أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة السادسة














المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة السادسة


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 00:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من أغرب ما يفعله مزوّرو تاريخ الشعب الكوردي أنهم حين يعجزون عن اقتلاعه من الجغرافيا، يحاولون دفعه إلى زمنٍ متأخر، كأن التاريخ لا يبدأ إلا من اللحظة التي تخدم أوهامهم. وهكذا ينهار الادعاء بأن الكورد لم يظهروا إلا في زمن الصفويين والعثمانيين أمام أبسط شواهد التاريخ الإسلامي الوسيط.
فصلاح الدين الأيوبي، المولود في تكريت سنة 1137/1138م، لم يظهر من فراغ، ولم تنزل أسرته الأيوبية من هامش مجهول في التاريخ، بل جاءت من بيئة كوردية معروفة، قبل الدولة الصفوية والصراع الصفوي–العثماني بقرون. وإذا كان القبيسي يريد نفي الوجود الكوردي قبل تلك المرحلة، فعليه أولًا أن يفسر لنا من أين جاء صلاح الدين، ومن أي فراغ خرجت أسرته، ومن أين جاءت العشائر الكوردية التي استند إليها في حروبه ومواجهة الصليبيين.
وعليه أن يشرح أيضًا كيف صار رجلٌ من أسرة كوردية مؤسسًا لسلالة حكمت مصر والشام واليمن وفلسطين، وارتبط اسمها بواحد من أكثر التحولات حضورًا في التاريخ الإسلامي الوسيط. أما أن يُلغى كل هذا الحضور بجملة مرتجلة عن الصفويين والعثمانيين، فذلك لا يدل على قراءة تاريخية، بل على عجزٍ فاضح عن رؤية ما هو مكتوب في أبسط صفحات التاريخ.
بل إن امتدادات تلك المرحلة لم تختفِ؛ فما زالت هناك كتل سكانية كوردية ذات حضور ديمغرافي وثقافي واضح في مصر ودمشق، فضلًا عن امتدادات كوردية في السودان واليمن وفلسطين والأردن ومدن سورية أخرى. وهذا يؤكد أن الحضور الكوردي لم يكن طارئًا ولا معزولًا، بل جزءًا من حركة تاريخية واسعة، تركت آثارها في بنية المجتمعات التي وصلت إليها، ولا يستطيع القبيسي شطبها بجملة مرتبكة أو قراءة مبتسرة.
أما ربط تاريخ الكورد بالمؤرخ والعلامة محمد أمين زكي وحده، فليس سوى حيلة بالية أخرى يراد منها الإيحاء بأن التاريخ الكوردي صناعة حديثة. فمحمد أمين زكي، المولود سنة 1880 والمتوفى سنة 1948، لم يخلق التاريخ الكوردي من العدم، بل حاول جمع شتاته وقراءته في ضوء مصادر سبقته بقرون طويلة. والتاريخ لا يبدأ بالباحث الذي يدوّنه، بل بالوقائع والشعوب والجغرافيا والشواهد التي تسبق التدوين نفسه.
فكما أن تاريخ العرب لم يبدأ مع الطبري المتوفى سنة 923م، ولا تاريخ الفرس بدأ مع الفردوسي المتوفى نحو سنة 1020م، ولا تاريخ اليونان بدأ مع هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، كذلك لم يبدأ تاريخ الكورد مع محمد أمين زكي. هؤلاء المؤرخون والشعراء والجامعون لم يصنعوا الأمم، بل دوّنوا شيئًا من ذاكرتها، كلٌّ بحسب عصره ومصادره ورؤيته.
لقد ورد ذكر الكورد في طبقات متعددة من المدونات القديمة والوسيطة، من الشواهد اليونانية والرومانية، إلى المؤرخين والجغرافيين المسلمين الأوائل. ولم ينتظروا محمد أمين زكي كي يكتشفوا وجود الكورد أو جغرافيتهم أو أدوارهم في التاريخ الإسلامي والسياسي والعسكري.
وفي العصر الحديث، تناول الكوردَ باحثون ومستشرقون ومؤرخون كثر من خارج الدائرة الكوردية، مثل فلاديمير مينورسكي، وباسيل نيكيتين، ومارتن فان بروينسن، وويل ديورانت، وغيرهم، ولم يكونوا بحاجة إلى اختراع شعب أو مجاملة قضية. فالشعب الذي تظهر آثاره في الجبال واللغة والقبائل والمدن والوقائع والسجلات، لا ينتظر مؤرخًا حديثًا كي يمنحه شهادة ميلاد. محمد أمين زكي كان حلقة مهمة في تدوين التاريخ الكوردي، لا بداية ذلك التاريخ، ومن يخلط بين التدوين والوجود إنما يكشف ضحالته لا غياب الكورد عن التاريخ.
ومن المفارقات التي تكشف عمق الاضطراب في خطاب القبيسي أنه يتحدث أحيانًا عن “أرض إسلامية”، وكأن هذه الصفة تُلغي هوية الشعوب التي سكنتها. فإذا كانت الأرض “إسلامية” بالمعنى الديني، فهل يعني ذلك أن الكورد ليسوا مسلمين؟ أم أن الإسلام صار، في منطقه، أداة لطمس الشعوب لا فضاءً جامعًا لها؟ إن هذا الخلط بين الدين والجغرافيا والقومية ليس خطأ عابرًا، بل جوهر الذهنية التي تريد ابتلاع الشعوب باسم خرائط سلطوية، ثم تقديم الابتلاع بوصفه تاريخًا، وهذه تعكس إما قمة الغباء الواثق من الذات، أو العنصرية السافرة، التي تخلق الجهالة المقنعة.
نقاء المختص يظهر حين يحترم مادته، ويخاف على الحقيقة من أهوائه، ويملك شجاعة الاعتراف بتعقيد التاريخ لا تسطيحه. أما أن تُستخدم اللسانيات لتزوير الدلالة، والجغرافيا لنفي الشعوب، والخرائط القديمة لتمرير أحقاد قومية حديثة، فهذا ليس بحثًا تاريخيًا، بل انتحال معرفي مغطى بلقب أكاديمي. وهنا لا يبقى أمامنا إلا أحد احتمالين: إما أن العنصرية غلبت الحقيقة في قراءته، أو أن جهله بالتاريخ الكوردي أعمق من لقبه، وأن معلوماته محصورة في مصادر لا يملك القدرة على معالجتها، حتى لو قدّمها بأسلوب سلس. فالسلاسة لا تصنع معرفة، واللقب لا يمنح صاحبه حصانة من الضحالة.
ومن المفارقات أن يستند إلى ابن حوقل لنفي الوجود الكوردي، ويتعامى عن ورود اسم الكورد وحضورهم في مصادر إسلامية مبكرة ومتعددة، ككتابات البلاذري - 892م في أخبار الفتوح، والطبري - 923م في تاريخ الرسل والملوك، والدينوري - 895م في الأخبار الطوال، واليعقوبي - 905م في التاريخ والبلدان، والمسعودي - 956م في مروج الذهب والتنبيه والإشراف، ثم عند جغرافيين كبار مثل ابن خرداذبه، والإصطخري، والمقدسي، وصولًا إلى ابن الأثير الجزري في الكامل. فهل كان كل هؤلاء يذكرون قومًا لا وجود لهم؟ أم أن المشكلة فيمن جاء متأخرًا، محمّلًا بأحقاد قومية حديثة، يريد أن يمحو شعبًا كاملًا باشتقاق لغوي سقيم أو قراءة مشوهة لخريطة قديمة؟، متناسيا أن ابن حوقل نفسه هو “النصيبيني”، أي ابن نصيبين، المدينة الواقعة في صميم الجزيرة العليا وعلى تخوم الجغرافيا الكوردية التاريخية. فهل يُعقل أن تُستعمل خريطة جغرافي من أبناء ذلك المجال، كتب في القرن العاشر الميلادي بروح الجغرافيا الوصفية، لإلغاء شعبٍ من أرضه بعد ألف عام؟ هذه ليست قراءة علمية لخريطة ابن حوقل، بل توظيف أيديولوجي متأخر لخريطة لا تقول ما يريدون تحميلها إياه.

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...


المزيد.....




- مرتضى منصور يشن هجوما لاذعا على دعاة -الدعارة- والمخدرات في ...
- الخارجية الروسية: نظام كييف سيدفع حتما الثمن لارتكابه جريمة ...
- حاملة الطائرات الفرنسية -شارل ديغول- تغادر بحر العرب دون مشا ...
- المكسيك.. مقتل عمدة مدينة سان ميغيل أماتيتلان برصاص مسلحين ( ...
- تفاهم ترامب وإيران.. نهاية حرب أو عودتها
- الجيش الإسرائيلي يعلن العثور على خرائط تجسد تهديد الأنفاق عل ...
- إصرار ترامب -الغريب- على توقيع اتفاق مع إيران غدا الأحد.. ما ...
- اتهامات مروعة بحق نزلاء السجون في مصر.. والداخلية ترد
- هيئة البث الإسرائيلية: الجيش يستعد لاحتمال وقف التقدم البري ...
- توسع رقعة الاشتباكات في الجنوب اللبناني


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة السادسة