أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - النمرود !؟














المزيد.....

النمرود !؟


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 18:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا تقتصر مأساة التاريخ الانسانى في ظهور الطغاة بين الحين والآخر ، فهذه سنة صاحبت الإنسان منذ عرف السلطة، وإنما المأساة الأخرى أن كل طاغية من هؤلاء يظن، في اللحظة التي يبلغ فيها ذروة قوته، أنه أول من اكتشف سر الخلود، وأن التاريخ الذي ابتلع آلاف الملوك سيقف احترامًا لعرشه وحده، وبالتالى يستفيض فى طغيانه وبغيه وتوحشه واهداره لمقومات ملكه وسحقه لبنى شعبه دون خوف أو رادع !
و النمرود كمثال لهذا الصنف من الحكام، ليس مجرد شخصية غابرة في رواية دينية أو إسطورة تراثية، بل هو رمز خالد لعقلية تتكرر كلما توهم حاكم ما أن القوة الطاغية تستطيع أن تنتصر على الزمن، وأن الحصون المنيعة التي يشيدها أقدر على البقاء من إرادة الشعوب وصيرورةالتاريخ .
وحين ننزع عن الرواية الدينية للنمرود ثوبها الأسطوري وننظر إليها بعين التاريخ، ستبدو شخصيته أقرب إلى النموذج الأول للحاكم المستبد الذي لم يكتف بأن يحكم الناس، بل أراد أن يمتلكهم، فهو كما تصفه الروايات القديمة، أول من أقام سلطانًا واسعًا في بابل وبلاد الرافدين ، وأول من جعل من القوة قانونًا، ومن الخوف نظامًا، ومن الطاعة المطلقة أساسًا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، حتى غدت الدولة ملكًا لشخص واحد، وغدا الناس مجرد أدوات في خدمة سلطانه. ولم يكن وصفه بأنه "جبار في الأرض" احتفاءً بقوته، بقدر ما كان وصفًا لمرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية ، انتقلت فيها السلطة من حماية الجماعة إلى إخضاعها، ومن خدمة المجتمع إلى السيطرة عليه.
لهذا لم يكن غريبًا أن يقترن اسم النمرود في التراث القديم بالحصون الشاهقة وبرج بابل، لأن البرج لم يكن في جوهره بناءً من الطوب والحجارة، بل كان إعلانًا صريحًا عن لحظة اغترار الإنسان بنفسه حين ظن أن بإمكانه أن يرفع سلطانه فوق نواميس الكون، وأن يجعل من الحجر سلّمًا يصعد به إلى السماء ليقاتل الإله نفسه !!
و الثابت انه منذ ذلك الحين لم تتغير الفكرة، إنما تغيرت أدواتها مع مرور الزمن ، فما كان يُبنى بالحجارة أصبح يُبنى بالإسمنت والفولاذ، وما كان يحرسه الجنود على الأسوار أصبحت تحرسه أجهزة تكنولوجية لا تعمى ولا تنام، وما كانت تبرره الأساطير، أصبحت تمرره وتشرعنه آلات الدعاية وتعاليم الكهنة الجدد ،
أما الوهم فقد بقي هو نفسه، يتوارثه الطغاة جيلاً بعد جيل، وهو الاعتقاد بأن الجدران تستطيع أن توقف التاريخ، وأن الجيوش تستطيع أن تهزم الزمن، وأن السلطة إذا بلغت من البطش ما بلغت أصبحت بمنأى عن سنن الحياة.
غير أن التاريخ لا يعترف بهذه الأوهام، لأنه لم يكتب يومًا شهادة عدم فناء لعرش أو سلطان، ولم يمنح حصانة دائمة لقصر، ولم يجعل القوة والبطش الاجرامى سببًا للخلود على وجه الأرض.
ولعل أكثر ما يعمي الطغاة أنهم يتصورون أن سقوط الممالك يبدأ عندما تُهدم الأسوار، بينما الحقيقة أن الأسوار لا تسقط إلا بعد أن يكون أصحابها قد سقطوا في الوهم. فحين يتحول الحاكم إلى سجين داخل قلاعه، ويصبح محاطًا بطبقات لا تنتهي من الحراسة والسدنة والمنتفعين الفاسدين ، ويزداد خوفه من شعبه كلما ازدادت قبضته عليه، تكون الهزيمة قد بدأت بالفعل، وإن ظلت الأعلام مرفوعة، والقصور عامرة، والجيوش مصطفة في ساحات العرض.
التاريخ يتكرر ، وتتعاقب الوجوه وتختلف الأسماء، بينما يبقى النمط واحدًا لا يتبدل. يبني الطاغية حصونه وهو يظن أنه يبني مستقبله، فإذا به يبني شاهده الجنائزي، ويجمع أسباب القوة وهو يعتقد أنه يؤسس للخلود، فإذا به يسرّع النهاية التي يحاول الهرب منها.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرية المؤامرة فى مونديال الحليف الأميركى !؟
- ثورة لاتسقط بالتشويه !!
- بين ثورة ، وثورة !!
- كأس فلسطين لكرة القدم !!
- تحية صادقة للمنتخب الايرانى لكرة القدم!
- النموذج الأولى بالتشبيه للتوجهات اللبنانية !!
- تحية للمنتخب الإيرانى !
- الذيول العوجاء !!
- كربلاء فكرة !!
- الملك العارى !!
- زيطة فارغة !!
- الحلقة الطبية الأضعف فى مصر!!
- الضحية التالية من تكون !؟
- تحليل الآثار الاقتصادية المحتملة لتطبيق نظام -الطيبات- في مص ...
- شيزوفرينيا المصريين !!
- غباء الأعراب المستحكم!؟
- المونديال الأميركى !!
- إمبراطورية المعلمين !!
- ذكرى رحيل الفنان المناضل الشيخ إمام
- ذكرى فرج فودة


المزيد.....




- مجلس الولايات الألمانية يؤيد تجريم من ينكر حق إسرائيل في الو ...
- مقتل صياد عراقي على يد خفر السواحل الكويتية يثير موجة غضب ني ...
- لافروف يتهم أوكرانيا بالعمل ضد دول صديقة لروسيا في إفريقيا
- النيران تلتهم جنوب إسبانيا.. 12 قتيلا وعشرات المفقودين في أس ...
- -عرض للكراهية-.. حرق مجسم لمسجد في إيرلندا الشمالية (صور + ف ...
- ترامب يعلن موافقة واشنطن على استمرار المفاوضات مع إيران ويؤك ...
- وثائق أمريكية: واشنطن اشتبهت في أن -الأطباق الطائرة- صناعة س ...
- إيران تتعهد بضرب إسرائيل ردا على -أي هجوم- يستهدف بنيتها الت ...
- واشنطن - طهران: عندما يتحول المضيق إلى -مأزق-
- الحرارة الخانقة تجفف الأنهار وتضع غرب فرنسا في حالة تأهب قصو ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - النمرود !؟