أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 2/3














المزيد.....

متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 2/3


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 21:09
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية
فالقراءة التي نرجّحها في سياق القصيدة هي «بكُرد» لا «بترك»، لأن بنية الحدث ومجاله الساساني ـ الفهلوي ـ الزاغروسي تجعل الحضور الكوردي طبيعيًا وفاعلًا في هذه الجغرافيا الجبلية والحدودية، بينما لا تساعد معطيات الزمن والجغرافيا على افتراض حضور تركي سياسي أو ديمغرافي في هذا الموضع من المجال الساساني في القرن السادس الميلادي.
أما بقية المقطوعة، فإنها تمضي في سياق وعظي أوسع عن تقلّب الدهر وزوال الملوك والدول، وهو سياق مهم من الناحية الأدبية، لكنه لا يضيف شيئًا مباشرًا إلى موضع الإشكال الذي نناقشه هنا.
ولكي تتضح الإشكالية، يكفي أن نضع الصيغتين المتقابلتين أمام القارئ. ففي الرواية التي أثبتها البحتري نقرأ: «صرعن قُباذًا ربّ فارس كلها»، و«وجئن بترك من قرار بلادهم». أما الصيغة الأساسية قبل أن تعبث بها الرواية المتأخرة، فهي: «صرعن قُباذًا ربّ ملك ساسان»، و«وجئن بكُرد من قرار بلادهم»، وهي الصيغة المنسجمة مع زمن عدي بن زيد، وصلته بالحيرة والبلاط الساساني، ومع المجال الزاغروسي–الكوردستاني للحدث. ولا نورد هذه القراءة عبثًا بالنص، بل ردًّا له إلى سياقه الذي شوّهته الذاكرة اللاحقة حين اختزلت ساسان في فارس، وأزاحت الكورد إلى الترك.
وتؤيد ذلك نصوص عدي نفسه، فهو في موضع آخر يقول: «أين كسرى، كسرى الملوك، أبو ساسان / أم أين قبله سابور؟»؛ أي إنه يستحضر ساسان مباشرة، ويربط كسرى بالبيت الساساني، ولا يذيب هذا العالم كله في اسم «فارس». فإذا كان الشاعر يملك هذا الوعي الساساني في موضع آخر، فلماذا تختفي ساسان هنا لصالح فارس؟ وإذا كان النص يتحرك في فضاء آمد ومارد وزاغروس وكوردستان، فلماذا يظهر الترك في موضع لا ينسجم مع زمن القصيدة ولا مع مسرحها؟
واللافت أن القصيدة نفسها، حتى في رواية البحتري، لا تستطيع إخفاء بيئتها الأصلية؛ فهي تذكر قُباذ، وآمد، ومارد، وحمير، والحبش، والروم، وسليمان وريدان. أي إنها تتحرك بين عالم ساساني، وفضاء يمني، وذاكرة ملوكية واسعة، لا في فضاء تركي أو سياق يبرر إقحام الترك في قلب هذا المشهد. وتزداد الإشكالية وضوحًا إذا تذكرنا أن الظهور السياسي المعروف للترك ارتبط بالخاقانية التركية الأولى في أواسط القرن السادس الميلادي، نحو سنة 552م، في فضاء آسيا الوسطى، بينما لم يتحول حضورهم إلى قوة مؤثرة داخل قلب المشرق الإسلامي إلا في عصور لاحقة، ولا سيما منذ العصر العباسي في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ثم تعاظم حضورهم السياسي والعسكري مع السلاجقة في القرن الحادي عشر. وهذا يجعل إدخال «الترك» في بيت يتصل بجيش ساساني وبفضاء زاغروسي–كوردستاني سابق للإسلام قراءة شديدة الاضطراب، ويقوي أن الصيغة المنسجمة مع زمن القصيدة وجغرافيتها هي «بكرد» لا «بترك».
أما آمد، فهي الشاهد الجغرافي الذي لم تستطع الرواية المتأخرة محوه. فالبيت يقول: «وحشّت بأيديها بوارق آمد»، وورود اسم آمد هنا بالغ الدلالة؛ فهي ليست موضعًا عابرًا، بل مدينة كوردية عريقة بقي اسمها حيًا في الذاكرة الكوردية حتى اليوم. واللافت أن البحتري، رغم ما وقع في روايته من تعويم للساسانية في «فارس» ومن إزاحة للكورد إلى «الترك»، لم يستبدل اسم آمد باسم آخر. وهذا يعني أن اسم المدينة التاريخي ظل حاضرًا في النص قبل أن تُلحقه السلطات اللاحقة بتسمية «ديار بكر».
وهذا التفصيل، على صغره الظاهري، يهدم واحدة من أكثر المزاعم العروبية تهافتًا، تلك التي تحاول أن تجعل آمد مدينة لقبيلة عربية أو جزءًا أصيلًا من جغرافيا عربية قديمة. فلو كانت آمد، في الوعي العربي القديم، مدينة عربية أو ديارًا لقبيلة عربية، لما بقي اسمها في الشعر كما هو: آمد، ولما احتاجت القرون اللاحقة إلى إعادة تسميتها وإدخالها في إطار «ديار بكر». إن بقاء الاسم القديم في النص هو شهادة ضد التعريب اللاحق، وضد الذين يحاولون تحويل نتائج الغلبة السياسية إلى أصول تاريخية.
بهذا نكون أمام ثلاث طبقات من التحريف أو التعويم: تحويل الكُرد إلى ترك، وتعويم الساسانية في فارس، ثم محاولة لاحقة لسلخ آمد من اسمها وذاكرتها وإدخالها في تسمية سياسية وقبلية متأخرة. وكلها تخدم، بوعي أو بغير وعي، نتيجة واحدة: إزاحة الكورد من أحد أهم فضاءات حضورهم التاريخي قبل الإسلام، وإظهارهم كأنهم طارئون على جغرافيا كانوا في قلب بنيتها الزاغروسية والفهلوية والساسانية.
وهذه ليست حالة معزولة، بل تساير ما جرى في القرون اللاحقة لانهيار الإمبراطورية الساسانية. فقد بدأت السرديات الغالبة تعيد تصنيف شعوب المنطقة وفق منطق السلطة الجديدة، لا وفق حقيقتها التاريخية. فما كان ساسانيًا أصبح فارسيًا، وما كان فهلويًا وزاغروسيًا أصبح فارسيًا، وما كان كورديًا ذاب في أسماء أوسع: الفرس، الأعاجم، الجبل، الموالي، ثم لاحقًا الترك. وهكذا لم يكن المحو دائمًا إنكارًا مباشرًا، بل كان أحيانًا تعويمًا مقصودًا داخل أسماء كبرى تبتلع الخصوصيات القومية واللغوية.

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
8/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1


المزيد.....




- تدعي أنها بطابع جنسي.. عارضة تقاضي متجر ملابس بسبب صور يُزعم ...
- السعودية تكشف عن كمية المخدرات التي أحبطت تهريبها خلال عام
- -ضربة قوية لإيران-.. نتنياهو يعلن توقيع اتفاق -إطاري- بين إس ...
- برعاية أمريكية.. شاهد لحظة توقيع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل ...
- لبنان.. نائب عن حزب الله ينفي ما نسب إليه حول المفاوضات مع إ ...
- -انتهاك أخرق-.. ترامب يتهم إيران بمهاجمة سفن في مضيق هرمز
- حصار الأُبَيِّض الاستراتيجية يعزز المخاوف من تكرار فضائع الف ...
- قناة عبرية تنشر بنود اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل
- بمناسبة مرور 50 عاما.. إسرائيل ترفع السرية عن وثائق عملية عن ...
- سفيرة لبنان في واشنطن تؤكد أن -اتفاق الإطار- خطوة أولى لاستع ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ 2/3