|
|
من سلمان رشدى، لمضيق هرمز!!
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 09:19
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ما يجري اليوم في سياق الإعتداءت الأمريكية الغربية الصهيونية ضد إيران لا يمكن قراءته باعتباره صراعًا دوليًا تقليديًا متكررا فحسب ، فقراءة الخلفيات والمواجهات المستمرة ضد ايران من بعد فبراير عام 1979، يكشف بوضوح فاضح عن عداء وتحالف رسمي ونخبوي غربى وعربى ضد إيران، تتقاطع فيه السياسة مع الجغرافيا والملل والمذاهب. كما أن هذا العداء لم يبقَ في حدود الخطاب، بل تُرجم إلى مواقف عملية، فالمواجهة الأخيرة وعقب اغتيال قائد ايران وقصف مدرسة واستشهاد مئات الأطفال فيها، كانت انطلاقا من قواعد أمريكية على الأراضى العربية الخليجية،وبمساعدات فجة من دول عربية غير خليجية، بينما لم تقم دولة عربية واحدة بإدانة ذلك العدوان ولو شكلا ، رغم ما استهدفه العدوان من بشر ومقدرات مدنية اثناء المفاوضات لمنع الحرب بالمنطقة بل انصرفت أغلب المواقف العربية الرسمية إلى إدانة طهران نفسها، مرة بذريعة “انتهاك السيادة”، وأخرى بحجة تهديد الملاحة في مضيق هرمز. المدهش أن هذه الازدواجية العربية لم تكن طارئة، بل نمط يتكرر بشكل مستمر . تمثلت ذروته فى العدوان العراقى العربى ضد ايران عقب قيام الثورة الايرانية مباشرة عام 1979، بدعم أوروبى أمريكى صهيوني غربى شامل ومباشر ،
هذه المواقف المتناقضة المتحفزة المبغضة المتأهبة العدوانية تجاه أى رؤية سياسية تحمل عنوانا اسلاميا، يفسره تماما موقف نفس تلك الدول من رواية آيات شيطانية فى اوروبا والتى مثلت اعتداءا مباشرا متعمدا ضد المقدسات الاسلامية ،فرواية آيات شيطانية التي نشرها كاتب انجليزى من أصل هندى يدعى سلمان رشدي عام 1988، لم تكن مجرد نص أدبي عابر يمكن أن يثير الجدل ثم ينطفئ، بل كانت فى جوهرها تمثل إعتداءا تاريخيا متعمدا وقحا ضد مقدسات تخص المليارات من المؤمنين ، هذا الإعتداء صيغ بوعي كامل بهدف الإزدراء والاستفزاز ، لا بهدف المناقشة. فالأمر لم يكن “رأيًا في الدين”ولا جدال فكرى ، ولاحتى حملة متكاملة ضد كافة الأديان، بل كانت انتقاصا وازدراءا متعمدا،ومحاولة هدم متكاملة ضد الدين الاسلامى وحده، عبر إعادة تشكيل ساخرة له من الداخل، وبواسطة سرد يتلاعب بالرموز ويخلط بين التاريخ والخيال بطريقة لا تخطئ هدفها، وهو ماتوضحه التفاصيل المشينة التى وضعها الكاتب في قلب الرواية، حيث يظهر فيها “ماهوند” وهو الاسم الذي استخدمه أعداء الإسلام الغربيين تاريخيًا للنيل من النبي، كشخصية تفاوض وتفاصل وتساوم، وتعيد صياغة “الوحي” وفق موازين القوة والنفوذ،فى تفكيك متعمد لفكرة النبوة ذاتها، وإحلال تصور بشري نفعي انتهازى محلها. ثم يأتي توظيف ما يُعرف بقصة “الآيات الشيطانية” كأداة لإيصال فكرة أن الوحي نفسه قابل للالتباس، وأن ما يُنسب إلى السماء من كلام مقدس( القرآن ) قد يختلط بتدخلات بشرية مؤكدة، وهنا لا نتحدث عن تأويل، بل عن ضرب مباشر في صميم فكرة العصمة والقداسة، وانكار أن القرآن كلام الله، ويتبين ذلك حين قدم الكاتب شخصية كاتب الوحي سلمان الفارسي، باعتباره يختبر النص ويعبث به ويضيف اليه ، في إيحاء فج بأن النص الديني الاسلامى قد يكون نتاج تجربة بشرية قابلة للشطب والتعديل ، ثم يبلغ الانحدار ذروته في مشهد بيت الدعارة، حيث تُمنح البغايا أسماء زوجات النبي، كصدمة مقصودة، تستدعي المقدس لتزج به في سياق جنسي مبتذل. حتى الملاك، جبريل، لا ينجو من هذا العبث، إذ ظهر بالرواية ككائن مختل ملتبس ، أقرب إلى الهلاوس منه إلى اليقين، بما يفتح الباب لتفسير الوحي كله كحالة نفسية لا حقيقة غيبية.
مثل هذا العمل، حين يُحتفى به غربيًا ويُقدَّم في إطار “حرية التعبير”، لم يكن من الممكن أن يمر في العالم الإسلامي كجدل عابر. ورغم أن رد الفعل الشعبي كان واسعًا وغاضبًا، فقد بقي الموقف الرسمي العربي باهتًا ومحدودًا، الاستثناء الوحيد كان في إيران، حيث تكامل الموقف الرسمى مع الغضب الشعبى، وذلك عندما أصدر روح الله الخميني فتواه في 14 فبراير 1989 بإهدار دم رشدي. هنا فقط تحولت قضية الرواية إلى أزمة دولية، لكن التركيز ابتعد عن مضمونها المشين ، وتركز على الفتوى ذاتها. فصار مجرد التهديد بالرد على الكاتب هو الجريمة، بينما الإهانة الأصلية للمقدسات لم تستدعي حتى ولو بيانات باهتة. وبدلا من أن ينصبّ الغضب العربي على النص، انصرف جانب كبير منه إلى مهاجمة الخميني، باعتباره — في نظرهم — يحاول توظيف القضية لتوسيع نفوذ إيران وفرض وصاية على العالم الإسلامي،( هكذا قيل وقتها)، وهو نفس المنطق الذي يتكرر اليوم حيال دعم إيران لغزة و جنوب لبنان ضد العدوان الصهيونى،حيث كان التحفظ على الداعمين لغزة ولبنان، فاعتبروه تدخلا وصناعة لأذرع ايرانية للهيمنة على المنطقة!!
أما في الغرب نفسه، بدا المشهد أكثر تماسكًا ظاهريًا،حيث وفّرت المملكة المتحدة( انجلترا) الحماية لرشدي، كما أدانت الولايات المتحدة الفتوى واعادت طباعة الرواية على نطاق واسع ، ثم اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا جماعيًا بسحب السفراء من طهران. ومن هنا يتضح أن القضية لا تتعلق بروايةأو فتوى، ولا حتى خلافًا مذهبيًا عابرًا، بل اختبارًا صريحًا لمعايير مزدوجة تُدار بها المنطقة. فحين يُهان المقدس، يُطلب الصمت باسم “العقلانية”، وحين يُرد على الإهانة، تُرفع لافتات “التهور” و”تسييس الدين”. وحين تُقصف دولة، يُبحث لقاصفيها عن مبررات، لكن حين ترد تلك الدولة على مصادر النيران ، يُستدعى القانون الدولي فجأة من غيابه الطويل.
ليست المشكلة إذن في إيران بقدر ما هي في موقعها، ولا في الفعل بقدر ما هي في هوية من يقوم به. فنفس الفعل إن صدر من طرف مقبول، يصبح دفاعًا مشروعًا، وإن صدر من طرف مرفوض، يتحول إلى تهديد للأمن والاستقرار. تلك هي القاعدة الحاكمة التي تربط — دون افتعال — بين ما جرى مع آيات شيطانية بالأمس، وما حدث بعدها حيال اساءات جريدة شارل ابدو الفرنسية، مع ما يجري اليوم حول مضيق هرمز ، فهناك تحالف معلن من قوى عربية معلومة التوجه، مع قوى غربية على رأسها الولايات المتحدة وغالبية الدول الأوروبية، وهو تحالف موجه بالأساس ضد أى اتجاه استقلالى الارادة، خاصة لو حمل نفسا ورؤية سياسية اسلامية، هذا هو جوهر المسألة، وهو يتضح أيضا من شماتة الكثيرين عند محاولة الانقلاب فى تركيا عام 2015 ، وكذلك الحملات الاعلامية ضد حماس وحزب الله، وأيضا محاصرة الربيع العربى وشيطنته ،
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
متلازمة الإهانة الرسمية !!
-
التجارة بالمذهبية،،
-
المقاطعة أفضل خيار،
-
حسن فتحى،وضياء العوضى، الإجتهاد المر،،
-
الأسئلة الثقيلة !؟
-
بريق الواجهة،والأسئلة الصعبة
-
العواصم ،والمدن الجديدة !!
-
لا تسبقوا الأحداث،
-
ضياء العوضى ،ومريم نور، وأخو البنات !!
-
مبادرة عون على طريق السادات!؟
-
الضحايا والأطفال،،
-
من عصيان عرابي،الى عصيان حزب الله،،
-
أين الضفة والداخل !؟
-
إيران وسورية وحزب الله ، تحالف طبيعى
-
الحقبة الرومانية فى مصر،،
-
التطبيع مع الخليج !!
-
التطريب السياسى !!
-
مصر الرومانية !!
-
قانون إعدام الأسرى ، أين الضفة والداخل !؟
-
القداسة الدينية !!
المزيد.....
-
رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج
...
-
وفد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبحث مع الأمين العام للمنظ
...
-
إزاحة الستار عن النسخة العربية من كتاب ذكريات قائد الثورة ال
...
-
حرس الثورة الاسلامية ينفذ مناورات -لبيك يا خامنئي- في طهران
...
-
أزمة دبلوماسية: سفير الاحتلال بواشنطن يهاجم منظمات يهودية بس
...
-
قائد حرس الثورة الإسلامية في طهران الكبرى العميد -حسن حسن ز
...
-
فرنسا: الحبس الاحتياطي لتونسي خطط لهجمات تستهدف متحف اللوفر
...
-
حرس الثورة الاسلامية يراقب بدقة وحزم كافة التحركات في المنطق
...
-
المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا بمحلّقة انقضاضيّة آليّ
...
-
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أرفع أسمى آيات الشكر للدعم ال
...
المزيد.....
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
-
شركة مع الله
/ نيل دونالد والش
-
صداقة مع الله
/ نيل دونالد والش
المزيد.....
|