أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 3/3














المزيد.....

متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 3/3


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 11:03
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية
وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا لم تكن نكبتهم مجرد صراع داخل البلاط، بل علامة على الريبة العباسية المتزايدة من تلك القوى المشرقية العريقة التي امتلكت خبرة الإدارة والمال والسلطة، وحافظت على امتدادات ثقافية وجغرافية أعمق من التصنيف الفارسي العام.
غير أن هذه الريبة لم تقف عند حدود تصفية الرجال أو إقصاء البيوتات النافذة، بل امتدت لاحقًا إلى تصفية الذاكرة ذاتها: ذاكرة الأسماء، والمدن، والجغرافيا، والأنساب السياسية. فكما جرى فصل الكورد عن جزء واسع من الميراث الساساني والزاغروسي، جرى أيضًا التعامل مع مدنهم وأقاليمهم بالطريقة نفسها؛ تُبدَّل الأسماء، ثم تتحول التسمية اللاحقة إلى حجة على أصل مزعوم.
ومن هنا، فإن من يزعم أن آمد كانت مدينة عربية قديمة، عليه أن يفسر أولًا لماذا ظلت تُذكر باسمها غير العربي في نص جاهلي متصل بالعالم الساساني، ولماذا لم تظهر باسم «ديار بكر» في ذلك السياق. وعليه أن يفسر أيضًا كيف تصبح مدينة زاغروسية، قائمة في قلب المجال الكوردستاني، عربية لمجرد أن سلطة لاحقة غيّرت اسمها أو ألحقتها بتسمية قبلية طارئة.
إن هذه الإشكالية تكشف منهج التحريف بأكمله: لا يبدأ التزوير دائمًا باختراع تاريخ جديد، بل يبدأ أحيانًا بتغيير الاسم، ثم تحويل الاسم الجديد إلى دليل على أصل مزعوم. هكذا جرى التعامل مع آمد؛ تُترك المدينة في مكانها، ثم يُبدل اسمها، ثم يأتي من يقول إن الاسم الجديد دليل على أنها كانت له منذ البداية. وهذه ليست كتابة تاريخ، بل مصادرة للتاريخ باسم التسمية اللاحقة.
إن بيت عدي بن زيد لا يكشف تحريفًا شعريًا فحسب، بل يفتح نافذة على واحدة من أعقد عمليات إعادة كتابة تاريخ المنطقة: إقصاء الكورد من الميراث الساساني، ثم مطالبتهم لاحقًا بإثبات أنهم كانوا جزءًا منه. فالمنطق الذي حوّل «الكورد» إلى «ترك» في بيت شعري، هو ذاته الذي حوّل الساسانيين إلى «فرس» وحدهم، والفهلوية إلى فارسية، والبيوتات الزاغروسية إلى أسماء عامة بلا جذور محددة، وآمد إلى ديار بكر.
وهنا تكمن خطورة هذه السرديات؛ فهي لا تمحو الكورد بالصمت وحده، بل تمحوهم أحيانًا عبر الضجيج: بتضخيم أسماء أخرى، وتعميم هوية واحدة على كل ما هو ساساني، وإدخال أقوام لاحقة في مواضع لا سند تاريخيًا لها فيها، وتعريب المدن بأثر رجعي. وهكذا تُنتزع من الكورد شواهدهم، وتُعاد كتابة جغرافيتهم، ويُعاد توزيع ذاكرتهم على الآخرين، حتى يبدو السؤال عن أدبائهم وفلاسفتهم قبل الإسلام سؤالًا بلا أرضية، مع أن الأرضية كانت هناك؛ لكن أسماءها حُرّفت، وملامحها طُمست، وشواهدها نُقلت إلى غير أصحابها.
لذلك فإن الدفاع عن لفظة «بكُرد» في بيت عدي بن زيد لا ينفصل عن الدفاع عن اسم آمد، ولا عن إعادة قراءة الساسانية بوصفها فضاءً مركبًا لا يجوز اختزاله في «فارس» وحدها. فالذي يسلّم بتحويل الكورد إلى ترك، سيسلّم غدًا بتحويل آمد إلى ديار بكر، والساسانية إلى فارسية، وكوردستان إلى هوامش على خرائط الغالبين.
إن النص القديم هنا لا يحتاج إلى كثير عناء كي ينطق. المدينة تقول: أنا آمد. والسياق يقول: أنا ساساني فهلوي زاغروسي. والبيت يقول: هؤلاء من قرار بلادهم. أما الرواية اللاحقة فهي التي تحاول أن تجعل الكُرد غائبين عن مكانهم، وأن تجعل التاريخ شاهدًا عليهم لا لهم.
ومن هنا يبدأ واجب القراءة النقدية، أن نعيد إلى الكلمة اسمها، وإلى المدينة هويتها، وإلى التاريخ أصحابه. فاستعادة هذا البيت ليست دفاعًا عن لفظة، بل دفاع عن منهج. وليست خصومة مع البحتري بوصفه شاعرًا، بل مساءلة حادة للرواية المتأخرة، وللثقافة التي سمحت بتحويل شاهد كُردي إلى شاهد على غير الكُرد. إنها جزء من معركة أوسع لاستعادة التاريخ الكُردي من بين طبقات التحريف، وردّ النصوص إلى سياقاتها، وفتح السؤال الذي ظل يُراد له أن يبقى محرجًا أو مستحيلًا: هل غاب الأدباء والفلاسفة الكُرد قبل الإسلام، أم جرى تغييبهم؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
8/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2


المزيد.....




- منى زكي وهنيدي يشوقان الجمهور لفيلمهما المرتقب -الجواهرجي-
- إيران وأمريكا تواصلان تصعيد الهجمات وتبادل الاتهامات
- الدفاع الروسية: إسقاط 213 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
- القنصل الروسي في هيوستن يشبه رعاة البقر في تكساس بالقوزاق
- البحرين تعلن صد هجوم جوي إيراني وتدعو إلى الحذر
- بعد تعرضها لهجوم جديد.. الكويت تدين الاعتداءات الإيرانية الم ...
- عون يدعو ترمب للضغط على إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان
- يدخلون أراضيهم خلسة.. هكذا يخنق الاحتلال مزارعي الضفة الغربي ...
- يرقات سامة تهاجم حدائق برلين.. شاهد آثارها المدمّرة
- فيضانات مدمرة تضرب ولاية كنتاكي الأمريكية.. قتلى ومنازل غارق ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 3/3