن خريطة ابن حوقل وكتابه «صورة الأرض» لا يمكن أن يُقرأا بهذه الخفة. فابن حوقل لم يكن يرسم حدود دول قومية، ولا يقدم خرائط هندسية تصلح لحسم انتماء الشعوب إلى أرضها، بل كان ينتمي إلى تقليد جغرافي إسلامي وصفي، يتعامل مع الأقاليم، والبلدان، والمسالك، والممالك، والجبال، والأنهار، ومناطق النفوذ والتجاور البشري.
لذلك فإن التعامل مع خريطته يحتاج إلى قراءة علمية هادئة، لا إلى عبث أيديولوجي بخريطة قديمة لا تحتمل هذا النوع من الإسقاط القومي الحديث، ولا إلى اقتطاعٍ مرتبك يُستخدم لتقليص جغرافية كوردستان أو إخراج الكورد من أرضهم التاريخية.
والأشد ابتذالًا أن تُبنى جدلية كاملة على تفسير مغفل لكلمة “الكورد”، أو على أسماء مثل أربيل والسليمانية، وكأن التاريخ يبدأ من لفظة معزولة أو من تسمية مدينة. هذا لا يكشف ضعفًا في قراءة التاريخ فحسب، بل يطعن حتى في جدية الاختصاص اللساني ذاته؛ فاللغة لا تُفسَّر بالهوى السياسي، ولا تُردّ أسماء الشعوب إلى اشتقاقات مرتجلة تخدم رغبة مسبقة في النفي. ولو كان اللسان وحده يكفي لإلغاء الشعوب، لكان بالإمكان محو نصف تاريخ الشرق بألعاب اشتقاقية لا تساوي حبرها.
إن اسم الكورد ورد في مصادر تاريخية عربية وإسلامية مبكرة، كما ظهر حضورهم في الجغرافيا والقبائل والجبال والمدن والوقائع، قبل أن تتحول العربية القرآنية/القرشية إلى معيار كتابي جامع في المنطقة. ومن المعلوم أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا كتلة لغوية موحدة بالمعنى الثقافي والسياسي اللاحق، بل قبائل ولهجات متعددة، وحين تمددت الغزوات العربية–الإسلامية كانت الرسالة والنص يوحّدان المجال الرمزي والديني أسرع مما كانت اللغة توحّد كل البنى الاجتماعية واللسانية. فبأي منطق يأتي القبيسي، بعد قرون، ليزعم أن “الكورد” تعني “الأبعد” أو “المبعدين” باللغة العربية؟ وبأي لهجة؟ وفي أي سياق؟ وهل كان المؤرخون والجغرافيون المسلمون، الذين ذكروا الكورد بوصفهم قومًا وقبائل وجغرافيا، أجهل من تأويل متأخر يريد أن يمحو شعبًا بخلق اشتقاق لغوي سقيم؟
ثم ماذا يفعل القبيسي بالذكر المبكر للكورد في أخبار البصرة والغزوات، والرقة والرها ونصيبين وغيرها من المدن، أو بما ورد في الشعر العربي ذاته؟ ألم يقل مالك بن الريب، صاحب واحدة من أشهر المراثي في الشعر العربي:
“أقول وقد حالت قرى الكُرد بيننا / جزى الله عمرًا خيرَ ما كان جازيا”؟
والتي قالها في خلافة عثمان بن عفان، عندما كان غازيا في خراسان، وتوفي فوق رابية على مشارف طيسفون – التي عربت إلى المدائن - عاصمة الإمبراطورية الساسانية، فأين هي هذه “القرى المبعدة”؟ وهل كانت “قرى الكورد” في وعي الشاعر مجرد اشتقاق لغوي طارئ، أم جغرافيا معلومة في المخيال العربي المبكر؟ إن محاولة تحويل اسم شعب إلى لعبة اشتقاقية لا تهين الكورد وحدهم، بل تهين اللغة العربية نفسها، لأنها تفترض أن العرب الأوائل كانوا يذكرون الأسماء بلا معرفة، وأن الجغرافيين كانوا يرسمون العوالم بلا إدراك، وأن المؤرخين كانوا يكتبون عن قوم لا وجود لهم.
والشاهد التالي، الذي يسبق النص الأول بما يقارب قرنًا من الزمن، يكشف مقدار الهشاشة المعرفية في أطروحات الدكتور محمد بهجت القبيسي؛ إذ يبدو، على الأرجح، أنه لم يطّلع عليه، ولو قرأه لما تجرأ على إطلاق أحكامه التعميمية حول عروبة تلك الجغرافيا التي كانت، في عمقها التاريخي، جزءًا من المجال الكوردي - الساساني.
فهذا الشاهد من الدلائل اللافتة على الحضور الكوردي في البنية العسكرية للإمبراطورية الساسانية…

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...


المزيد.....




- وزير الدفاع الأمريكي: قواتنا ستكون مشغولة الليلة بضرب إيران ...
- الولايات المتحدة تشن هجمات جديدة على إيران
- العلاج النفسي لكبار السن، هل فات الأوان؟
- عاجل: القوات الأمريكية تعلن تنفيذ هجمات ضد إيران
- الجيش الأمريكي ساعد بإخراج أكثر من 100 مليون برميل نفط عبر م ...
- مراجعة حق المواطنة بالولادة في الولايات المتحدة الأمريكية
- شهادة طوعية وأسماء جديدة.. كواليس استجواب غيتس في قضية إبستي ...
- تفعيل الدفاعات الجوية في محافظة فارس جنوب إيران بعد سماع دوي ...
- مصدر عسكري إيراني يتوعد الولايات المتحدة برد قوي
- لائحة اتهام أمريكية ضد 8 نشطاء مؤيدين لفلسطين بـ -التآمر لتر ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الرابعة