|
|
الحليف الاماراتى
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 12:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات مجرد دولة خليجية ثرية تبحث عن توسيع استثماراتها في العقارات والموانئ وشركات الطيران، بل تحولت تدريجياً إلى لاعب إقليمي ثقيل يسعى لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة العربية والإفريقية، مستنداً إلى مزيج معقد من القوة المالية، والتحالفات الأمنية مع قوى دولية ، والقدرة على التحرك داخل مناطق الانهيار والفوضى، من القرن الإفريقي حتى الساحل الليبي، ومن البحر الأحمر حتى شرق المتوسط.
هذا التحول لم يكن عفوياً ولا مجرد تطور طبيعي لدولة صاعدة اقتصادياً، بل بدا وكأنه مشروع متكامل لإنتاج نفوذ سياسي وعسكري يتجاوز كثيراً حدود الجغرافيا الصغيرة للدولة نفسها. مشروع يقوم على السيطرة على الموانئ، وتأمين خطوط التجارة، وبناء شبكات حلفاء محليين، والتدخل داخل الصراعات الأهلية باعتبارها فرصاً لإعادة هندسة التوازنات، لا مجرد أزمات يجب احتواؤها.
ففي إثيوبيا مثلاً، لم يكن الحضور الإماراتي حضوراً بروتوكولياً عابراً، بل ظل حضوراً عميقاً ومتنامياً شمل الاستثمارات الزراعية والطاقة والبنية التحتية، بالتوازي مع دعم سياسي واضح لحكومة آبي أحمد. لكن الأزمة بدأت تكتسب أبعاداً أكثر حساسية عندما تزامن هذا التقارب مع تصاعد أزمة سد النهضة، التي لم تكن بالنسبة لمصر مجرد خلاف فني حول المياه، بل تهديداً وجودياً للأمن القومي المصرى ذاته. صحيح أنه لا توجد وثائق رسمية تثبت تمويلاً إماراتياً مباشراً للسد، لكن حجم الدعم المالي والسياسي الذي تلقته أديس أبابا في أكثر مراحل الأزمة توتراً، جعل قطاعات واسعة داخل مصر والسودان تنظر بعين الشك إلى هذا الدور، باعتباره دعماً غير مباشر لمشروع يعيد رسم موازين القوة في حوض النيل على حساب القاهرة والخرطوم.
وعندما ننتقل من أثيوبيا إلى السودان تصبح الصورة أكثر صخباً وحدّة. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، تحولت الإمارات إلى اسم حاضر بقوة في قلب الاتهامات السياسية والإعلامية السودانية والعالمية . فأبوظبي تؤكد باستمرار أنها تقدم مساعدات إنسانية وإغاثية، لكن في المقابل، تصاعدت اتهامات حكومية سودانية رسمية ودولية تتحدث عن دعم لوجستي وعسكري لقوات الدعم السريع، وعن شبكات إمداد تمر عبر الحدود الإفريقية المعقدة، بما جعل القضية تصل إلى أروقة مجلس الأمن وتقارير المنظمات الدولية. المسألة هنا لا تتعلق فقط بالسودان ، بل بالأمن القومى المصرى وعلاقته بنمط متكرر في إدارة النفوذ الإماراتي ودعمه لقوى محلية مسلحة أو شبه عسكرية في مناطق الهشاشة والانهيار على الحدود المصرية ، خصوصاً تلك المرتبطة بالموانئ والبحار وخطوط التجارة العالمية. حيث تحول البحر الأحمر، بكل موانئه وجزره ومضايقه، إلى جزء مركزي من العقيدة الجيوسياسية الإماراتية الجديدة.
ولهذا أيضاً لا يمكن فهم التحرك الإماراتي في اليمن بعيداً عن هذه الرؤية. فالإمارات لم تتعامل مع الحرب الأهلية فى اليمن باعتبارها مجرد مشاركة ضمن التحالف العربي، بل باعتبارها فرصة لبناء نفوذ طويل المدى في الجنوب اليمني، وخصوصاً في الموانئ والجزر الحساسة مثل جزيرة سقطرى ومدينة عدن. ولهذا دعمت الامارات تشكيلات عسكرية ومحلية متعددة، بعضها انفصالي، بما يضمن بقاء خطوط النفوذ مفتوحة حتى لو تغيرت الحكومات وتبدلت التحالفات، وهو ما ادى الى ظهور خلافات علنية وتناقض رئيسى مع الدور السعودى الذى تدخل بخشونة لمنع اعلان دولة اليمن الجنوبية الانفصالية ،
الأمر نفسه تكرر فيما يعرف بجمهورية أرض الصومال (الانفصالية )، حيث استثمرت الإمارات بقوة في ميناء ميناء بربرة، في خطوة لم تُقرأ اقتصادياً فقط، بل جيوسياسياً أيضاً. فالميناء المطل على خليج عدن يمثل عقدة استراتيجية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويمنح من يسيطر عليه ثقلاً يتجاوز حدود التجارة التقليدية. لكن هذا التحرك خلق توتراً حاداً مع الحكومة المركزية في الصومال، التي اعتبرت الاتفاقات الإماراتية مع الإقليم الانفصالي مساساً مباشراً بسيادتها ووحدة أراضيها.
أما في ليبيا، فقد ظهر الدور الإماراتي بصورة أكثر وضوحاً وخشونة. فمنذ صعود خليفة حفتر، أصبحت أبوظبي أحد أبرز داعميه سياسياً وعسكرياً، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن المنطقة لا يمكن ضبطها إلا عبر نموذج “الرجل القوي” القادر على سحق خصومه، خصوصاً تيارات الإسلام السياسي. ولهذا تحدثت تقارير أممية مراراً عن دعم إماراتي لشرق ليبيا بالطائرات المسيرة والأسلحة والتقنيات العسكرية رغم قرارات الحظر الدولية، وهو ما جعل الإمارات طرفاً مباشراً في واحدة من أعقد الحروب الأهلية العربية.
ولم يكن غريباً أن يثير هذا الدور غضب الجزائر، التي تنظر إلى ليبيا باعتبارها عمقاً استراتيجياً مباشراً لأمنها القومي. فالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لم يُخفِ في أكثر من مناسبة انزعاجه من أدوار إقليمية رأى أنها ساهمت في تفجير الأوضاع العربية وتحويل بعض الدول إلى ساحات نفوذ مفتوحة. ورغم أن تبون تجنب أحياناً تسمية الإمارات بشكل مباشر، فإن الإشارات السياسية والإعلامية الجزائرية كانت واضحة بما يكفي. فالجزائر، التي تخشى من انتقال الفوضى والسلاح عبر حدودها، رأت أن الدعم الإماراتي الواسع لخليفة حفتر ساهم في عسكرة الأزمة الليبية، وهدد فرص الحل السياسي، تماماً كما نظرت الجزائر بريبة إلى التحركات الإماراتية في الساحل الإفريقي والبحر الأحمر، وإلى تقارب أبوظبي المتسارع مع إسرائيل بعد الاتفاقيات الإبراهيمية. وهنا تحديداً بدا الخلاف أعمق من مجرد تباين دبلوماسي، لأنه يتعلق برؤيتين مختلفتين للمنطقة نفسها. فالجزائر ما تزال تتحرك بعقلية الدولة الوطنية التقليدية، القائمة على رفض التدخلات الخارجية والحذر من الاختراق الإسرائيلي والتوجس من تفكيك الدول العربية، بينما تتحرك الإمارات وفق تصور جديد يقوم على بناء التحالفات الأمنية العابرة للحدود ،
الأخطر في السياسة الإماراتية ربما لم يكن في إفريقيا أو ليبيا أو اليمن فقط، بل في تزامن كل تلك التحركات مع التحالف العلني والشامل مع اسرائيل، حيث لم تعد العلاقة مع الصهاينة مجرد اتصالات أمنية سرية كما كان يحدث لعقود، بل أصبحت شراكة استراتيجية كاملة تشمل الأمن السيبراني، وتقنيات المراقبة، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة التجسس، والتنسيق الاقتصادي والعسكري. فإسرائيل وجدت في الإمارات بوابة ذهبية للتغلغل داخل الخليج والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، بينما وجدت الإمارات في إسرائيل شريكاً أمنياً وتكنولوجياً يوفر لها أدوات تفوق إقليمي سريعة لا تستطيع الحصول عليها بسهولة من الغرب وحده. وهكذا نشأ تحالف يقوم على المصالح الباردة لا الشعارات، وعلى إعادة تعريف مفهوم الأمن والتحالفات في المنطقة بعيداً عن الخطاب العربي التقليدي.
وعندما تُجمع كل هذه الملفات المتفرقة — من سد النهضة إلى السودان، ومن سقطرى إلى بربرة، ومن حفتر إلى التطبيع مع إسرائيل، وصولاً إلى التوتر المتصاعد مع الجزائر — يظهر أمامنا مشروع متكامل لا مجرد سياسات متفرقة. مشروع يسعى للسيطرة على “العُقد” الاستراتيجية: الموانئ، الممرات البحرية، مناطق الطاقة، القوى المحلية المسلحة، وشبكات النفوذ الاقتصادي والأمني.مشروع يوظيف المال والسلاح والتكنولوجيا والتحالفات لإعادة إنتاج النفوذ داخل العالم العربي والإفريقي، ونموذج جديد كامل لإدارة المنطقة يرى أن النفوذ يُشترى، وأن الخرائط يمكن إعادة تشكيلها عبر الموانئ والطائرات المسيّرة والتحالفات الأمنية مع قوى اقليمية ودولية تعتبر تاريخيا قوى معادية للشعوب والمصالح العربية حتى لو أدى ذلك إلى تعميق الانقسامات وتحويل الدول المنهكة إلى ساحات صراع مفتوحة تخدم مصالح عابرة للحدود أكثر مما تخدم شعوب المنطقة.
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من سلمان رشدى، لمضيق هرمز!!
-
متلازمة الإهانة الرسمية !!
-
التجارة بالمذهبية،،
-
المقاطعة أفضل خيار،
-
حسن فتحى،وضياء العوضى، الإجتهاد المر،،
-
الأسئلة الثقيلة !؟
-
بريق الواجهة،والأسئلة الصعبة
-
العواصم ،والمدن الجديدة !!
-
لا تسبقوا الأحداث،
-
ضياء العوضى ،ومريم نور، وأخو البنات !!
-
مبادرة عون على طريق السادات!؟
-
الضحايا والأطفال،،
-
من عصيان عرابي،الى عصيان حزب الله،،
-
أين الضفة والداخل !؟
-
إيران وسورية وحزب الله ، تحالف طبيعى
-
الحقبة الرومانية فى مصر،،
-
التطبيع مع الخليج !!
-
التطريب السياسى !!
-
مصر الرومانية !!
-
قانون إعدام الأسرى ، أين الضفة والداخل !؟
المزيد.....
-
ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي
...
-
ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار
...
-
حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد-
...
-
أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
-
حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر
...
-
حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر
...
-
صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
-
ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
-
عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح
...
-
زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|