إياد هديش
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 22:48
المحور:
الادب والفن
لطالما كنّا أنا وآية نلعب ضمن فريقٍ ثنائيّ واحد، كأن اللعبة لا تكتمل إلا بنا معًا. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أصرّ فيه أخوها أن نكون أنا وهو فريقًا واحدًا. لم أوافق، ورفضتُ بشدة، لكن آية وافقت، تلبيه لرغبة أخيها، فغادرتني لتنضمّ إلى فريقٍ آخر. في تلك اللحظة قمتُ من مكاني وغادرتُ منزلهم، مثقلاً بألمٍ لم أعرفه من قبل، ألمٍ صنعته آية بي للمرة الأولى.
في اليوم التالي، دعت والدة آية أمي «جميلة» للحضور إلى منزلها. ذهبت أمي وإخوتي كعادتهم، وبقيتُ وحدي في المنزل. وما هي إلا لحظات حتى جاءت إلي آية إلى المنزل. طرقت الباب وفتحتُ لها فدخلت وهي تسألني: لماذا لم تأتي يا إياد؟ أغلقتُ الباب وبقيتُ واقفًا أمامها بصمت، لم أدعُها للدخول أو الجلوس. وهي شعرتْ أنها غير مرحّب بها. حاولت أن تقبّلني على خدي وهي تعتذر، لكني من شدّة ألمي دفعتها وأنا أقول لها: ابتعدي.
تحرّكت آية قليلًا وجلست على كيس الدقيق الموضوع فوق أسطوانة الغاز أمامي كان قرب باب المنزل من الداخل، على يسارها، وقد كادت تبكي لأنني دفعتها بقسوة، وهي التي كانت تحاول أن تعتذر بقبلة. وأنا شعرتُ أنها سوف تبكي فعلًا، فاقتربتُ منها. وحين اقتربتُ، تراجعت دمعات بكاؤها، فأشارت بيدها أنها تريدني أن أقبّل خدها. ربما قبلتُ خدها، لا أذكر يقينًا. لكن حين رأت سعادتي، أشارت مرة أخرى، هذه المرة إلى شفتيها. فهمت أنها أرادت مني قبلة على شفاها وحين بدأت أقترب لأطبع قبلتي على شفتيها، دوّى طرقٌ مخيف على الباب، أفزعنا معًا. فتحتُ الباب، فإذا بأطفال الجيران جميعهم خلفه، وقد قطعوا عليّ أسعد لحظة شعرت بها في حياتي.
من بعد ذلك اليوم، صاروا يطلقون علينا أطفال الجيران أنا وآية اسم «عصابة الرداء الأبيض»، وهي عصابة في مسلسل كرتوني ياباني اسمه «بوكيمون - Pokémon»، وكانوا يسألوننا دائمًا: أين هو ميوث؟ وهو الفرد الثالث بعصابة الرداء الأبيض وكان ينقصنا ميوث فعلًا. وبعد فترة وجيزة، بقينا أنا وآية نلعب وحدنا، لأن رشا بنت جارنا الآخر كانت تكرر عبارة علينا كلما رأتنا: «علي عُلعُلة كسر مَكحُلة»، بصراحة كنتُ لا أفهم ما تقصده رشا أيامها، لكن آية كانت تفهم ما تقصده صديقتها ما أدى إلى عزوفها الكلي عن الجميع إلا عني.
فكان الأطفال يلعبون في مجلس منزلهم، بينما ألعب أنا وآية في غرفة التلفزيون. كنا نتحدث طويلًا بينما نلعب، حتى اضطرت والدتها إلى نقل التلفزيون إلى غرفة أخرى بعد أن خصصت تلك الغرفة لآية. وكانت جدتها تراقبنا دائمًا، تدخل الغرفة على رأس كل ساعة، رغم أننا لم نعد نفكر بإعادة تلك اللحظة العاطفية العميقة التي اشتعلت بيننا بعد جرح. عشنا بعدها لحظات طفولية كثيرة: نقرأ معًا، نلعب الألعاب اليدوية، خصوصًا على «جهاز الألعاب الآلي اليدوي» أحد أنواع «الأجهزة المحمولة للألعاب الكلاسيكية» الذي ظهر في تلك الأيام.
حتى انتقلت أسرة آية من جوارنا إلى منزلهم الجديد. وانطفأ كل شيء في العمارة التي نسكنها. كان صاحب العمارة لا يؤجر الشقق للعوائل التي لديها أطفال، وكانت أسرة آية آخر من غادر مسنكهم في العمارة. ومات كل شيء فيها. أنا بقيت ألعب وحدي كرة اليد وكرة السلة لسنوات. فقد كان أولاد الحي يخافون من العمارة، وكانوا يخافون مني أيضًا، حتى كبرت وذهبت أبحث عن أصدقاء من الأحياء المجاورة.
«كانت بدايات الكآبة والتعاسة يوم غادرتم مسكنكم في العمارة يا آية»
يبدو أن آية ظلت تفكر بي طويلًا. فقد بقيت في المنزل وحدها مع والدتها وجدتها، بعد أن طُلّقت والدتها من أبيها، وأُخذ إخوتها للعيش معه. فقد قامت آية خلال مدة من الزمن بتعطيل جميع منافذ الكهرباء التي على جدران المنزل وتكسيرها. حتى اتصل والدها بوالدي ليأتي لاستبدالها، لأن والدي مهندسًا كهربائيًا، وهو من قام أصلًا بتسليك الكهرباء في منزلهم العائلي، وما فعلته آية لا يدل إلا أنها كانت تحبني أكثر مما أحبها وهي الفتاة الوحيدة التي شعرت أنها أحبتني أكثر مما أُحبُها حتى اللحظة.
حلّقت روحي فرحًا حين دعاني والدي للذهاب معه. ذهبت، وكل ما بداخلي كان يسبق سيارة والدها إلى منزلهم. وحين وصلنا، شعرتُ أن شيئًا قد مات في ذلك المنزل. إخوتها غير موجودين، وآية لم تخرج لاستقبالي. جلستُ أتحدث مع والدتها، أتألم مما تحكيه لي، وأتألم أكثر لأن آية تجاهلت حضوري، ولم أتوقع أنها لم تأتي للجلوس معنا.
فجأة خرجت آية من غرفتها لتدخل للقائي، لكن جدتها منعتها بالقوة من الدخول إلى الغرفة التي كنت أجلس فيها مع والدتها، وحاولت إعادتها إلى غرفتها. فصرخت آية: «يا إياد، أريد مشاهدتك على الأقل، أريد مشاهدة صورتك فقط.» فركضتُ إلى باب الغرفة، وكانت واقفة تقول: «أريد أن أشاهد صورتك فقط يا إياد».
قلت لوالدتها: لماذا تفعل الجدة ذلك؟ لم تمنعها من الجلوس معنا. لم أكن مستوعبًا أننا كبرنا. فقالت لي: جدتك أصابها الهرم. قلتُ لها: يا خالة، أريد أن أجلس مع آية. وكانت آية تصرخ من صالة المنزل: «أريد الجلوس مع إياد يا ماما، أريد الجلوس مع إياد يا ماما».
صرخت والدتها من الغرفة: دعيهم يجلسون معًا يا أمي، وتوقفي عما تفعلينه. فتزحزحت الجدة، وجريتُ إلى آية كما كنت أفعل في طفولتي. أمسكت آية وشدت يدي ودخلنا غرفتها، وأغلقت الباب بالمفتاح كي لا تضايقنا جدتها.
كانت تقول: «أريد أن أشاهد صورتك فقط، أريد أن أشاهد ملامحك، أريد أن أراك وقد كبرت يا إياد.» ألا تريد أن تراني وتجلس معي؟ كنتُ قد جلستُ بعيدًا عنها، وهي قرب السرير، والمسافة بيننا كبيرة. أشارت إلى مقعد بجوارها قائلة: تعال واجلس هنا.
اقتربتُ وجلست. كانت آية تضع مكياجًا خفيفًا للمرة الأولى، ترتدي تنورة حمراء طويلة، وبلوزة لونها كحلي مزينة بزهور وردية صغيرة. فقالت لي: ما بك يا إياد؟ هل تخجل مني؟ هل تخجل من آية؟ قلتُ: لا. بوقت كان شريط الذكريات يمرّ أمامي: آية الطفلة، وآية المراهقة التي أرى بجمالها الآسر.
كانت تتحدث كثيرًا، وعيناي معلّقتان بشفتيها، بأحمر الشفاه، وبالشامة الصغيرة التي رسمتها على خدها الأيسر، على الأسفل قليلًا من فمها. التنورة الحمراء والبلوزة وأحمر الشفاه أظهروا «زهوة» بشرتها، فرأيتُ أجمل شيء عاد إلي لحظتها من ماضي الطفولة القريب.
بعد زمن لم يكن طويل طرقت جدتها الباب بعنف لأنه كان مغلقًا بالمفتاح، وهي تصرخ: لماذا الباب مغلق يا آية؟ فتحت آية الباب ثم عادت وجلست بجواري، كأنها احتمت بي من صراخها. فصرخت الجدة: ولماذا رسمت هذه الشامة؟ رديت عليها عفويًا بشعور واجب الدفاع على آية: «الشامة حلوة، وتليق ببشرتها مع أحمر الشفاه.» فاقتربت آية مني أكثر، وأدخلت يدها من خلف ساعدي الأيمن لتعانقه. فخمد غضب جدتها من هول المشهد الذي شاهدته وخرجت من الغرفة وهي تقول: لا تغلقي الباب بالمفتاح.
«بعد حديث طويل ودافئ، لم يكن لدي ما أهديه لها سوى علكة في جيبي. تذكرت كيف كنا نتقاسم كل شيء في طفولتنا. تقاسمنا العلكة، وفكت عقدة لساني. تلاشى الخجل، وعدنا نتحدث كما كنا.»
ومع الكلام الدافئ تذكرت القبلة القديمة التي لم تنلُها مني آية. فاقتربت من وجهها أختبر رد فعلها، فلم تبدي ممانعة. حتى تبادلنا الأنفاس، وتلاقت أعيننا. فقامت وأغلقت الباب بالمفتاح مرة أخرى. ففهمت أنها وافقت على القبلة. كدت أقبل شفتيها، لكن جدتها طرقت الباب بعنف مخيف. وقامت آية فتحت الباب وهي خائفة، وجدتها تصرخ: «سأكسر لك رقبتكِ إن أغلقتِ الباب بالمفتاح مرة أخرى وغادرت». جلست آية بجواري، حاولت أن تجذبني للمواصلة، لكنني قررت ألا أقبلها. فقد خفتُ عليها من جدتها القاسية لأنها سوف تضربها ربما لأيام، وقد تصبح القبلة فضيحة في كل الحي.
عاد الكلام الدافئ بيننا حتى انتهى والدي من إصلاح جميع الأعطال الكهربائية. دعاني للمغادرة. وقبل أن أنهض، «أمسكت يدي آية كطفلة، وشدّيتها لتسير معي كما كنا نفعل». وخرجنا إلى الصالة.
قال والدي: لقد انتهيت من إصلاح كل شيء، وسنعود الآن إلى منزلنا. كان الوقت متأخرًا في المساء وأنا أريد البقاء. فحاول والدها أن يقنع أبي بأن أبيت عندهم تلك الليلة، ولليلة واحدة، وهو يقدم له الوعود بأنه سيقوم بإيصالي إلى منزلي بنفسه، لكنه رفض. وخرج إلى حوش المنزل وهو يقول: هيا يا إياد، سنعود إلى المنزل الآن معًا.
وقفت عند باب الخروج، أنظر إلى آية واقفة عند باب غرفتها وهي تقول لي: «لا تنساني يا إياد، زرني بين لحظة وأخرى ولا تنساني أبدًا».
كان هذا هو الوداع الأخير يا آية؛ أنا آسف لأنني لم أعد. فالطريق الطويل من موقف باصات الأجرة حتى منزلك لم يكن معبدًا، والمسافة كانت من منزلي سفرًا، ومن كان في عمري لا يمكنه أن يقطع تلك المسافة الطويلة من الشارع الرئيسي الذي تقف به حافلات الأجرة إلى منزلك وحده. وحين كبرت، ضاعت أرقامكم، رقمكِ الذي أعطيتني إياه، رقم هاتفكم المنزلي، ورقم والدكِ، وضاع من ذاكرتي مدخل الطريق إلى منزلكم. فقد عدت مرات عدة إلى الشارع الرئيسي، لكنني لم أتذكره.
«لم أنسَ وداعكِ حتى كتابة هذه الحروف. ولم أنسَكِ. كنتِ في كامن مشاعري وخلجان روحي. ربما لو تذكرتُ مدخل ذلك الطريق لنضج كل شيء بيننا.»
وكان ما قاله الشاعر الكبير الدكتور/ عبدالعزيز المقالح كان هو الواقع:
ما كنت أذكر لون السماءِ
وصوت المياهِ
أضعتُ عناوين أحزاني
«لكنني لم أنسى لحظة وداعكِ الأخير، أنا أعتذر لأني لم أعد مرة أخرى.»
«ربما نلتقي في حياة أخرى، إن كان هناك حياة أخرى ولقاء أرواح، فإن خُيّرت بلقاء الأرواح في الحياة الأخرى، لاخترت روحكِ لتعيش معي.»
«آسف» يا آية: فأقبلِ «أسفي».
أنا وحدي يا صاحبي
من أضاع اسمَهُ
وعناوين أحزانهِ
أضاع المكان
واسم المكان
ما كان يذكر لونَ السماءِ
وصوت المياهِ
ولا أين؟ أو كيفَ تم
اختطاف الظِلالْ
صديقتي آية،
أتمنى ألّا تُغضبك كلماتي التي كتبتها عنكِ. فقد كنتِ صديقة الطفولة المفضّلة، وأنا وضعتُ لكِ في الذكريات شيئًا حلوًا، كلماتٌ انبعثت من أعماقي في لحظةِ ألمٍ عميق.
ولو أنّ أطفال الجيران سمحوا لي يومًا أن أطبع قبلةً على خدّك، لربما اشتعل بيننا حبّ يليق بالأحبّة والعشّاق، لا يلحقه فراق، ولكنتِ الآن بجواري تجلسين، وتصرخين في وجه أطفالنا وهم يلعبون أمامنا ونحن نتابع الأخبار:
«اصمتوا يا عيال، وإلّا نمتم» أو ربما «كنتِ الآن تُحضّرين لهم فطور الصباح، وتُعدّين شنطهم المدرسية».
في الحقيقة، حين زرتكِ ذات يوم في منزلك بعد أن انتقلتِ من جوار منزلي، وعندما دعوتِني إلى الغرفة لتُريني كيف أصبح شكلكِ حلوًا وكيف تغيّرت ملامحكِ، عادت إلى ذهني تلك اللحظة القديمة:
حين جلستِ على كيس الدقيق الموضوع فوق أسطوانة الغاز، يوم جئتِ لمراضاتي لأنكِ شعرتِ أنّكِ جرحتِني سابقًا. كنتُ أودّ آنذاك حين طلبتِ منّي أن أجلس بجوارك أن أمنحكِ تلك القبلة المؤجلة التي لم تحصلي عليها، إلّا أنّ جدّتكِ أخافتنا الاثنان بكثرة طلباتها التي كانت تطلبها منكِ بعد أن استغرق حديثنا مع بعضنا وقتًا طويلًا، كأنّها كانت تعرف بمشاعركِ تجاهي مسبقًا، وبصراحة شعرتُ أنّ شريط الذكريات الذي بيننا كان يعمل في تلك اللحظات. فقد تبادلنا نظراتٍ لا تُنسى، فنظراتكِ كانت كلّها حب، وكان كلامكِ دافئًا.
كنتِ حلوة، ولا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم؛ أتذكّر فستانكِ، فقد لبستِ تنورةً حمراء طويلة وبلوزةً منقوشة أظهرت زهوة بشرتكِ، ومع أحمر الشفاه أصبح رونق جمالكِ لا يُنسى من الذاكرة، ذلك الجمال الذي كان يجذبني منذ طفولتي، من الطبيعي أن تكون محصّلته ما رأيتُه يومها.
فهل كان شكلي حلو؟ أنا لا أتذكّره.
هل كان هو الشكل ذاته الذي كان يروقكِ في طفولتنا؟
إن لم تستطيعي الردّ عليّ اليوم، يمكنكِ أن تردّي عليّ بكلّ ارتياح إن حصل بي شيء ذات يوم؛ فأنا أثق بأنّكِ تتابعين منشوراتي على فيسبوك بين لحظة وأخرى، خصوصًا والأجواء التي اعيشها تبعث القلق في نفوس كلّ من أحبّوني.
لا بأس ردّي ذات يوم، فالناس لا يهتمّون كثيرًا بمشاعر من ماتوا.
#إياد_هديش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟