أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح














المزيد.....

ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:01
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


رغم خباثة نظام ولاية الفقيه، وما ارتكبه من جرائم داخل إيران وخارجها، إلا أن المفارقة المؤلمة اليوم أن خطابه، في بعض الملفات، يبدو أكثر وضوحًا من خطاب إدارة ترامب، التي تحاول تغطية خسارتها السياسية والعسكرية بسيلٍ من التصريحات المتناقضة.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي «إلى أجل غير مسمى»، بينما تنفي طهران تقديم أي تنازل من هذا النوع، وتؤكد أن تفتيش المنشآت المتضررة ليس مطروحًا حاليًا. وهذه وحدها تكشف هشاشة الاتفاق، أو على الأقل هشاشة الرواية الأميركية عنه. ووزير خارجيته ماركو روبيو يجدد رفض واشنطن لأي رسوم أو بدلات عبور في مضيق هرمز، في الوقت الذي تتحدث فيه إيران وسلطنة عُمان عن ترتيبات مستقبلية لإدارة الملاحة في المضيق. أما جي دي فانس فينفي أن تكون واشنطن بصدد تقديم 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، بينما تؤكد طهران، أو تسوّق داخليًا، أن ملف إعادة الإعمار جزء من الاتفاق أو من ملحقاته.
والأخطر أن التناقض لا يأتي من اختلاف الروايتين الأميركية والإيرانية وحده، بل من داخل إدارة ترامب نفسها. فبين وزير الطاقة ووزير الخارجية تتباين الإشارات حول مضيق هرمز ومرور السفن العالمية، وبين نائب الرئيس ووزير الخارجية تختلف اللغة حول الأموال التي قد تحصل عليها إيران وكيفية صرفها أو ضبطها. وهذه الفوضى في الخطاب لا تعكس إدارة منتصرة، بل إدارة مرتبكة تحاول صناعة رواية موحدة ولا تنجح. في المقابل، تبدو طهران، رغم طبيعة نظامها ومراوغاته، أكثر انضباطًا في خطابها، وكأنها تعرف ماذا تريد من الاتفاق، بينما لا تزال واشنطن تبحث عن الطريقة التي تبيعه بها كإنجاز.
هذه التناقضات، وفي الحالتين، لا تبدو مجرد اختلاف في التفاصيل، بل محاولة لإدارة الهزيمة لغويًا وسياسيًا. فإدارة ترامب تريد أن تظهر وكأنها انتزعت اتفاقًا بشروطها، بينما الوقائع توحي بأن إيران تفرض بنودًا وتفسيرات مقابلة، من ملف التفتيش إلى مضيق هرمز، ومن إعادة الإعمار إلى شروط وقف الحرب في لبنان وغيرها.
ولا يمكن فهم هذه اللحظة من دون التذكير بأن إيران، كدولة عميقة ذات ميراث إمبراطوري طويل، تمتلك خبرة واسعة في تحويل التفاوض إلى ساحة صراع أخرى. فمن إرث الإمبراطوريات القديمة، إلى مرحلة تصدير الثورة، وطرد النفوذ الأميركي من إيران، والحرب العراقية الإيرانية طوال ثمانية سنوات، ثم إدارة ملفات المنطقة تحت شعار المقاومة، وصولًا إلى مسارات سوتشي وأستانه في الملف السوري، كثيرًا ما عرفت طهران كيف تخسر في ميدان، ثم تحاول تعويض ذلك في ميدان السياسة والاتفاقيات وإدارة الوقت.
إلى جانب ذلك، فإن النظام الشمولي في إيران، كعادة الأنظمة الاستبدادية، ولا سيما الغارقة في منهجية أيديولوجية مذهبية، لا يعترف بالخسارة ما دام قادرًا على البقاء والتفاوض وإعادة تفسير النتائج لجمهوره. أما أميركا، وخاصة في عهد ترامب، فتبدو اليوم كأنها بحاجة إلى جهد كبير لاستعادة هيبتها الإمبراطورية، لا في الخارج فحسب، بل في الداخل الأميركي أيضًا، وربما حتى داخل أقطاب الحزب الجمهوري نفسه.
والأخطر أن هذه المفاوضات، حتى إن بدت في ظاهرها تفاهمًا أميركيًا ـ إيرانيًا، خلقت شرخًا واضحًا أو ظاهرًا بين واشنطن وتل أبيب. ولا أحد يعرف بدقة ما يجري خلف كواليس السياسة بين الطرفين، كما لا يبدو منطقيًا أن يكون ترامب قادرًا، بسهولة، على مواجهة ثقل اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. لكن مجرد غياب إسرائيل ظاهريًا عن طاولة المباحثات، وظهور واشنطن كأنها تفاوض إيران على ملفات تمسّ الأمن الإسرائيلي مباشرة، يفتح أبوابًا كثيرة من الشك والأسئلة، حول هذه المباحثات التي تظهر فيها التنازلات بشكل واضح.
فهل يمكن فعلًا أن تضع إدارة ترامب الأمن الإسرائيلي على المحك، بينما لا تزال أدوات إيران في لبنان والعراق واليمن وسوريا تملك من القوة ما يكفي لإيذاء إسرائيل وحلفاء واشنطن؟ أم أن ما يجري ليس سوى توزيع أدوار بين العلن والكواليس، بحيث تبدو أميركا كأنها تفاوض، وتبدو إسرائيل كأنها غائبة، بينما تُدار الحسابات الحقيقية في مكان آخر؟
ومع أن الحوارات الجارية في سويسرا تُقدَّم أميركيًا وكأنها تسير بسلاسة، فإن كثرة النفي والتصحيح والتناقض تكشف أن الاتفاق ليس انتصارًا واضحًا، بل تسوية مرتبكة يحاول كل طرف تسويقها لجمهوره بطريقته. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن الجدل داخل الكونغرس، والتصويت الضيّق على تقييد انخراط القوات الأميركية في مواجهة إيران، يضعان شرعية الحرب نفسها موضع سؤال، وكأن المعركة لم تكن محسومة لا قانونيًا ولا سياسيًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل جاء تراجع ترامب تحت ضغط داخلي؟ أم بفعل خلافات داخل الحزب الجمهوري؟ أم نتيجة حسابات أعمق ترسمها الدولة العميقة العصرية ومراكز القوة الاقتصادية والتكنولوجية، في محاولة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية وفق سمات إمبراطورية أميركية حديثة، لا تعتمد على الاحتلال المباشر بقدر ما تعتمد على المال، والتكنولوجيا، والتحكم بمسارات النفوذ العالمي؟ أم أننا أمام تغيير في استراتيجية مواجهة إيران وأدواتها، يقوم على الركون إلى التفاوض قبل جولة صراع جديدة؟ وربما لا يكون التراجع تراجعًا نهائيًا، بل إمهالًا محسوبًا، ريثما تُعاد صياغة خريطة التغيير الذي يُراد لإيران القادمة أن تكون عليه؛ فكأن الظروف الحالية لم تكن مهيأة بعد لإسقاط النظام أو تغييره، لا لأن واشنطن تخلّت عن الهدف، بل لأن البديل، والتوقيت، وترتيبات الداخل الإيراني والإقليم المحيط به، لم تنضج بعد في حسابات الإمبراطورية الأميركية الحديثة.
كل الاحتمالات واردة، لكن الظاهر حتى الآن أن إدارة ترامب لا تبدو كمن خرج منتصرًا من حرب، بل كمن يبحث عن لغة أنيقة لتغطية ثمنها. أما إيران، رغم طبيعة نظامها القمعية والمراوغة، فهي تعلن شروطها بوضوح أكبر، بينما يحاول ترامب وفريقه إقناع الداخل الأميركي بأن ما جرى كان نصرًا، لا هروبًا من مأزق.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
23/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود


المزيد.....




- لماذا تصر إيران على ربط حزب الله باتفاقها مع واشنطن؟
- مدرسة ميناب.. قد لا يتم التوصل أبدا إلى تحديد المسؤول عن است ...
- زلزالان قويان يضربان فنزويلا.. دمار هائل ومخاوف من خسائر بشر ...
- تقرير: غياب إسرائيل عن جولة روبيو الخليجية يسلط الضوء على تب ...
- الخارجية الأمريكية: الولايات المتحدة تستعد لتقديم مساعدات إل ...
- الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.. احتفالات بطعم الجدل والان ...
- من فنزويلا إلى اليابان وأمريكا.. لماذا شهد العالم هذا العدد ...
- هل تؤدي القهوة إلى الجفاف؟.. خبيرة توضح الحقيقة
- تقنية روسية جديدة تسرع علاج العمى الوراثي
- علماء يحددون عمر المذنب -3I/ATLAS-


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح