|
|
من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
محمود عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 21:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كيف تُصادَر سوريا باسم الانتقال السياسي؟ ليست أخطر التحولات السياسية تلك التي تُفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تُعاد صياغتها لغويًا وإعلاميًا حتى تبدو مقبولة في وعي الناس. هكذا جرى، خلال سنة ونصف تقريبًا، نقل المشهد السوري من الحديث عن نظام الجولاني إلى الحديث عن حكومة الشرع أو الحكومة السورية الانتقالية، وكأننا أمام انتقال وطني طبيعي، لا أمام إعادة إنتاج سلطة أيديولوجية متطرفة بثوب إداري جديد. لقد نجحت هذه السلطة، مستفيدة من تقاطع مصالح أمريكية وإسرائيلية وتركية وعربية سنية، في تمرير واحدة من أخطر عمليات التضليل السياسي بعد سقوط النظام البائد. فبدل أن يبقى السؤال المركزي حاضرًا: من يحكم سوريا؟ وبأي عقل؟ وبأي دستور؟ وبأي مشروع وطني؟ جرى إغراق السوريين في أسئلة ثانوية: من سيحصل على المنصب؟ من سيدخل الإدارة؟ من سيمثل هذا المكوّن أو ذاك؟ من سيُعيَّن في مجلس الشعب؟ ومن سيقترب من مركز القرار؟ هكذا تحولت القضية من معركة من أجل بناء سوريا ديمقراطية لا مركزية إلى صراع على الفتات داخل بنية سلطة لم تتغير في جوهرها، بل غيّرت خطابها وأسماءها وأبواب الدخول إليها. والأخطر أن بعض القوى التي كانت تتحدث بالأمس عن الديمقراطية واللامركزية والعدالة الانتقالية، بدأت اليوم تتعامل مع التعيين في مؤسسات هذه السلطة وكأنه إنجاز سياسي، لا كجزء من عملية احتواء مدروسة. لقد جرى إلهاء الشعوب السورية، لا بالقضايا الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تقتل الوعي بالتدريج. المجاعة، البطالة، الانهيار الاقتصادي، الصراع على لقمة العيش، التنافس بين المكوّنات، الخوف من الفوضى، والبحث عن أي هامش أمني أو إداري؛ كل ذلك تحوّل إلى غطاء لتمرير سؤال أخطر، ما طبيعة النظام الذي يُبنى الآن في سوريا؟ فالانتقال السياسي لا يُقاس بتغيير الأسماء، ولا بتبديل الواجهات، ولا بإدخال بعض الشخصيات إلى مؤسسات لا تملك قرارها. الانتقال الحقيقي يبدأ من طبيعة السلطة نفسها، هل نحن أمام دولة مواطنة أم دولة عقيدة؟ هل نحن أمام دستور ديمقراطي أم دستور ديني متطرف مقنّع؟ هل نحن أمام سلطة منتخبة أم سلطة مُعيَّنة؟ هل نحن أمام برلمان يراقب الحكومة أم مجلس تابع لها؟ هل نحن أمام شراكة وطنية أم إعادة إنتاج مركزية جديدة بلباس مختلف؟ ما يُقدَّم اليوم بوصفه انفتاحًا أمنيًا محدودًا، أو تسامحًا إعلاميًا محسوبًا، أو مشاركة رمزية لبعض القوى والشخصيات، لا يلغي الحقيقة الأعمق، هناك ركيزة فكرية ظلامية تُبنى بهدوء. من التعليم إلى الإدارة، ومن الشارع إلى الخطاب الديني، ومن المؤسسات إلى الثقافة العامة، يجري دفع سوريا نحو جلباب أيديولوجي أسود، قد يُقدَّم لاحقًا في صيغة دستور أو مرجعية عليا تحت عنوان “تطبيق النص” أو “هوية الأمة” أو “ثوابت المجتمع”. عندها يصبح الدين والسياسة والتعليم والقانون والثقافة كتلة واحدة، وتصبح الدولة مجرد جهاز تنفيذي لعقيدة مغلقة. ومن هنا تكمن خطورة ما يسمى بمجلس الشعب. فالمجلس، في أي نظام ديمقراطي، يفترض أن يكون سلطة تشريعية تراقب السلطة التنفيذية وتحاسبها. أما في الحالة السورية الراهنة، فقد جرى تحويله إلى إدارة ملحقة بالسلطة، تُعيَّن كما تُعيَّن أي وزارة أو هيئة حكومية. وما سُمّي انتخابات أو اختيارًا أو تمثيلًا لم يكن، في جوهره، إلا عملية شكلية لإضفاء شرعية على بنية جاهزة، محكومة بالتوازنات الخارجية، وبالأخص بالإملاءات التركية التي باتت تتحكم بمفاصل واسعة من القرار السوري. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في عدد المقاعد أو أسماء المعيّنين، بل في وظيفة المؤسسة نفسها. فإذا كانت السلطة التنفيذية مصنوعة وموجّهة، وكانت السلطة التشريعية تابعة لها، فأين الدولة؟ وأين الدستور؟ وأين السيادة؟ وأين الشعب؟ إننا أمام سلطة تُنتج مؤسسات على صورتها، لا أمام مؤسسات تُنتج سلطة وطنية. والأشد خطورة أن هذه العملية نجحت في نقل الصراع من مواجهة نظام طاغية دمّر سوريا طوال أكثر من نصف قرن، إلى صراع بين المكوّنات السورية نفسها. بدل أن يتوحد السوريون حول سؤال الحرية والديمقراطية وبناء الدولة، جرى دفعهم إلى صراعات جانبية: عربي ضد كوردي، إسلامي ضد علماني، سني ضد علوي ودرزي، مكوّن ضد مكوّن، منطقة ضد منطقة، ومطالب ديمقراطية وقومية في مواجهة حاجات الخبز والأمان. هكذا تتحول الثورة من مشروع خلاص وطني إلى سوق للولاءات والمناصب والنجاة الفردية. وحين يُدفع الناس إلى الجوع والخوف، يصبح المنصب الصغير إنجازًا، والراتب امتيازًا، والاعتراف الشكلي مكسبًا، والدخول إلى مؤسسة تابعة انتصارًا. وفي هذه اللحظة تحديدًا تُهزم السياسة الكبرى، لأن المجتمع يُسحب من سؤال الدولة إلى سؤال البقاء اليومي. وفي هذا المناخ، وجدت القوى المتطرفة فرصتها الذهبية. فهي لا تحتاج دائمًا إلى إعلان مشروعها كاملًا منذ البداية. يكفي أن تسيطر على التعليم، وأن تُعيد تشكيل الإدارة، وأن تفرض خطابها في الشارع، وأن تُطبع المجتمع تدريجيًا مع رموزها ولغتها ومفرداتها. ثم حين يعتاد الناس على المشهد، تأتي اللحظة الدستورية لتكريس ما تم بناؤه فعليًا على الأرض. وهكذا لا يُفرض الظلام دفعة واحدة، بل يزحف على هيئة “مرحلة انتقالية”. أما الحركات الديمقراطية السورية، فقد وقعت في أخطر فخ سياسي: فخ الاعتراف العملي بالنظام قبل تحديد طبيعته. لقد انتقلت، في كثير من مواقعها، من معركة تغيير بنية الحكم إلى معركة الحصول على موقع داخل هذه البنية. وهنا تكمن الهزيمة الكبرى؛ لأن من يقبل الدخول في مؤسسة صورية قبل تثبيت قواعد الدولة الديمقراطية، يمنح شرعية لمنظومة قد تستخدمه لاحقًا شاهد زور على تعدديتها المزعومة. لقد تحولت سوريا، أو يُراد لها أن تتحول، من بلد يبحث عن عقد اجتماعي جديد إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين الخارج والداخل. تركيا تريد سلطة تابعة تمنع أي كيان كوردي ديمقراطي. أمريكا تريد إدارة تخدم توازناتها الأمنية. إسرائيل تريد سوريا ضعيفة ومجزأة وغير قادرة على تهديد حدودها. بعض الدول العربية السنية تريد سلطة تُبعد إيران، ولو كانت محمولة على فكر ديني متشدد. أما الشعب السوري، بكل مكوناته، فيُطلب منه أن يقبل بهذه الصفقة تحت اسم “الانتقال السياسي”. لكن سوريا لا تُنقَذ بإدارة انتقالية صورية، ولا بمجلس شعب مصنوع، ولا بتوزيع المناصب على المكوّنات كما تُوزع الحصص في شركة خاسرة. سوريا تُنقَذ فقط بعقد وطني جديد، وبنظام لا مركزي حقيقي، وبفصل الدين عن الدولة، وبضمان دستوري لحقوق القوميات والمكونات، وبإخراج السلاح الأيديولوجي من السياسة، وبمنع أي سلطة من احتكار معنى الوطن باسم الدين أو الأكثرية أو الشرعية الثورية. أما إذا استمرت القوى الديمقراطية في الركض وراء المناصب، واستمرت السلطة الجديدة في بناء دولة العقيدة تحت غطاء الانتقال، فإن سوريا لن تخرج من الاستبداد، بل ستنتقل من استبداد عسكري قومي إلى استبداد ديني مركزي. وسيكتشف الجميع، بعد فوات الأوان، أن المشكلة لم تكن فقط فيمن سقط، بل فيمن جاء بعده، وفي النظام الذي أُعيد بناؤه فوق أنقاض البلاد. إن أخطر ما يحدث اليوم ليس أن الجولاني غيّر اسمه السياسي، بل أن كثيرين قبلوا تغيير اسمه في وعيهم قبل أن يسألوا عن مشروعه. وهنا تبدأ الكارثة، حين تنجح السلطة في تغيير اللغة، تكون قد قطعت نصف الطريق إلى تغيير الحقيقة. د. محمود عباس الولايات المتحدة الأمريكية 4/7/2026 م
#محمود_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
-
مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
-
مجلس الشعب السوري المعيّن
-
التكويع
-
من سرق تريليون العراق؟
-
متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟
...
-
متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟
...
-
ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
-
متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث
...
-
عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ
...
-
توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
المزيد.....
-
أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة
...
-
عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
-
الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
-
وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم
...
-
الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
-
5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي
...
-
-ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في
...
-
واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي
...
-
الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة
...
-
جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|