أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إياد هديش - باسم الهوية.. ذهبت














المزيد.....

باسم الهوية.. ذهبت


إياد هديش

الحوار المتمدن-العدد: 8372 - 2025 / 6 / 13 - 07:53
المحور: الادب والفن
    


لم تدخل حياته كالعاصفة، بل كنسمةٍ خفيفة تسبق رعد العزلة. لم تكن صاخبة، ولا مشتعلة بلهيب الادعاء، بل كانت امرأة تُجيد الإنصات لخلجات الروح البشرية، وتتقن الحضور بلا تكلف أو أقنعة اجتماعية. قالت له ذات مساء، بينما كانت تمسك فنجان قهوتها بين يديها كمن يخبئ فيه اعترافًا وجوديًا:

"أنا لا تُكبلني قواعد العرف المغفل في كوكبي المتحضّر، حيث لا قيود ولا حدود لأحلامي المتمردة. الرباط المقدّس عندي هو رباط الإنسانية، لا رباط الديانة."

قالتها بثقة من يعتقد أنه يحطم قيدًا اجتماعيًا، لا قلبًا عاشقًا للحرية. فآمن بها، ليس لأنها قالت ما يروق له، بل لأن قلبه وقتها كان يتيمًا يبحث عن مأوى يشبهها: ملاذاً للحرية.

منذ ذلك المساء، أحبّها كما تُحب فكرة نادرة الوجود في عالم يفرض القوالب. لم يحاصرها بأسئلة عن ماضيها أو خلفيتها الاجتماعية، لم يطالبها بوعد يُقيّدها في إطاره الخاص، لم يقايض حبّه بانتماء لفكره أو لذاته. أراد فقط أن تكون كما هي، حرة.. كما قالت.

مرّت الأيام، وكان كل شيء فيها يشبه الضوء: ابتسامتها، حديثها، حتى صمتها حين تتأمل السقف وكأنها ترى فيه سماءً لا يراها سواه. أحبّ فيها ذلك الاتساع الذي يشبه الكتابة، ذلك الشرود الذي يبرر كل تناقض. كانت تمردًا يليق به، يمثل خروجًا عن المألوف الاجتماعي الذي طالما بحث عنه.

ثم.. انسحبت.

لا رسالة تفسر قرارها الوجودي. لا وداع يُغلق فصلاً من القصة. ولا حتى جملة تُغلق الباب بلطف لتُخفف صدمة الانقلاب.

غابت، كما يختفي ظلٌ حين تنطفئ الشمعة بفعل رياح التغيير الاجتماعي. ظلّ يبحث عنها في تفاصيلها، في صوتها، في نصوصها القديمة. وحين عثر عليها، لم يجدها.

وجد امرأة أخرى. تشبهها في الملامح، لكنها لا تحمل ذات الوهج الذي يعكس روحها الحرة. رآها تبتسم في صورةٍ وسط حشدٍ تقليدي، ترفع شعارًا دينيًا كقناع اجتماعي، وتكتب بثقة متصنعة:

"الهُوية التزام.. لا خيار."

جلس أمام الشاشة طويلاً. لم يتفاجأ. الخذلان، حين يأتي من قلبٍ آمنت به كمثل أعلى للحرية، لا يفاجئ.. بل يوجع بتحطيم فكرة لا شخص.

في تلك الليلة، كتب إليها – لا لينشر، ولا ليبعث – بل ليضع الكلمات في مكانها الصحيح لتوثيق خيبة الفكر الحر:

"لم أعاتبك لأنك تغيّرتِ. بل لأنكِ ادّعيتِ ما لم تكوني. لأنكِ استعملتِ الإنسانية جسراً.. لا وطنًا. لأنكِ تحدثتِ باسم الحب، ثم خرجتِ باسم الهوية. لم أطلب منكِ أكثر من صدقٍ لا يخاف، ووضوحٍ لا يختبئ. لكنكِ اخترتِ الصمت، لا الحرية."

طواها بين دفتي دفترٍ قديم، ثم أغلقه.

منذ ذلك اليوم، لم يتحدث عنها. لم يشتمها، ولم يُقدّسها. تركها في المنطقة الرمادية من القلب، تلك التي لا يدخلها الحب ولا يمرّ بها الحنين. لقد تجاوز فكرة وجودها في حياته.

لقد أحبّ امرأةً حرّة، واكتشف أنها ما زالت سجينة. لا لجسدها، ولا لعقلها.. بل لنظرة الآخرين عنها ولقوتها القاهرة في تشكيل السلوك.

وربما.. عن نفسها كذات تتأرجح بين الرغبة في التحرر والخوف من العواقب الاجتماعية.

وبعد عام..

اختارت المقهى ذاته.

ذلك الذي جلسا فيه أول مرة. الطاولة القريبة من النافذة، الكرسي الذي يطل على المدينة كمن ينتظر منها شيئًا لا يأتي من وعود الحرية الاجتماعية.

جلست كأنما هنالك موعد. كانت ترتجف قليلًا، ليس من البرد، بل من فكرة أن تراه بعينيه الآن، بعدما رآها طويلًا بعيني الخيبة الفكرية.

جاء.

بالمعطف ذاته، بخطوته الهادئة، بنظرته التي فقدت دفأها المعتاد، لكنها لم تصبح قاسية.

شاهدها بالمقهى فجلس بالكرسي المقابل دون أن يبتسم. نظرت إليه.. كما لو كانت تنظر لمرآة قديمة تكشف ملامحها بلا مجاملة اجتماعية.

قالت، بصوت أقرب للهمس: "لم أتوقع أن تأتي."

أجاب، دون أن ينظر مباشرة: "أنا لم آتِ لأسمع تفسيرًا. أنا هنا فقط لأتأكد.. أنكِ كنتِ حقيقية."

صمت. كانت تلك الجملة كافية لتهزها أكثر من أي عتاب تقليدي.

قالت، وهي تحاول أن تثبت عينيها في عينيه: "كنتُ خائفة. منك، من نفسي، من أن يراني مَن حولي كما أنا فعلًا. فاخترت القناع، وهربت."

ابتسم بسخرية خفيفة، وقال: "لكنكِ كنتِ تدّعين أنكِ لا ترتدين أقنعة."

أطرقت برأسها، ثم رفعت وجهها وقالت بهدوء موجع:
"كنتُ أقول ما أردتُ أن أكونه. وحين بدأتُ أقترب من تلك المرأة.. خفت. خفت من وحدتي، من حكم جماعتي، من أن أُنبَذ.. فخسرتك."

قال، كأنه يُكمل عنها: "وخسرتِ نفسك."

هزّت رأسها بنعم، بصمت. ثم أخرجت ورقة صغيرة ووضعتها أمامه.

قالت: "هذه رسالة.. لا لتعيدك إليّ، بل لتفهم فقط أنني لم أعبُر حياتك بخفة. وأن كل كلمة صدرت مني، حتى حين كنت متناقضة.. كانت حقيقية لحظتها."

لم يلمس الورقة. نظر إليها طويلًا، ثم قال:
"ما يؤلمني ليس أنكِ رحلتِ.. بل أنكِ رحلتِ من حيث وعدتِ ألا ترحلي."

قالت، بعينين دامعتين: "لم أعد أطلب شيئًا.. سوى أن تسامحني على أني لم أكن بقدر صدقك."

نهضت بهدوء. لم تترك خلفها عطرًا، ولا وعدًا. فقط الورقة.

أما هو، فبقي جالسًا. ينظر إليها وهي تمشي بعيدًا عن المقهى. ثم التقط الورقة، ووضعها في جيبه دون أن يفتحها.



#إياد_هديش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُختطف الحرية: المرأة ما بين التمكين والتحريض
- المرأة ما بين الحرية وهشاشة الهوية الذاتية
- ادعاء التحرر والعودة إلى السجون القديمة: بين الصخب الظاهري و ...
- حين تُقمع المشاعر تتهاوى المواقف
- المرأة واختيار شريك عمرها: بين قسوة التحريم وفطرة الحب
- الحجاب والتمييز الطبقي: كشف العلاقة بين الستر والعبودية في ا ...
- قراءة في كتاب النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي لهش ...
- هل يعود اليمن سعيداً؟
- الأيام السبعة ورمزية الرقم (7)


المزيد.....




- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إياد هديش - باسم الهوية.. ذهبت