وليد عبدالحسين جبر
محامي امام جميع المحاكم العراقية وكاتب في العديد من الصحف والمواقع ومؤلف لعدد من
(Waleed)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 23:31
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
قررت محكمة التمييز الاتحادية بموجب قرارها بالعدد ( ٩٤ / هيئة استئنافية منقول / ٢٠٢٤) في ( ٩ / ١ / ٢٠٢٤ ) قرارها الآتي :
(المميز /
المميز عليه /
ادعى وكيل المدعي لدى محكمة بداءة الكوت انه سبق وأن قام المدعى عليه بأخذ مبلغ مقداره ثلاثون مليون دينار من موكله بحجة القيام بأعمال مخالفة للقانون وقد حكم على المدعى عليه بالحبس البسيط لمدة سنة بالدعوى المرقمة ۹۷۹/ ج / ۲۰۲۲ واكتسب الحكم الدرجة القطعية لذا طلب دعوته للمرافعة والحكم بألزامه بإعادة المبلغ المذكور أعلاه وتحميله المصاريف، اصدرت محكمة البداءة بالعدد ( ٩٤ /ب/ ٢٠٢٣) وبتاريخ (۲۰۲۳/۱۰/۳۰) حكماً برد دعوى المدعي وتحميله المصاريف، طعن وكيل المدعي بالحكم استئنافاً بلائحته المؤرخة في ۲۰۲۳/۱۱/۲ ، قضت محكمة استئناف (واسط) بالعدد (٦٠٤ / س / ٢٠٢٣) وبتاريخ (۲۰۲۳/۱۱/۲۱) بتأييد الحكم البدائي من حيث النتيجة ورد الطعن الاستئنافي وتحميل المستأنف المصاريف، طعن وكيل المستأنف بالحكم تمييزاً بلائحته المؤرخة في ٢٠٢٣/١٢/٧.
القرار:
لدى التدقيق والمداولة وجد أن الطعن التمييزي واقع ضمن المدة القانونية ولاشتماله على أسبابه قرر قبوله شكلاً ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف للقانون لان الفعل الذي ارتكبه المدعى عليه المميز عليه يشّكل جريمة وقد حكم عنها حسب قرار محكمة جنح الكوت في ٢٠٢٢/١٠/٤ وحيث ان الجريمة بالنسبة للمتضرر منها تشكل واقعة مادية يمكن اثباتها بكافة طرق الاثبات وبالتالي فأن تكليف المحكمة للمدعي المميز بأثبات تسليمه للمبلغ المطالب به الى المدعى عليه بدليل كتابي ليس في محله وكان عليها تكليفه بأثبات دعواه بكافة طرق الاثبات بما فيها البينة الشخصية ولمخالفة الحكم المميز لوجهة النظر القانونية المتقدمة قرر نقضه وإعادة اضبارة الدعوى الى محكمتها لاتباع ما تقدم على ان يبقى رسم التمييز تابعاً للنتيجة وصدر القرار استناداً لأحكام المادة (٢١٠/ ٣) مرافعات مدنية وبالاتفاق في ٢٠٢٤/١/٩)
يثير هذا القرار التمييزي محل احترامنا عدة اثارات قانونية منطقية،
تنطلق من ان المادة( 227) من قانون اصول المحاكمات الجزائية النافذ رقم ( ٢٣ ) لسنة ( ١٩٧١ ) المعدل نصت على ( ا – يكون الحكم الجزائي البات بالإدانة او البراءة حجة في ما يتعلق بتعيين الواقعة المكونة للجريمة ونسبتها الى فاعلها و وصفها القانوني.
ب – يكون لقرار الافراج الصادر من المحكمة الجزائية او قاضي التحقيق قوة الحكم بالبراءة عند اكتسابه الدرجة النهائية.
ج - لا ترتبط المحكمة المدنية بالحكم او القرار الجزائي البات او النهائي في المسائل والوقائع التي لم يفصل فيها او التي فصل فيها دون ضرورة).
وقريب من هذا المعنى المادة( 107) من قانون الاثبات العراقي رقم ( ١٠٧ ) لسنة ( ١٩٧٩ ) المعدل (لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجزائي الا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضروريا).
فإما ان نتفق مع اتجاه محكمة بداءة الكوت واستئناف واسط ونرى ان الحكم الجزائي الذي ادان المدعى عليه لا يعتبر حجة امام المحكمة المدنية الاّ فيما يتعلق بتعيين واقعة الجريمة ونسبتها الى المدعى عليه ، ولا ترتبط المحكمة المدنية بالحكم او القرار الجزائي البات او النهائي في المسائل والوقائع التي لم يفصل فيها او التي فصل فيها دون ضرورة.
وبالتالي يبقى المدعي مكّلف بإثبات تسليمه المبلغ الى المدعى عليه ومقداره وبأي عملة وتاريخ التسليم ومكان التسليم وما الى ذلك من تفصيلات تسليم واستلام المبلغ.
واما ان نقول ان استلام المدعى عليه للمبلغ من المدعي ثابت بقرار الحكم الجزائي ووفقا للفقرة ( أ ) من المادة (٢٧٧) الأصولية يكون الحكم الجزائي البات بالإدانة او البراءة حجة في ما يتعلق بتعيين الواقعة المكونة للجريمة ونسبتها الى المدعى عليه و وصفها القانوني، ومن بين ذلك استلامه المبلغ من المدعي.
الاّ ان القرار التمييزي اتجه اتجاه اخر ، فلا اعتبر الحكم الجزائي مثبتا لتسليم المبلغ الى المدعى عليه ولا اعتبره ليس حجة امام المحكمة المدنية وبالتالي يكون المدعي مكّلف بأثبات تسليمه الى المدعى عليه.
وانما اعتبر جريمة استلام المدعى عليه للمبلغ واقعة مادية يمكن اثباتها بكافة طرق الاثبات بما فيها البينة الشخصية!
وهذا مخالف لأحكام المادة( 18) من قانون الاثبات رقم ( ١٠٧ ) لسنة ( ١٩٧٩ ) المعدل : (يجوز ان يثبت بجميع طرق الاثبات ما كان يجب اثباته بالكتابة في الحالتين :
اولا – اذا فقد السند الكتابي بسبب لا دخل لإرادة صاحبه فيه.
ثانيا – اذا وجد مانع مادي او ادبي حال دون الحصول على دليل كتابي.).
فأيّ السببين متوفران في الدعوى حتى يصار الى الاثبات بكل طرق الاثبات بما في ذلك الشهادة رغم ان المبلغ المطالب به في الدعوى ( ٣٠ ) مليون ولا يثبت الا بدليل كتابي معتبر، فلسنا امام فقدان للسند الكتابي بسبب لا دخل للمدعي به ، ولا وجود لمانع ادبي او مادي حال دون تنظيم الدليل الكتابي بين الطرفين ، ولم يقّر المدعى عليه في الدعوى الجزائية بصفته متهم باستلامه المبلغ ، وانما اُدين عن جريمة قيامه بأعمال مخالفة للقانون ، اما اثبات استلامه المبلغ وما مقداره فهذا ما لم يثبت لا جزائيا ولا مدنيا ، فكيف نقبل من المدعي ان يستشهد بشهود سيدلون بشهادة تتعلق باستلام المدعى عليه لمبلغ قدره ( ٣٠ ) مليون!
فاعتبار تسليم المبلغ المالي مهما كان مقداره من شخص لآخر بصرف النظر عن سبب التسليم واقعة مادية يمكن اثباتها بكل طرق الاثبات ، نسف لأحكام المادة( 77 ) من قانون الاثبات (اولا - يجوز اثبات وجود التصرف القانوني او انقضائه بالشهادة اذا كانت قيمته لا تزيد على 5000 خمسة الاف دينار .
ثانيا - اذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على 5000 خمسة الاف دينار او كان غير محدد القيمة، فلا يجوز اثبات هذا التصرف او انقضائه بالشهادة ما لم يوجد اتفاق او قانون ينص على خلاف ذلك).
وانما هو تصرف قانوني تم بإرادة المدعي حيث ذكر وكيل المدعي في دعواه بأن " المدعى عليه أخذ مبلغ مقداره ثلاثون مليون دينار من موكله بحجة القيام بأعمال مخالفة للقانون" مما يعني ان المدعي بإرادته اعطى المبلغ المالي للمدعى عليه كي يقوم له بأعمال لم يشير القرار اليها وكيف انها مخالفة للقانون، ولكنها بلا شك تنطوي على اتفاق بين الطرفين عليها وعلى مقابلها من اموال، فكيف اصبح الاتفاق الذي هو تصرف قانوني، واقعة؟
لا سيما و ان الفرق الأساسي بينهما يكمن في الإرادة؛ فالتصرف القانوني هو عمل يقوم به الإنسان بهدف إحداث أثر قانوني معين (مثل العقد)، بينما الواقعة القانونية هي حدث أو فعل مادي يترتب عليه أثر قانوني بقوة القانون، سواء اتجهت إرادة الإنسان لإحداثه أم لم تتجه.
وواضح ان اتفاق المتداعين على ان يقوم المدعى عليه بعمل لصالح المدعي مقابل مبلغ مالي اخذه منه ، ثم تبين فيما بعد ان عمل المدعى عليه مخالف للقانون واُدين عنه امام المحكمة الجزائية ، فإلزامه بإعادة المبلغ الذي اخذه من المدعي من قبل محكمة البداءة ينبغي ان يكون الحكم به خاضع لقواعد الاثبات المقررة في اثبات هذا التصرف من حيث وجوب اثباته بدليل كتابي معتبر كونه غير خاضع للإثبات بأدلة الاثبات الاخرى من شهادة وقرائن ، ويقينا عن عدم توفر ذلك يصار للاحتكام الى اليمين ، وهو ما ذهبت اليه محكمة البداءة والهيئة الاستئنافية من بعدها ، غير انها التزمت بتوجه محكمة التمييز بعد صدور قرار النقض استنادا لأحكام المادة (215) من قانون المرافعات المدنية النافذ رقم ( ٨٣) لسنة ( ١٩٦٩ ) المعدل ( ٢ – اذا كان الحكم المميز صادرا من محكمة استئناف او محكمة بداءة يقتصر في اتباع قرار النقض على ما تضمنه من اجراءات اصولية فقط الا اذا كان قرار النقض صادرا من الهيئة العامة فانه يكون واجب الاتباع في جميع الاحوال).
لذا صدر الحكم بإجابة دعوى المدعي وتايد تمييزا عند الطعن به اخيرا حيث صدر قرار محكمة التمييز بالعدد (١٧٣٣ / ١٧٣٤ الهيئة الاستئنافية منقول / ٢٠٢٤) :
(ادعى وكيل المدعي (..) لدى محكمة بداءة الكوت انه سبق وان قام المدعى عليه (...) بأخذ مبلغ مقداره ثلاثون مليون دينار من موكله بحجة القيام بأعمال مخالفة للقانون وقد حكم على المدعى عليه بالحبس البسيط لمدة سنة بالدعوى المرقمة ٦٧٩/ج / ۲۰۲۲ واكتسب الحكم الدرجة القطعية لذا طلب دعوته للمرافعة والحكم بألزامه بإعادة المبلغ المذكور أعلاه وتحميله المصاريف، اصدرت محكمة البداءة بالعدد ( ٩٤ / ب (۲۰۲۳) وبتاريخ (۲۰۲۳/۱۰/۳۰) حكماً برد دعوى المدعي وتحميله المصاريف، طعن وكيل المدعي بالحكم استئنافاً بلائحته المؤرخة في ۲۰۲۳/۱۱/۲ ، قضت محكمة استئناف (واسط) بالعدد ( ٦٠٤ / س / ٢٠٢٣) وبتاريخ (۲۰۲۳/۱۱/۲۱) بتأييد الحكم البدائي من حيث النتيجة ورد الطعن الاستئنافي وتحميل المستأنف المصاريف، طعن وكيل (المستأنف) بالحكم تمييزاً بلائحته المؤرخة في ٢٠٢٣/١٢/٧ اعيد الحكم منقوضاً بموجب قرار محكمة التمييز الاتحادية المرقم ٩٤ / الهيئة الاستئنافية منقول/ ٢٠٢٤ والمؤرخ في ١/٩/ ٢٠٢٤ واتباعاً للقرار التمييزي اصدرت محكمة استئناف واسط بالعدد ذاته وبتاريخ ٢٠٢٤/٣/١٧ حكماً بفسخ الحكم البدائي المؤرخ ۲۰۲۳/۱۰/۳۰ والحكم بالزام المستأنف عليه بتأديته للمستأنف مبلغاً قدره خمسة ملايين دينار ورد دعوى المستأنف بالزيادة وتحميل الطرفين المصاريف النسبية طعن وكيل المستأنف بالحكم تمييزاً طالباً نقضه للأسباب الواردة بلائحته المؤرخة ٢٠٢٤/٤/٤ كما طعن وكيل المستأنف عليه بالحكم تمييزاً طالباً نقضه للأسباب الواردة بلائحته المؤرخة ٢٠٢٤/٤/٧.
القرار:
لدى التدقيق والمداولة وجد إن الطعنين التمييزيين مقدمان ضمن المدة القانونية ومشتملان على أسبابهما قرر قبولهما شكلاً ولتعلقهما بموضوع واحد قرر توحيدهما ونظرهما معاً ولدى امعان النظر في الحكم المميز تبين انه صحيح لموافقته احكام القانون حيث اتبعت المحكمة ما رسمه قرار النقض الصادر عن هذه المحكمة بالعدد ٩٤ / استئنافية منقول / ۲۰۲٤ في ٢٠٢٤/١/٩ وكلفت المميز بإثبات تسليم المبلغ المطالب به بالبينة الشخصية وقد ثبت بأن المميز عليه / المدعى عليه تسلم مبلغ قدره ثلاثة عشر مليون دينار من المميز / المدعي وسلم منها ثمانية ملايين دينار وبقي بذمته خمسة ملايين دينار واعتبرت المحكمة المميز /المدعي عاجزاً عن اثبات تسلم المميز عليه / المدعى عليه باقي المبلغ المدعى به ومنحته الحق بتوجيه اليمين الحاسمة الى خصمه بعد ان حددت صيغتها في جلسة المرافعة ليوم ٢٠٢٤/٣/١٤ الا انه رفض توجيهها وبالتالي يعد خاسراً لما توجهت به اليمين ويكون ما انتهى إليه الحكم صحيحاً فقرر تصديقه ورد الطعنين التمييزيين وتحميل المميزين رسم التمييز وصدر القرار بالاتفاق في ٢٠٢٤/٥/٥.
لذا ورغم رأينا المتقدم فلا نملك الاّ ان نكن لهذا القرار القضائي المحترم كل الالتزام واحترام وجهة النظر القضائية فيه ، وما تعليقنا حوله الاّ اعترافا بأهميته وضرورة دراسته والتباحث فيه.
#وليد_عبدالحسين_جبر (هاشتاغ)
Waleed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟