أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2















المزيد.....

سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 21:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المرحلة الانتقالية إلى حكمٍ بلا نهاية.
يتضح من مجريات الأحداث في سوريا، بعد سقوط النظام المجرم البائد، أن الخطر لم يعد محصورًا في الماضي الذي سقط، بل في الحاضر الذي يُعاد تركيبه بلغة جديدة وواجهة مختلفة. فالنظام الجديد لا يبدو، في بنيته الأولى، أقل تمسكًا بكرسي الحكم من الأنظمة التي سبقته؛ فالحكومة شُكّلت من أعلى، ومجلس الشعب عُيّن تحت غطاء التمثيل، والمركزية تُفرض كأنها قدر وطني، بينما تغيب الضمانات الدستورية التي تحدد مدة الحكم، وتمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى إقامة دائمة في السلطة.
وما يُخشى منه أن تُعاد إنتاج المنهجية ذاتها التي عرفتها سوريا طوال عقود: سلطة ترى نفسها ضرورة وطنية، ثم تتحول هذه “الضرورة” إلى ذريعة للبقاء، ثم يصبح البقاء حقًا مكتسبًا، ثم يصبح الاعتراض عليه خيانة وفوضى وتآمرًا على الوطن. هكذا لا يولد الاستبداد دائمًا بانقلاب صريح، بل قد يولد من حكومة انتقالية مفتوحة الزمن، ومن مجلس مُعيّن، ومن مركزية تُقدَّم كشرط للوحدة، ومن خطاب يطلب من الناس تأجيل أسئلتهم الكبرى إلى أجلٍ لا يأتي.
سيقال، كما قيل في كل الأنظمة المغلقة: البلاد لا تزال في فوضى، والقوى المخربة تتربص بالدولة، والمؤامرات لم تنتهِ، والحدود ملتهبة، والسلاح منتشر، والمجتمع غير جاهز، ولا بديل مناسبًا لإدارة المرحلة غير أحمد الشرع وحكومته والتنظيم الذي يسنده، حتى وإن جرى التعتيم على اسمه القديم، وخلفيته الأيديولوجية، وجذوره التكفيرية، ومساره المتطرف. هكذا تبدأ الدكتاتوريات عادة: لا تقول منذ اليوم الأول إنها تريد حكم البلاد إلى الأبد، بل تقول إنها مضطرة للبقاء حتى “استقرار الوطن”.
والخطر هنا ليس في شخص الحاكم وحده، بل في صناعة الفكرة التي تسبق تثبيت الحاكم: فكرة أن الدولة لا تستطيع أن تقوم من دونه، وأن الأمن لا يتحقق إلا عبره، وأن الانتقال لا ينجح إلا بقيادته، وأن البديل هو الفوضى. هذه الفكرة هي البذرة الأولى لكل استبداد طويل. فإذا قبل الناس بها في البداية باسم الخوف، سيصعب عليهم لاحقًا إسقاطها باسم الحرية.
ولا يُستبعد، إذا سارت الأمور بهذا الاتجاه، أن نرى أحمد الشرع رئيسًا لسوريا لعقود قادمة. العمر يساعده، والظروف المضطربة قد تُستخدم لصالحه، والدعم الدولي قد يتعامل معه بوصفه “أمرًا واقعًا”، وبعض القوى الداخلية قد تلتف حوله لا حبًا بالدولة، بل خوفًا من المكونات الأخرى في ظل غياب مفهوم الوطن الجامع. عندها لا نكون أمام انتقال سياسي، بل أمام ولادة نظام جديد يستخدم الخراب ذريعة للبقاء، والخوف ذريعة للهيمنة، والمرحلة الانتقالية جسرًا إلى حكم مفتوح.
ومن هنا تأتي خطورة الدستور القادم، أو ما قد يُسمى دستورًا. فالسؤال الجوهري ليس: هل سيُكتب دستور؟ بل: من سيكتبه؟ وبأي عقل؟ ولحماية من؟ وهل سيضع حدودًا حقيقية للسلطة، أم سيمنحها شرعية طويلة باسم المرحلة؟ وهل سيحدد مدة الرئاسة ودوراتها بوضوح، أم سيترك الأبواب مفتوحة أمام التأويل والاستثناء والتمديد؟ وهل سيجعل الرئيس خاضعًا للدستور، أم يجعل الدستور خادمًا للرئيس؟
لا يُتوقع، في ظل هذه البنية الحالية، أن يُكتب دستور سوري يحد فعليًا من السلطة إذا تُرك الأمر لمجلس شعب مصنوع أو موجه أو خاضع لتوازنات السلطة ذاتها. والأخطر أن تُستخدم عبارة “المرحلة الانتقالية” لتعويم كل شيء: تأجيل الانتخابات، تعطيل الرقابة، تمديد الحكم، تأخير الدستور، استثناء الرئيس من القيود، وربما خلق أزمات أمنية وسياسية متتالية لتبرير استمرار السلطة. هكذا تتحول السنوات الخمس المعلنة إلى سبع، ثم عشر، ثم إلى “ضرورة وطنية” لا تنتهي.
إن الدستور الذي لا يحدد بوضوح مدة الرئاسة وعدد الدورات ليس دستورًا، بل قناع قانوني للاستبداد. والدستور الذي لا يمنع احتكار السلطة باسم الدين أو الأكثرية أو الشرعية الثورية ليس عقدًا وطنيًا، بل وثيقة إذعان. والدستور الذي لا يعترف بتعدد سوريا القومي والديني والمذهبي والسياسي لا يبني دولة، بل يؤسس لغلبة مكون على بقية المكونات. فإذا كان النظام السابق قد قام على هيمنة نواة سلطوية مرتبطة بمكون محدد وأجهزة أمنية مغلقة، فإن الخطر اليوم أن تُستبدل تلك الهيمنة بهيمنة أخرى، تحمل لغة مختلفة، لكنها تنتج النتيجة ذاتها: دولة تُدار بعقل الغلبة لا بعقل الشراكة.
ولن تنفع هنا الحجج الجاهزة عن الحرب والخراب والفوضى. فالدول لا تُبنى عندما تنتهي كل الأزمات، بل تُبنى حين توجد إرادة وطنية صادقة لإدارة الأزمات بقانون ومؤسسات. الحروب ومخلفاتها يمكن تجاوزها إذا كانت النيات وطنية، وإذا جرى إشراك جميع المكونات في إدارة الدولة، وإذا كُتبت قواعد السلطة بحيث تمنع عودة الطاغية لا بحيث تجهز له كرسيًا جديدًا. أما من يقول إن الدستور والانتخابات وتحديد مدة الحكم مؤجلة حتى يستقر الوضع، فهو غالبًا لا يريد الاستقرار إلا بوصفه اسمًا آخر لبقاء السلطة.
والأمثلة التاريخية واضحة. بعد تحرر الولايات المتحدة من بريطانيا، لم تُترك البلاد لعبارة “المرحلة الاستثنائية” إلى ما لا نهاية. كُتب دستور، وقامت دولة على أساسه، ولم يكن سر قوته في نصوصه وحدها، بل في إيمان الذين كتبوه بضرورة احترامه. جورج واشنطن، أول رئيس أمريكي، كان يستطيع أن يناور، وأن يمدد، وأن يطلب ولاية ثالثة، وأن يتحايل على روح الدستور باسم مكانته ودوره التاريخي. لكنه رفض ذلك، وترك السلطة عن قناعة، لأنه فهم أن الدولة لا تُبنى بخلود القائد، بل بخضوع القائد للقانون.
هنا يكمن الفرق بين رجل الدولة وطالب السلطة. رجل الدولة يضع حدًا لنفسه كي تبقى الدولة، أما طالب السلطة فيضع الدولة كلها في خدمته كي يبقى هو. وقد رأينا في شرقنا، من حافظ الأسد وابنه إلى صدام حسين ومعمر القذافي وأردوغان وأمثالهم، كيف تتحول السلطة حين تغيب القيود الدستورية إلى ملكية سياسية مقنّعة، وكيف يصبح الوطن مجرد مساحة لإطالة عمر الحاكم لا لبناء دولة المواطنين.
والسؤال السوري اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل سؤال مصيري: هل نحن أمام رجال دولة يريدون بناء وطن، أم أمام سلطة جديدة تريد وراثة البلاد باسم إنقاذها؟ وهل ستقود المرحلة الانتقالية إلى دستور يقيّد الحاكم، أم إلى حاكم يفصّل الدستور على مقاس بقائه؟ هنا تبدأ المعركة الحقيقية، لا في أسماء الحكومة ولا في شعارات المرحلة، بل في منع ولادة طاغية جديد من رحم الخراب القديم.

يتبع...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
12/7/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن
- التكويع
- من سرق تريليون العراق؟
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- ترامب يبيع الهزيمة نصرًا وإيران تكتب شروطها بوضوح
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الع ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الت ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الس ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الخ ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الر ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الث ...


المزيد.....




- لماذا تحوّل هالاند من نجم كرة قدم إلى ظاهرة ثقافية؟
- أقدم من الهرم الأكبر.. اكتشاف أثري في جبال أوريغون قد يعيد ك ...
- ابتكار روسي.. هلام مجمد يحفظ الكائنات الدقيقة في درجة حرارة ...
- السلفادور.. الحزب الحاكم يرشح نجيب بوكيلي لولاية رئاسية ثالث ...
- الجيش الأمريكي يعلن إتمام الجولة الجديدة من الضربات على إيرا ...
- عراقجي ساخرا من ترامب: من يؤمن هرمز يستحق المقابل
- -أسوشيتد برس-: ارتفاع الحصيلة الرسمية لعدد قتلى الجيش الأمري ...
- بعد بيان الإمارات.. -الحرس الثوري- يعلن عن -استهداف وتعطّيل- ...
- الجيش الأمريكي يعلن -انتهاء الموجة الجديدة من الضربات- على إ ...
- ما حاجة أوروبا إلى برامج الصواريخ الأوكرانية؟


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود عباس - سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2