أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - الهوية الدينية فوق التورتة !!














المزيد.....

الهوية الدينية فوق التورتة !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أثارت واقعة رفض بعض محال الحلويات رسم “الصليب” على قوالب الحلوى ضجة واسعة تجاوزت بكثير حدود الحدث نفسه، حيث تحولت مسألة تجارية بسيطة إلى ساحة جديدة للاشتباك حول الحريات والتمييز الديني والتعايش داخل المجتمع المصري. وبينما سارع البعض إلى تقديم الأمر باعتباره دليلًا على “الاضطهاد” ورفض الآخر، رأى آخرون أن القضية في جوهرها لا تتعلق بالكراهية بقدر ما تتعلق بحق صاحب النشاط الخاص في أن يحدد ما يقبله وما يرفضه داخل مشروعه، طالما لم يمنع أحدًا من حقه في الحصول على الخدمة من مكان آخر.
فبحسب الرواية المتداولة، رفض متجران شهيران تنفيذ طلب أحد الزبائن بوضع علامة الصليب على “تورتة”، فاعتبر الرجل أن ما جرى يمثل تمييزًا دينيًا ضده . وهو مايبدو وكأن هذا الشخص يريد أن يُجبر الآخرين على تنفيذ ما لا يقتنعون به، أو يعتبروا طائفيين عنصريين ؟
إن هناك فارق كبير بين “الحق في الطلب” و”الحق في الفرض”.
فالحرية لا تعني أن يتحول الإنسان إلى سلطة تُكره الآخرين على المشاركة الرمزية أو المعنوية فيما يخالف قناعاتهم. وإلا أصبحت الحرية نفسها أداة للقسر و الإكراه .
اللافت أن بعض العاملين في مجال الحلويات لا يرفضون الأمر بدافع عدائي أو طائفي، بل لأنهم يرون أصلًا أن وضع الرموز المقدسة — سواء كانت إسلامية أو مسيحية — فوق أطعمة تُقطع بالسكاكين وتُؤكل، أمر غير مناسب دينيًا أو أخلاقيًا. أي أن الامتناع هنا قد يكون بدافع “التوقير” لا “الكراهية”، وهو فارق جوهري يتجاهله كثيرون عمدًا عند تضخيم مثل هذه الوقائع.
كما أن القضية لا تتعلق بحرمان أحد من خدمة أساسية أو حق قانوني محتكر، فنحن لا نتحدث عن مستشفى أو مرفق عام أو مؤسسة حكومية، بل عن نشاط تجاري خاص من حق صاحبه — في الحدود القانونية — أن يضع سياساته الداخلية وفق قناعاته. خصوصًا أن البدائل متاحة بالفعل، وهناك محال متخصصة تنفذ مختلف التصميمات والرموز باستخدام تقنيات الطباعة على “ورق السكر” القابل للأكل، بما في ذلك الرموز الدينية وغيرها.

وفي المجتمعات الغربية نفسها، التي يُستشهد الكثيرون بها عند الحديث عن الحريات، لا يُجبر صاحب أى مطعم أو متجر على تعديل منتجاته أو تغيير طبيعة خدمته لإرضاء قناعات الزبائن الدينية أو الفكرية. فالمسلم في أوروبا مثلًا لا يستطيع قانونيًا إجبار أى مطعم على تقديم طعام “حلال” إذا لم تكن هذه سياسة المطعم من الأساس، كما لا يستطيع أي شخص فرض قناعاته الخاصة على نشاط تجاري يملكه آخرون، والقانون هناك يمنع التمييز ضد الأشخاص بسبب دينهم، لكنه لا يُلزم أصحاب الأعمال الخاصة بإعادة تشكيل منتجاتهم أو خدماتهم وفق رغبات أو هوى أو مزاج كل عميل.

المؤسف أن بعض الأصوات التي تهاجم باستمرار أي حضور ديني في المجال العام، وتعتبر الحجاب مثلا أو المظاهر الدينية الأخرى نوعًا من “الهيمنة الرمزية”، هي نفسها التي تطالب الآن بفرض حضور الرموز الدينية داخل المنتجات التجارية والغذائية، وتتعامل مع رفض ذلك باعتباره “اضطهادًا”. أي أن المعيار لدى البعض ليس المبدأ، بل الهوية التي ينتمي إليها الرمز نفسه !!

إن المشكلة الحقيقية ليست في “تورتة” ولا في “صليب”، بل في حالة الدلع الحقوقي المُبالغ فيه، التي تدفع البعض إلى تحويل أي موقف فردي أو قرار تجاري محدود إلى قضية كبرى عن الكراهية والتمييز والحرب الطائفية. وكأن المجتمع يقف دائمًا على حافة الانفجار، أو أن أي خلاف بسيط يجب أن يُقدَّم باعتباره دليلًا شاملًا على انهيار التعايش.
وهذا النوع من المبالغات لا يحمي التعايش، بل يدمّره. لأنه يزرع داخل الناس شعورًا دائمًا بالمظلومية والريبة المتبادلة، ويحوّل الخلافات الطبيعية في أي مجتمع متنوع إلى معارك هوية واستقطاب لا تنتهي.
كما أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس وجود التنوع و الاختلاف، بل اختفاء المساحة التي تسمح للناس بأن يختلفوا دون أن يتهم كل طرف الآخر بالكراهية أو الاضطهاد.
ومصر، التي عاشت قرونًا طويلة بتنوعها الاجتماعي والديني، ليست في حاجة إلى صناعة أزمات جديدة من وقائع فردية محدودة،



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنقلاب على التجربة الألبانية!؟
- الرؤية الاقتصادية لنظام الطيبات !
- الإختيار الصعب بين الحاضر والماضى !؟
- كأس العالم ، والإخوان !!
- العراق وإيران، وغزة ولبنان !!
- مأساة محمود سامى البارودى ،،
- النبوغ العلمى النسوى،
- المصالحة ليست عارا،،
- شهداء كوبرى عباس فى مصر!؟
- الموظف الأيديولوجى !!
- الموظف الأيديولوجى ،،
- دنشواى ، الذكرى والدموع،،
- شهداء كوبرى عباس ،،
- الحليف الاماراتى
- من سلمان رشدى، لمضيق هرمز!!
- متلازمة الإهانة الرسمية !!
- التجارة بالمذهبية،،
- المقاطعة أفضل خيار،
- حسن فتحى،وضياء العوضى، الإجتهاد المر،،
- الأسئلة الثقيلة !؟


المزيد.....




- بابا الفاتيكان في إسبانيا.. مهاجرون واستقطاب وفضائح مسكوت عن ...
- نزيف الكنيسة مستمر.. لماذا يفقد الألمان إيمانهم؟
- مستشار قائد الثورة والجمهورية الإسلامية علي أكبر ولايتي: مخا ...
- المقاومة الإسلامية: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود -جيش- الع ...
- كاتدرائية ساغرادا فاميليا، مهاجرون... ما هو برنامج البابا خل ...
- مشروع ثقافي جديد بطنجة.. حركة التوحيد والإصلاح تعيد الاعتبار ...
- أردوغان يعلن اندماج بنوك تركيا الإسلامية ويشيد بالتمويل بالم ...
- مسئول فلسطيني لـ الشروق: مشروع القانون الإسرائيلي لتقييد الأ ...
- الوقف السني يوجّه خطباء المساجد للإشادة بملف حصر السلاح
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلقة أبابيل الانقضاض ...


المزيد.....

- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - الهوية الدينية فوق التورتة !!