أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - تراجيديا الرصيف المفقود: دراماتيكية العبور والانفصام الوجودي في مقطورة الحياة قراءة نقدية في قصة (امرأة في قطار) للكاتبة فوز حمزة .. زبيدة جلال














المزيد.....

تراجيديا الرصيف المفقود: دراماتيكية العبور والانفصام الوجودي في مقطورة الحياة قراءة نقدية في قصة (امرأة في قطار) للكاتبة فوز حمزة .. زبيدة جلال


فوز حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 02:03
المحور: الادب والفن
    


بين دفتي هذا النص السردي المقتضب، تشيّد الكاتبة معماراً درامياً يتجاوز حدود الحكاية العابرة ليصبح عرضاً مسرحياً لوجودنا الإنساني المعاصر، حيث تتحول المقاعد والنوافذ والأرصفة إلى شواهد على أزمة الهوية والوعي. إننا أمام مشهدية سينمائية محكمة بدأت بلقطة لاهثة، مشحونة برهاب الزمن؛ فالراكب الأخير، محمد القحطاني، يهرول في سباق مع دقيقتين تفصلانه عن الانطلاق. هذه اللقطة الافتتاحية ليست مجرد تمهيد للحركة، بل هي إعلان درامي عن إنسان هذا العصر: كائن يركض خلف قطارات الحياة دون أن يملك ترف التأمل في وجهته، مدفوعاً بضغوط المادة والوجود المهدد.
ويتجلى البعد الدرامي في النص عبر لقطات مشهدية تعتمد على تقنية "المواجهة الساكنة" داخل المقطورة السادسة. الكاتبة تضع شخصيتيها في مواجهة حتمية تلخص الفارق الجوهري بين عالمين: عالم الرجل المهاجر الذي يسير في أفق أفقي، يبحث عن الامتداد المكاني والتحسن المادي (السويد، الدنمارك، ألمانيا، الراتب الأعلى)، وعالم المرأة الأكاديمية التي تتحرك في عمق عمودي، تبحث في أغوار الفكر والتاريخ الفلسفي. الصراع الدرامي هنا ليس صراعاً بالقبضات، بل هو صراع صامت يتدفق عبر حركية الحواس؛ الرجل يفتش عن النافذة ليملأ فراغه البصري بلقطات متلاحقة من أبنية ونوارس وبحار، لكنه سرعان ما يسقط في حمأة "الملل" لأن عينيه تلتقطان المشاهد كصور فوتوغرافية معزولة لا رابط بينها. في المقابل، ترسم الكاتبة لقطة مقبلة للمرأة وهي منشغلة بكتابها، مستغنية عن النافذة الزجاجية، لأنها تمتلك نافذة الفلسفة التي تعيد ربط هذه الأشياء وتمنحها المعنى.
إن المغزى الوجودي لشخصية "محمد" يتمحور حول "تراجيديا الإنسان النفعي" الذي سحقته الغربة واغتراب لقمة العيش، فصارت قيمته تتحدد بما ينتج وما يتقاضى، معبراً عن مأساة جيل كامل من المهاجرين الذين اضطرتهم ظروف أوطانهم للهجرة، فاعتنقوا "أميّة ثقافية" قسرية بداعي الانشغال بالعمل، لتصبح عبارته: "أنا لا أقرأ... أنا سأعمل طباخاً" بمثابة إعلان عن الاستقالة من عالم الفكر والاكتفاء بعالم الغريزة والجسد. أما شخصية "امرأة القطار" فمغزاها يكمن في كونها "أيقونة الوعي المرشد"؛ إنها ليست مجرد أستاذة تلقي محاضرة، بل هي التجسيد الحي للحكمة الفلسفية في أوج تجددها وحديثها، وهي إذ تعرّف الفلسفة بأنها "إيجاد العلاقة بين كل هذه الأشياء"، فإن الكاتبة تمنحها دور المايسترو الذي يدرك هارموني الكون وسط فوضى المسافرين.
وتتخذ الدراما منحىً تصاعدياً تراجيدياً في مشهد "المحطة والدوران"، حيث تبرز البراعة النفسية للكاتبة في تحليل مشاعر الضياع. فبمجرد أن ينفصل محمد عن جسد القطار، يجد نفسه في مواجهة "الواقع العاري"؛ الأصوات المتقاطعة للمواعيد، ضوضاء حركة المسافرين، واللافتات المكتوبة بلغة غريبة، كلها تتحول إلى وحوش تلتهم ثقته الهشة، فيسقط في فخ التيه ويضع حقيبته أرضاً ليلعن الوجود. هذا المشهد يمثل قمة الانفصام الدرامي؛ الرجل العملي الذي يسخر من الفلسفة ويرى نفسه رجل واقع، يشلّه الواقع المادي تماماً، بينما امرأة الفكر والتجريد تظهر من خلفه بوعي متيقظ وبوصلة حاسمة.
تأتي اللقطة الأخيرة، "كفٌّ ربتت على كتفه برفق"، لتختزل فلسفة النص بأكمله في حركة جسدية درامية واحدة؛ إنها ربتة المعرفة على كتف الجهل الضائع، ومحاولة الفلسفة انتشال الإنسان من وهدة تيهه اليومي. والسؤال الأخير الذي تلقيه المرأة: "انطلق القطار منذ زمن، وأنت ما زلت تدور؟!" ليس مجرد رصد لقطار برلين الذي فات، بل هو الإدانة الدرامية الكبرى التي صاغتها الكاتبة بوعي أثقب من وعي البطل؛ إنه صرخة نقدية بوجه الإنسان العربي والمهاجر الذي يستغرق في تفاصيل الركض والمراوحة في المكان، بينما قطار الحضارة والفكر والعصر ينطلق بسرعة خاطفة، تاركاً إياه يدور حول نفسه على أرصفة التيه، يلعن الظروف والزمن دون أن يدرك أن أزمته الحقيقية تبدأ من غياب البوصلة الفكرية التي تنظم لغة محطاته.



#فوز_حمزة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُصابُ الحرفُ بالعشق قراءة في جدلية البوح والعجز في قصيد ...
- عبد السادة البصري: (( الضربة الأخيرة .. خاتمة لرسم عالمٍ مغا ...
- علي سلطان: قراءتي النقدية عن عمل (غمامة حب) .. للكاتبة فوز ح ...
- الهوية الممزقة في (رياح خائنة) للروائية فوز حمزة للناقد داود ...
- تأويلية النص الموازي في (رذاذ زهرة الأروكيد) للكاتبة فوز حمز ...
- قراءة نقدية أكاديمية لقصة «كذبة أنقذت المساء» – فوز حمزة للن ...
- قراءة اكاديمية تحليلية نقدية لرواية الكاتبة فوز حمزة (رياح خ ...
- حوار لصالح مجلة أنا أجراه الأستاذ إبراهيم كمال
- الكاتبة فوز حمزة و إتقان السرد الواقعي للقصة القصيرة.
- قراءة في رواية الأديبة فوز حمزة للأستاذ علاء الأديب
- مع رواية رايح خائنة د. تهاني محمد
- صاحب الأجنحة السوداء
- أقرب إليك مما أكون
- كذبة أنقذت المساء
- ما تبقى من الوعد
- نهر من حروف
- أخبرني
- نور في العتمة
- بالحبر الأحمر
- قرينتي السيدة ( لماذا )


المزيد.....




- هل المصريون أحفاد الفراعنة؟.. دراسة أمريكية تثير الجدل من جد ...
- موسكو تستضيف مهرجان -سابانتوي الصداقة والوحدة- في احتفالية ث ...
- الكعبة كانت في الطائف.. يوسف زيدان يشعل جدلا جديدا حول قصة أ ...
- مشاهد كأفلام الرعب.. ملايين النحل تغزو حيا ريفيا في تكساس
- برشلونة تحتضن أول مكتبة متخصصة في الأدب والتاريخ الفلسطيني ب ...
- في برشلونة.. أول مكتبة مخصصة لفلسطين في أوروبا
- المغرب: آلاف المعجبين يحضرون حفلا للشاب خالد على منصة جديدة ...
- فنان مصري شهير يسخر من لاعب منتخب إيران صاحب النظارة السوداء ...
- إلغاء حفل شادي جميل في دمشق.. ووزير الثقافة يكشف السبب
- على طريقة الأفلام.. -باتمان- مجهول يطارد لصوص الدراجات في ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - تراجيديا الرصيف المفقود: دراماتيكية العبور والانفصام الوجودي في مقطورة الحياة قراءة نقدية في قصة (امرأة في قطار) للكاتبة فوز حمزة .. زبيدة جلال