|
|
المونديال الأميركى !!
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 10:18
المحور:
عالم الرياضة
لم تعد كرة القدم، في عالمنا المعاصر، مجرد لعبة جماهيرية هدفها الترفيه وإثارة الحماس بين الشعوب، بل تحولت تدريجيا إلى واحدة من أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا في السياسة الدولية. فالملاعب لم تعد بعيدة عن صراعات النفوذ، وأصبحت البطولات الكبرى فرصة للدول لكي تقدم نسخة محسنة عن نفسها، وتعيد بناء صورتها أمام الرأي العام العالمي، حتى إذا تناقضت هذه الصورة مع واقع سياساتها الداخلية أو الخارجية.
والتاريخ يقدم نماذج عديدة لاستخدام الرياضة كوسيلة للدعاية السياسية. فقد استُخدمت كرة القدم في عهد أنظمة سلطوية عديدة، كما حدث في إيطاليا الفاشية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ثم في الأرجنتين خلال حكم العسكر عندما استضافت كأس العالم عام 1978، حيث حاول النظام العسكري استثمار البطولة لتلميع صورته في مواجهة الانتقادات الدولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي العقود الأخيرة ظهر شكل جديد من توظيف كرة القدم، يعتمد على استضافة البطولات، و شراء النفوذ الرياضي نفسه عبر امتلاك الأندية الكبرى أو تمويلها. حيث استحوذت دول خليجية على أندية أوروبية بارزة؛ مثل شراء الإمارات لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي عام 2008، بينما استحوذت هيئة قطرية على نادي باريس سان جيرمان الفرنسي عام 2011. ولم يكن الهدف من هذه الاستثمارات اقتصاديا فقط، بل ارتبط أيضا ببناء حضور دولي وتحسين الصورة السياسية للدول المالكة. كما سعت دول أخرى إلى دخول هذا المجال، ومنها السعودية التي استحوذ صندوقها السيادي لاحقا على نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي عام 2021 ، وكذلك تم اسناد تنظيم كأس العالم عام 2034 لنفس البلد الخليجى بعد جدل واسع حول قضايا سياسية وحقوقية رافقت كل تلك الصفقات الرياضية، منها قضية اغتيال الكاتب الراحل جمال خاشقجى. وتعتبر المملكة الدولة الخليجية الثانية التى ستستضيف كأس العالم ، والتى تأتى عقب استضافة قطر للبطولة نفسها 2022، و التي أنفقت عليها الدوحة مليارات الدولارات في بناء الملاعب والبنية التحتية، والرعاية الاعلامية مثلت نموذجا واضحا لما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "الغسيل الرياضي"
كذلك هناك دور سياسى مباشر للرياضة عموما وكرة القدم خصوصا على الساحة الدولية، وهو دور لا يرتبط بدولة واحدة أو منطقة واحدة، و لا يستخدم منهجا واحدا فى معالجة نفس القضايا الدولية،و تكشف الممارسات العملية فى هذا الخصوص عن ازدواجية واضحة في تطبيق المعايير الدولية الحاكمة، فقد اتخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) عام 2022 قرارات متعددة بمنع المنتخبات والأندية الروسية من المشاركة في البطولات الدولية والأوروبية عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، وهي قرارات استندت إلى موقف سياسي وأخلاقي مرتبط برفض العدوان العسكري على الدول والشعوب الأخرى، غير أن هذه القرارات أعادت طرح سؤال أوسع: هل تُطبق المبادئ نفسها على جميع الدول، أم أنها تخضع لحسابات القوة والنفوذ السياسي؟ فخلال الحرب الباردة، استخدمت القوى الكبرى الرياضة كساحة للصراع السياسي. فقد قاطعت الولايات المتحدة وعدد كبير من حلفائها دورة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980 احتجاجا على التدخل السوفيتي في أفغانستان، ثم رد الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984. وفي المقابل، استضافت روسيا كأس العالم لكرة القدم عام 2018 بمشاركة دولية واسعة، رغم انها كانت تقتل الشعب السورى وتقصف المدن والمساجد والمدارس على رؤوس معارضى حكم البعث الدموى !! واليوم، ومع استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم 2026، يطرح كثيرون السؤال نفسه حول مدى اتساق مواقف المؤسسات الرياضية الدولية مع شعاراتها المعلنة حول حقوق الإنسان والحياد السياسي، وادانة الحروب والاعتداءات المسلحة التى تهدد السلم الدولى؟ فالولايات المتحدة ساهمت بشكل مباشر فى حرب الابادة التى تمت ضد سكان قطاع غزة والتى نتج عنها استشهاد اكثر من ثمانين ألفا من الاطفال والنساء ، كما قامت باختطاف رئيس دولة مستقلة هى فنزويلا وقدمته لمحاكمة هزلية على أراضيها ، ولم تكتف بذلك بل قادت حربا دموية اخرى ضد جمهورية ايران الاسلامية وقتلت أكثر من مائتى طفل فى قصف احدى المدارس بطهران ؟ ومع ذلك لم نشهد إجراءات رياضية مشابهة لتلك التي اتخذت ضد روسيا بحجة أوكرانيا ، وهى الاجراءات التى لاتزال سارية المفعول بسبب مزاعم عن اعتداءات روسية على دولة كانت فى السابق جزءا لايتجزأ من أراضيها !؟ حتى قضايا التأشيرات ودخول الرياضيين والمسؤولين المعتمدين من الفيفا ، ومنع بعض الاداريين والحكام من دول بعينها لم تثر حفيظة الاتحاد الدولى المتفرغ على مايبدو لمحاصرة روسيا و لإيقاف القيد ضد نادى الزمالك المصرى !؟
إن المشكلة الأساسية ليست في ارتباط الرياضة بالسياسة، فهذا الارتباط موجود منذ عقود، وإنما في غياب معيار واحد يُطبق على الجميع. فعندما تتحول العقوبات الرياضية إلى أداة تستخدم ضد خصوم سياسيين، بينما تُستثنى منها دول أخرى بسبب وزنها الدولي أو تحالفاتها، تفقد الرياضة جزءا من صورتها كمساحة عالمية للمنافسة العادلة. إن كرة القدم التي يفترض أن تكون لغة مشتركة بين الشعوب أصبحت في كثير من الأحيان مرآة لاختلالات النظام الدولي نفسه؛ حيث لا تتساوى كل الدول أمام قواعد اللعبة، ولا تُرفع الشعارات الأخلاقية دائما بالقدر نفسه. ومن هنا فإن الجدل حول مونديال 2026 ليس مجرد جدل حول بطولة رياضية، بل حول سؤال أعمق: هل بقيت الرياضة مجالا مستقلا عن صراعات القوة، أم أصبحت واحدة من أدواتها الأكثر تأثيرا؟ ولهذا أيضا يرى منتقدو تسييس كرة القدم أن هذا المونديال قد لا يُنظر إليه باعتباره مجرد حدث رياضي عالمي، بل باعتباره حلقة جديدة في تاريخ طويل من استخدام الرياضة لتجميل السياسات وتغطية التناقضات.
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إمبراطورية المعلمين !!
-
ذكرى رحيل الفنان المناضل الشيخ إمام
-
ذكرى فرج فودة
-
الهوية الدينية فوق التورتة !!
-
الإنقلاب على التجربة الألبانية!؟
-
الرؤية الاقتصادية لنظام الطيبات !
-
الإختيار الصعب بين الحاضر والماضى !؟
-
كأس العالم ، والإخوان !!
-
العراق وإيران، وغزة ولبنان !!
-
مأساة محمود سامى البارودى ،،
-
النبوغ العلمى النسوى،
-
المصالحة ليست عارا،،
-
شهداء كوبرى عباس فى مصر!؟
-
الموظف الأيديولوجى !!
-
الموظف الأيديولوجى ،،
-
دنشواى ، الذكرى والدموع،،
-
شهداء كوبرى عباس ،،
-
الحليف الاماراتى
-
من سلمان رشدى، لمضيق هرمز!!
-
متلازمة الإهانة الرسمية !!
المزيد.....
-
كوراساو تدخل التاريخ.. أصغر دولة تتأهل إلى كأس العالم
-
من قيود العبودية إلى أضواء المونديال.. حكايات 4 منتخبات صاغه
...
-
مطالبات باستبعاد حكم -VAR- من مونديال 2026 بسبب إشارة يد مثي
...
-
ليلة تاريخية لميسي.. رقم قياسي جديد وهدف في شباك الجزائر
-
اليوم السابع من مونديال 2026.. تابعوا الحدث لحظة بلحظة!
-
عشب يقيد اللاعبين.. مدرب فرنسا متحفظ على ملعب ميتلايف
-
-حيّوا العملاق المخيف-.. تفاعلات الصحافة النرويجية مع الانتص
...
-
أهم قرار لبيتكوفيتش.. مفاجأة كبيرة في تشكيلة الجزائر ضد الأر
...
-
ليونيل ميسي أول لاعب في التاريخ يخوض مباريات في ست نهائيات ب
...
-
بداية متعثرة لمنتخب العراق في مونديال 2026 بالخسارة أمام الن
...
المزيد.....
-
مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم
/ ميكايل كوريا
-
العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء
/ إدريس ولد القابلة
المزيد.....
|