أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - إياد هديش - جراحة الدماغ: الناجيات من السرطان والتعويض العاطفي عبر السوشيال ميديا ووسائل التواصل الاجتماعي















المزيد.....



جراحة الدماغ: الناجيات من السرطان والتعويض العاطفي عبر السوشيال ميديا ووسائل التواصل الاجتماعي


إياد هديش

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 04:51
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


لم يعد السرطان في الوعي الطبي الحديث مجرد مرض عضوي يصيب الخلايا ويُعالج بالأدوية والجراحات فحسب، بل أصبح يُفهم بشكل أعمق بوصفه تجربة وجودية ونفسية ممتدة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل بقدر ما تمس جسده من الخارج. فالمرض في هذه الحالة لا يقتصر على الألم الجسدي أو مرحلة العلاج، بل يمتد ليشمل تحولات دقيقة في الوعي، وصورة الذات، وطريقة إدراك الحياة والموت، والعلاقات، والمعنى.

وتزداد هذه التجربة تعقيدًا عندما تتعلق بالمرأة، حيث تتقاطع المعاناة الجسدية مع طبقات اجتماعية وثقافية ونفسية مرتبطة بالأنوثة، وصورة الجسد، والقبول الاجتماعي، والانتماء العاطفي. فالمريضة لا تواجه فقط تحديات العلاج، بل تواجه أيضًا انعكاسات التجربة على هويتها الداخلية، وعلى علاقتها بذاتها، وعلى الطريقة التي ينظر بها إليها المجتمع.

وفي ظل التحولات الرقمية المعاصرة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يمكن تجاهله في حياة الناجيات من السرطان، إذ لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى فضاءات نفسية معقدة تلعب أدوارًا متناقضة في رحلة التعافي. فهي من جهة توفر الدعم والتعبير والاعتراف والاحتواء، وتفتح مساحات جديدة للظهور وإعادة بناء الذات، لكنها من جهة أخرى قد تخلق أشكالًا من التعلق، والتعويض العاطفي غير المستقر، والمقارنة القاسية، والاستغلال النفسي أو الرمزي.

ومن هنا تتناول هذه المقالة الناجيات من السرطان بوصفهن نموذجًا إنسانيًا يكشف العلاقة المعقدة بين الصدمة الجسدية والتحولات النفسية، وبين الحاجة إلى الدعم العاطفي وبين مخاطر الاعتماد على الفضاء الرقمي، وبين التعافي الحقيقي وبين الأوهام التي قد تنتجها المنصات الاجتماعية. فهي تحاول تفكيك هذه التجربة عبر مستويات متعددة: عصبية، نفسية، اجتماعية، وفلسفية، لفهم كيف يتشكل الإنسان بعد الصدمة، وكيف يبحث عن ذاته في عالم رقمي سريع ومتغير، وكيف يمكن أن يتحول هذا العالم نفسه إلى أداة للنجاة أو إلى مصدر جديد للهشاشة.

■ أولًا: السرطان كصدمة نفسية عصبية ممتدة

لم يعد السرطان في الدراسات الحديثة يُفهم بوصفه مرضًا عضويًا معزولًا يصيب الخلايا والأنسجة فقط، بل بوصفه تجربة صادمة ممتدة تعيد تشكيل البنية النفسية والعصبية للإنسان على المدى الطويل. فالتجربة السرطانية لا تبدأ بالألم الجسدي فحسب، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي تتحول فيها كلمة “سرطان” إلى احتمال واقعي داخل وعي المرأة؛ إذ تدخل منذ تلك اللحظة في حالة استنفار نفسي دائم، يعيش فيها العقل بين الخوف والترقب والتهديد المستمر.

فالمرأة المصابة لا تواجه المرض باعتباره عارضًا صحيًا عابرًا، بل باعتباره تجربة تمسّ معنى الحياة نفسها. ولهذا تتوالى الضغوط النفسية بصورة متشابكة؛ بدءًا من الخوف المباشر من الموت، مرورًا بالقلق من فقدان السيطرة على الجسد، ووصولًا إلى اضطراب صورة الذات والشعور بأن الجسد لم يعد مألوفًا كما كان. كما يظهر الخوف من نظرة الآخرين، أو من الشفقة الاجتماعية، أو من التحول داخل الوعي الجمعي إلى “امرأة مريضة” بدلًا من إنسانة كاملة تمتلك حياتها الطبيعية وهويتها الخاصة.

ويزداد هذا العبء النفسي مع الإرهاق الناتج عن العلاجات الكيميائية والإشعاعية وما تتركه من آثار جسدية ونفسية متراكمة؛ إذ لا يقتصر الأمر على التعب العضوي، بل يمتد إلى إنهاك داخلي مستمر يضع الدماغ في حالة توتر مزمنة. وحتى بعد انتهاء العلاج، يبقى القلق من عودة المرض حاضرًا في الخلفية النفسية للناجية، وكأن الخطر لم يغادر تمامًا، بل تحول إلى ظل دائم يرافقها في تفاصيل حياتها اليومية.

ومن منظور علم الأعصاب النفسي، فإن هذا النوع من الضغط المزمن لا يمر دون أثر داخل الدماغ. فالتعرض المستمر للخوف والقلق يؤدي إلى اضطراب في مستويات هرمونات التوتر، خاصة الكورتيزول والأدرينالين، وهي هرمونات ترتبط مباشرة بآليات الاستجابة للخطر داخل الجهاز العصبي. ومع استمرار هذه الحالة لفترات طويلة، تبدأ مناطق دماغية مسؤولة عن المشاعر والذاكرة وتنظيم الانفعالات بالتأثر الوظيفي.

وتُعد اللوزة الدماغية (Amygdala) من أكثر المناطق تأثرًا بالتجارب الصادمة؛ إذ تصبح أكثر حساسية تجاه الإشارات المرتبطة بالخوف أو التهديد، حتى وإن كانت بسيطة أو غير مباشرة. وفي المقابل، تتأثر قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن التوازن الانفعالي واتخاذ القرار وتنظيم ردود الفعل النفسية، مما يجعل السيطرة على المشاعر أكثر صعوبة بعد المرور بتجربة مرضية قاسية وطويلة.

ولهذا تعاني كثير من الناجيات من مظاهر نفسية وعصبية متداخلة، مثل فرط الحساسية العاطفية، والقلق الاجتماعي، واضطرابات النوم، ونوبات الحزن المفاجئة، إضافة إلى التعلق الشديد بمصادر الدعم والطمأنينة. فالعقل الذي عاش طويلًا تحت التهديد يصبح أكثر بحثًا عن الأمان، وأكثر خوفًا من الفقد أو العزلة أو الانهيار النفسي.

وفي هذه المرحلة تحديدًا، تبدأ وسائل التواصل الاجتماعي في لعب دور يتجاوز الترفيه أو التواصل العابر؛ إذ تتحول لدى بعض الناجيات إلى امتداد نفسي لحاجتهن إلى الاحتواء والاعتراف والاستقرار العاطفي. فالتفاعل الرقمي، والكلمات الداعمة، والوجود المستمر للآخرين عبر الشاشة، يمنح الدماغ إشارات مؤقتة بالأمان والانتماء، خصوصًا بعد تجربة جعلت المرأة تشعر مرارًا بأنها تقف وحدها أمام هشاشة الحياة.

فالإنسان بعد الصدمة لا يعود يبحث عن السعادة بالشكل التقليدي، بل يبحث عن شيء أكثر بدائية وعمقًا: أن يشعر بأنه ما يزال آمنًا داخل العالم. وربما لهذا السبب تصبح الكلمات الصغيرة، أو الرسائل العابرة، أو حضور شخص ما عبر شاشة مضيئة، قادرة أحيانًا على ترميم جزء من روح أنهكها الخوف طويلًا.

غير أن العالم الرقمي، رغم دفئه المؤقت، لا يستطيع أن يكون بديلًا كاملًا عن التوازن النفسي الحقيقي. فوسائل التواصل خُلقت لتقريب البشر، لا لتحمل وحدها أعباء الفراغ العاطفي العميق. وعندما تتحول الشاشة إلى المصدر الوحيد للاطمئنان، يصبح القلب معلقًا بشيء سريع التغير، هشّ الحضور، وقابل للاختفاء في أي لحظة.

لذلك ربما تكون الحكمة الأعمق بعد النجاة من المرض هي أن تتعلم المرأة استخدام وسائل التواصل بوصفها “وسائل تواصل” فعلًا، لا بوصفها مخزنًا لإشباع الجوع العاطفي أو تعويض النقص الداخلي. فالقلب الذي يربط قيمته بعدد الرسائل أو التفاعلات يضع سلامه النفسي في أيدي عالم افتراضي لا يعرف الثبات.

إن التعافي الحقيقي لا يبدأ عندما يصفق لنا الآخرون، بل عندما نستطيع الجلوس مع ذواتنا دون خوف أو شعور بالنقص. فالشاشة قد تمنح لحظة مواساة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني سلامًا داخليًا دائمًا. وما يحتاجه الإنسان بعد الألم ليس أن يهرب من وحدته إلى الضجيج الرقمي، بل أن يعيد اكتشاف نفسه خارج الحاجة المستمرة إلى التصديق العاطفي من الآخرين.

فالروح التي نجت من الموت تستحق أن تعيش بحرية، لا أن تتحول إلى أسيرة انتظار الضوء الأخضر الصغير على شاشة الهاتف.

■ ثانيًا: السوشيال ميديا كآلية تعويض نفسي وعاطفي

وفقًا لنظرية “التعويض الاجتماعي” في علم النفس الرقمي، فإن الإنسان عندما يشعر بضعف الاحتواء العاطفي أو هشاشة الدعم الواقعي، يميل بصورة تدريجية إلى البحث عن بدائل تمنحه الإحساس بالقبول والانتماء والاعتراف. وفي العصر الرقمي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أكثر البيئات قدرة على ملء هذا الفراغ النفسي؛ لأنها توفر استجابة سريعة، وحضورًا دائمًا للآخرين، وإمكانية مستمرة لإعادة تقديم الذات أمام العالم.

وبالنسبة لكثير من الناجيات من السرطان، لا تكون المنصات الرقمية مجرد فضاء للتسلية أو تبادل المعلومات، بل تتحول إلى مساحة نفسية لإعادة ترميم الذات بعد تجربة هزّت الإحساس بالجسد والحياة والهوية. فالمرأة الخارجة من رحلة علاج طويلة غالبًا ما تحمل داخلها خوفًا خفيًا من أن ينظر إليها المجتمع بوصفها “امرأة ناقصة” أو “حالة مرضية” بدلًا من إنسانة كاملة ما تزال تمتلك حقها في الحب والجمال والحضور الاجتماعي.

ولهذا يصبح الظهور الرقمي بالنسبة لبعض الناجيات محاولة لاستعادة الشعور بأنهن ما زلن مرئيات داخل العالم. فعندما تنشر المرأة صورة لها بعد العلاج، أو تروي جزءًا من تجربتها، وتتلقى تعليقات مليئة بالدعم والإعجاب، فإن الدماغ لا يستقبل ذلك بوصفه تفاعلًا إلكترونيًا عابرًا فقط، بل بوصفه إشارة نفسية عميقة تعيد تأكيد وجودها وقيمتها الإنسانية.

ومن الناحية العصبية، يرتبط هذا النوع من التفاعل بتنشيط “نظام المكافأة العصبي” المسؤول عن إفراز الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالشعور بالمكافأة والانتماء والتقدير الاجتماعي. ولهذا قد يتحول الإعجاب أو التعليق أو المشاركة إلى مصدر نفسي بالغ التأثير، خصوصًا لدى امرأة خرجت من تجربة جعلتها تشعر طويلًا بالضعف أو العزلة أو فقدان السيطرة على جسدها.

ومع الوقت، قد لا تعود بعض الناجيات يبحثن فقط عن الدعم، بل عن الإحساس بالشهرة والانتشار والحضور المستمر؛ لأن الشهرة الرقمية تمنح نوعًا من التعويض النفسي عن مراحل شعرن فيها بأن المرض سرق منهن الحياة الطبيعية أو الجاذبية أو الاهتمام الاجتماعي. فكل زيادة في عدد المتابعين، أو في حجم التفاعل، قد تُقرأ داخليًا بوصفها دليلًا على أن المرأة ما تزال مرغوبة، ومرئية، وقادرة على التأثير رغم كل ما مرت به.

وفي هذا السياق، لا تكون الشهرة مجرد رغبة سطحية في الظهور، بل محاولة نفسية لاستعادة السيطرة على صورة الذات بعد أن عبث المرض بتلك الصورة طويلًا. فالمرأة التي فقدت شعرها، أو تغيّر جسدها، أو عاشت تحت نظرات الشفقة والخوف، قد تجد في المنصات الرقمية مساحة تعيد فيها تشكيل هويتها بالطريقة التي تريدها هي، لا بالطريقة التي فرضها المرض عليها.

كما تلعب وسائل التواصل دورًا مهمًا في تقليل ما يمكن تسميته بـ”العزلة الوجودية” التي ترافق كثيرًا من الناجيات. فالسرطان لا يعزل الإنسان عن صحته فقط، بل قد يعزله نفسيًا عن الآخرين أيضًا، إذ تشعر بعض النساء بأن العالم الطبيعي للأصحاء لم يعد يشبههن تمامًا. وهنا تصبح مجموعات الدعم الرقمية مساحة لتكوين “هوية جمعية للناجيات”، حيث تلتقي النساء اللواتي مررن بالتجربة ذاتها، ويتبادلن الخوف والضعف والأمل والنجاة.

وعندما تقرأ المرأة قصة تشبه قصتها، أو ترى ناجية أخرى تتحدث عن خوفها وألمها علنًا، فإن الدماغ يشعر بدرجة أقل من التهديد النفسي؛ لأن المشاركة الاجتماعية تخفف الإحساس الفردي بالخطر، وتعيد للإنسان شعوره بأنه ليس وحيدًا في مواجهة هشاشته.

ومن زاوية علم النفس العلاجي، تمثل وسائل التواصل الاجتماعي لدى بعض الناجيات مساحة لإعادة بناء “السردية الشخصية”. فالتجارب الصادمة غالبًا ما تترك داخل الإنسان ذاكرة مفككة ومؤلمة، ويصبح تحويل التجربة إلى قصة قابلة للسرد جزءًا من عملية التعافي النفسي.

ولهذا نرى بعض الناجيات يتحولن من نساء خائفات من المرض إلى شخصيات ملهمة تتحدث عن المقاومة والنجاة والقوة. فكتابة التجربة، ومشاركتها، وتلقي التفاعل حولها، يمنح المرأة شعورًا بأنها لم تعد مجرد ضحية لحدث قاسٍ، بل صاحبة معنى ورسالة وتجربة إنسانية قادرة على التأثير في الآخرين.

لكن هذه المساحة العلاجية تحمل في الوقت نفسه جانبًا هشًا وخطيرًا؛ إذ قد يتحول الاحتياج الطبيعي إلى الاعتراف والدعم إلى اعتماد نفسي على الشهرة الرقمية ذاتها. فكلما ارتبط تقدير الذات بحجم التفاعل، أصبح السلام النفسي هشًا أمام التجاهل أو انخفاض الاهتمام أو اختفاء الجمهور المؤقت.

وقد تجد بعض الناجيات أنفسهن عالقات في سباق غير معلن مع الصورة الرقمية؛ حيث يتحول الألم الشخصي إلى محتوى دائم، وتصبح المعاناة وسيلة للحفاظ على الحضور والانتباه، حتى تختلط الحاجة الحقيقية للتعبير بالحاجة المستمرة إلى التصفيق الإلكتروني.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: فالسوشيال ميديا قد تبدأ كمساحة للتعافي، لكنها قد تتحول تدريجيًا إلى مرآة تجعل المرأة تقيس قيمتها بمدى رؤيتها من الآخرين، لا بمدى تصالحها الحقيقي مع ذاتها.

ولعل أكثر ما تحتاجه الناجية بعد كل هذا ليس أن تصبح مشهورة، بل أن تشعر بأنها إنسانة مكتملة حتى في صمتها، وحتى خارج الضوء. فالشاشة تستطيع أن تمنح الانتباه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح السلام الداخلي. والإنسان الذي يربط شفاءه العاطفي بالتصفيق المستمر، قد يكتشف متأخرًا أن الضجيج الرقمي يملأ الفراغ مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذوره العميقة.

إن القيمة الحقيقية للروح لا تُقاس بعدد من يشاهدها، بل بقدرتها على النجاة دون أن تفقد نفسها وسط محاولات الظهور. فبعض الأضواء لا تكشف الإنسان، بل تُخفي هشاشته خلف بريق مؤقت، بينما التعافي الحقيقي يبدأ عندما تستطيع المرأة أن تحب ذاتها حتى في اللحظات التي لا يراها فيها أحد.

قد تتحول الشهرة الرقمية أحيانًا إلى شكل حديث من أشكال الهروب الهادئ من الألم. فالإنسان الذي خرج من تجربة اقترب فيها من هشاشة الموت، يصبح أكثر احتياجًا لأن يشعر بأنه ما يزال حاضرًا في عيون الآخرين. ولهذا قد يبدو الضوء الإلكتروني وكأنه تعويض عن العتمة الداخلية، وكأن عدد المتابعين قادر على ترميم ما كسره الخوف داخل الروح. لكن المشكلة أن الشهرة لا تمنح دائمًا ما تعد به؛ فهي تمنح الانتباه، لا الطمأنينة، وتمنح الحضور المؤقت، لا السلام العميق.

فالمرأة التي تنجو من السرطان لا تكون بحاجة إلى أن يصفق لها العالم بقدر حاجتها إلى أن تتصالح مع النسخة الجديدة من نفسها. لأن أخطر ما قد يحدث بعد النجاة ليس الألم ذاته، بل أن يصبح الإنسان معتمدًا على نظرة الآخرين كي يشعر بقيمته. وعندما تتحول المنصات إلى مرآة يقاس عبرها معنى الذات، يصبح القلب هشًا أمام أي فتور، أو تجاهل، أو غياب مفاجئ للاهتمام.

إن السوشيال ميديا تستطيع أن تمنح شعورًا سريعًا بالامتلاء العاطفي، لكنها لا تستطيع أن تبني جذورًا ثابتة للسلام النفسي. فهي تشبه البحر في لمعانه؛ واسع، مدهش، ومليء بالحركة، لكنه لا يمنح العطشان ماءً صالحًا للشرب. فكلما حاول الإنسان أن يشبع فراغه الداخلي من التصفيق الخارجي، ازداد عطشه إلى المزيد، لأن الفراغ الحقيقي لا يُملأ بالضوء، بل بالتصالح الداخلي.

وفي كثير من الأحيان، لا تبحث الناجية عن الشهرة نفسها، بل عن الاعتراف بأنها ما تزال جميلة رغم الندوب، وما تزال تستحق الحب رغم ما غيّره المرض فيها. غير أن ربط هذا الاعتراف بردود فعل الآخرين يجعل النفس معلقة بشيء متقلب لا ثبات له؛ إذ يكفي أن يهدأ التفاعل حتى يعود الشعور القديم بالوحدة والقلق إلى السطح من جديد.

ولهذا فإن التعافي الحقيقي يبدأ حين تدرك المرأة أن قيمتها لا تنقص في الصمت، ولا تزداد بالتصفيق، وأن الإنسان لا يصبح أكثر حقيقة كلما ازداد ظهورًا. فبعض الأرواح تتعب لأنها تحاول إقناع العالم بأنها بخير، بينما هي في العمق تحتاج فقط إلى أن تتوقف عن الهرب من هشاشتها.

إن أخطر أنواع الوحدة ليست أن يغيب الناس من حولنا، بل أن نفقد القدرة على الجلوس مع أنفسنا دون حاجة دائمة إلى الضجيج. لذلك ربما تكون الحكمة الأعمق بعد النجاة من الألم هي أن تتعلم المرأة كيف تستخدم العالم الرقمي دون أن تسمح له بابتلاع معنى ذاتها؛ أن تتواصل دون أن تتحول إلى أسيرة للاهتمام، وأن تظهر دون أن تجعل وجودها مرهونًا بمن يراقب هذا الظهور.

فالروح التي عبرت المرض تستحق أن تعيش بحرية أكبر من أن تُختزل في شاشة، وأعمق من أن تُقاس بعدد الإعجابات، وأقوى من أن تجعل قيمتها معلقة بإشارة إشعار عابرة تظهر ثم تختفي في ثوانٍ.

■ ثالثًا: صورة الجسد والهوية الأنثوية بعد السرطان

تُعد التغيرات الجسدية الناتجة عن السرطان، وخصوصًا سرطان الثدي، من أكثر الجوانب النفسية تعقيدًا في تجربة النساء الناجيات؛ لأن أثر المرض هنا لا يتوقف عند حدود الألم العضوي أو الإرهاق الجسدي، بل يمتد إلى العلاقة العميقة التي تربط المرأة بجسدها وهويتها الأنثوية وصورتها عن ذاتها. فالجسد بالنسبة لكثير من النساء ليس مجرد تكوين بيولوجي، بل مساحة تتداخل فيها معاني الجمال، والقبول، والأنوثة، والأمومة، والرغبة في أن تُرى المرأة بوصفها إنسانة كاملة ومستحقة للحب.

ولهذا فإن التغيرات التي تفرضها العلاجات السرطانية - مثل فقدان الشعر، أو آثار العمليات الجراحية، أو تغيرات الوزن والملامح، أو استئصال جزء من الجسد - قد تُحدث ارتجاجًا نفسيًا عميقًا داخل الوعي الأنثوي. فالمرأة لا تواجه فقط فكرة المرض، بل تواجه أحيانًا شعورًا خفيًا بأنها فقدت الصورة التي اعتادت أن ترى نفسها من خلالها.

وتزداد قسوة هذا الصراع في المجتمعات التي تربط قيمة المرأة بصورة جسدها أو بدرجة اقترابها من معايير الجمال التقليدية. ففي كثير من البيئات الاجتماعية، تُختزل الأنوثة ضمنيًا في الشعر، والملامح، والخصوبة، والتناسق الجسدي، مما يجعل التغيرات الناتجة عن المرض تبدو وكأنها تهديد مباشر للهوية الشخصية، لا مجرد آثار جانبية للعلاج.

ومن هنا تدخل كثير من الناجيات في صراع نفسي صامت مع المرآة؛ إذ يصبح الجسد بالنسبة إليهن شاهدًا يوميًا على تجربة الألم والخوف والفقد. وقد تشعر بعض النساء بأنهن أصبحن غريبات عن صورتهن القديمة، أو أن المرض سرق منهن جزءًا من الإحساس بالثقة والجاذبية والاكتمال الداخلي.

وفي هذا السياق تحديدًا، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا بالغ التعقيد والتناقض. فمن جهة، وفرت المنصات الرقمية مساحة إنسانية جديدة لكسر الصورة التقليدية عن المرض والجسد والأنوثة. إذ بدأت كثير من الناجيات يشاركن صورهن وتجاربهن بشجاعة، ويتحدثن علنًا عن الندوب، وفقدان الشعر، والخوف، والتعافي، مما ساهم في نشر ثقافة أكثر إنسانية تجاه الجسد بعد المرض.

لقد منحت هذه المساحات بعض النساء فرصة لاستعادة صوتهن وصورتهن الذاتية، ليس عبر إخفاء آثار التجربة، بل عبر الاعتراف بها والتصالح معها. وأصبح ظهور ناجيات يتحدثن بثقة عن معاناتهن مصدر قوة لنساء أخريات يشعرن بالخوف أو العزلة أو الخجل من التغيرات التي مررن بها.

كما ساعدت مجتمعات الدعم الرقمية في خلق ما يشبه المساحة النفسية المشتركة، حيث تجد المرأة من يفهم مشاعرها دون الحاجة إلى كثير من الشرح أو التبرير. فالحديث مع نساء مررن بالتجربة ذاتها يخفف الشعور بالعزلة، ويمنح الناجية إحساسًا بأنها ما تزال تنتمي إلى عالم إنساني قادر على فهم هشاشتها دون أحكام قاسية.

لكن الوجه الآخر للعالم الرقمي لا يقل قسوة. فالمنصات نفسها التي تمنح الدعم، تُغرق النساء أيضًا في سيل لا ينتهي من الصور المثالية والمعايير الجمالية القاسية. وهنا تبدأ المقارنات النفسية المؤذية؛ إذ قد تشعر الناجية بأنها بعيدة عن الصورة “المقبولة” للأنوثة التي تفرضها الثقافة البصرية الحديثة.

ومع الوقت، قد يتحول هذا الضغط إلى قلق دائم مرتبط بالمظهر الخارجي، فتبدأ بعض النساء بمحاولة إخفاء هشاشتهن خلف صورة رقمية مثالية، أو باستخدام الفلاتر والصور المنتقاة بعناية، وكأن المطلوب منهن أن يثبتن للعالم أن المرض لم يترك أثرًا عليهن.

وهكذا يصبح العالم الرقمي مساحة مزدوجة؛ يعالج الجرح ويعمّقه في الوقت ذاته. فهو يمنح المرأة فرصة للظهور والتعبير والتعافي، لكنه قد يدفعها أيضًا إلى بناء نسخة رقمية متماسكة تخفي خلفها خوفًا عميقًا من الرفض أو الشفقة أو فقدان القبول الاجتماعي.

وقد تصل بعض النساء إلى مرحلة يصبح فيها الشعور بالقيمة مرتبطًا بدرجة القبول الإلكتروني؛ فكل تعليق إيجابي يبدو كإثبات مؤقت للجمال أو الأنوثة أو الاستحقاق، بينما يتحول غياب التفاعل أحيانًا إلى مصدر قلق خفي يعيد فتح الأسئلة القديمة حول الجسد والقبول والحب.

غير أن الجسد، في جوهره الإنساني، ليس مشروعًا للكمال البصري، بل سجلًّا حيًا لما عبره الإنسان من ألم ونجاة وصمود. والندوب التي يخجل منها العالم أحيانًا، قد تكون أكثر الأشياء صدقًا في الإنسان؛ لأنها لا تمثل نقصًا، بل تمثل معركة خاضها الجسد كي يبقى حيًا.

وربما تكمن المأساة الحديثة في أن كثيرًا من النساء أصبحن يحاولن النجاة مرتين: مرة من المرض، ومرة من المعايير القاسية التي تجعل الإنسان يشعر بأنه مطالب بأن يبدو كاملًا حتى بعد نجاته من الموت.

إن الأنوثة الحقيقية لا تُقاس بسلامة الجسد من الندوب، بل بقدرة المرأة على الاستمرار رغم كل ما كُسر فيها. فالجمال ليس أن يبقى الإنسان بلا أثر للحياة، بل أن يحمل آثارها دون أن يفقد حقه في الحب والقبول والكرامة.

ولهذا فإن أعمق أشكال التعافي ليست أن تستعيد المرأة صورتها القديمة، بل أن تتصالح مع النسخة الجديدة من نفسها دون خوف أو خجل. لأن الروح التي نجت من الألم ليست أقل جمالًا، بل ربما أصبحت أكثر إنسانية وعمقًا وصدقًا من أي صورة مثالية عابرة على شاشة هاتف.

■ رابعًا: الإدمان العاطفي الرقمي بعد الصدمة

من منظور علم النفس العصبي، لا يخرج الإنسان من التجارب الصادمة كما دخلها نفسيًا أو عاطفيًا؛ إذ تترك الصدمات الكبرى أثرًا عميقًا في طريقة تعامل الدماغ مع الخوف والأمان والعلاقات الإنسانية. فالمرأة التي خاضت تجربة السرطان لا تعيش فقط تحت ضغط المرض، بل تعيش أيضًا تحت تأثير مستمر لذاكرة الخوف، والتهديد الوجودي، والإحساس الطويل بعدم اليقين. ولهذا يصبح العقل بعد الصدمة أكثر بحثًا عن أي مصدر يمنحه شعورًا سريعًا بالطمأنينة أو الاحتواء أو الحضور الإنساني.

وفي هذا السياق، تبدو وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لالتقاط هذه الحاجة النفسية العميقة؛ لأنها تقدم للدماغ جرعات متكررة وسريعة من الانتباه العاطفي. فالرسائل، والإعجابات، والتعليقات، وردود الفعل المفاجئة، لا تُستقبل داخل الجهاز العصبي بوصفها أحداثًا بسيطة، بل بوصفها إشارات اجتماعية مرتبطة بالقبول والانتماء والأمان النفسي.

وتعتمد المنصات الرقمية في بنيتها النفسية على ما يعرف بآلية “التعزيز المتقطع” (Intermittent Reinforcement)، وهي واحدة من أقوى الآليات السلوكية المرتبطة بتكوين التعلق والإدمان النفسي. وتقوم هذه الآلية على منح المكافآت بصورة غير متوقعة؛ فالمستخدم لا يعرف متى ستصل رسالة، أو من سيتفاعل مع منشوره، أو متى سيحصل على اهتمام جديد، مما يُبقي الدماغ في حالة ترقب وانتظار دائم.

وهذا النوع من المكافآت غير المنتظمة يحفز إفراز الدوبامين داخل نظام المكافأة العصبي، وهو الناقل الكيميائي المرتبط بالشعور بالمتعة والتوقع والانتباه. ومع التكرار، يبدأ الدماغ بالارتباط النفسي بهذه اللحظات العابرة من التفاعل، فيتحول الهاتف من أداة تواصل إلى مصدر تهدئة عاطفية مؤقتة.

وبالنسبة لبعض الناجيات من السرطان، يكون هذا الارتباط أكثر عمقًا؛ لأن العالم الرقمي لا يمنح فقط التسلية، بل يمنح شعورًا بالهروب من الصمت الداخلي الذي يتركه المرض خلفه. فالمرأة التي عاشت أشهرًا أو سنوات في مواجهة الخوف، والعلاج، والعزلة النفسية، قد تجد في التفاعل الرقمي مساحة تؤجل فيها مواجهة الفراغ الداخلي أو القلق المتبقي بعد انتهاء رحلة العلاج.

ومع الوقت، قد تظهر أنماط نفسية مرتبطة بهذا التعلق، مثل التعلق المرضي بالهاتف، أو الحاجة المستمرة لتفقد الإشعارات، أو انتظار التفاعل كوسيلة لقياس القيمة الذاتية والحضور الاجتماعي. وقد يصبح المزاج النفسي مرتبطًا بدرجة حضور الآخرين داخل العالم الرقمي؛ فتشعر المرأة بالطمأنينة حين تتلقى الاهتمام، وبالقلق أو الانخفاض النفسي حين يهدأ التفاعل أو يغيب.

وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالتكنولوجيا ذاتها، بل بالحاجة العاطفية التي أصبحت التكنولوجيا تغذيها باستمرار. فالدماغ الذي مرّ بتجربة تهديد وجودي يصبح أكثر حساسية تجاه مصادر الأمان، حتى وإن كانت مؤقتة أو غير مستقرة.

وقد تجد بعض الناجيات أنفسهن عالقات داخل دائرة نفسية معقدة؛ حيث يتحول العالم الرقمي إلى وسيلة لتجنب مواجهة الألم الحقيقي أو الوحدة أو الأسئلة الوجودية التي خلفها المرض. فكل لحظة صمت قد تعيد إلى السطح ذكريات الخوف، وكل فراغ داخلي قد يدفع نحو مزيد من التعلق بالشاشة بوصفها مهربًا سريعًا من التفكير أو الحزن أو الإحساس بالعزلة.

لكن المشكلة أن هذا النوع من الأمان الرقمي غالبًا ما يكون هشًا بطبيعته؛ لأنه قائم على التفاعل المتغير، وعلى حضور الآخرين غير المضمون، وعلى شعور لحظي يحتاج باستمرار إلى إعادة تغذية. ولهذا قد يتحول الاهتمام الإلكتروني إلى حاجة نفسية متصاعدة لا تمنح اكتفاءً حقيقيًا، بل تدفع الإنسان إلى المزيد من التعلق والانتظار.

فالروح التي تتعب طويلًا قد تتعلق بأي ضوء يمر أمامها، حتى لو كان مؤقتًا. لكن الأضواء العابرة لا تستطيع دائمًا أن تقود الإنسان إلى السلام، لأنها خُلقت للفت الانتباه، لا لمعالجة الجروح العميقة.

وربما تكمن خطورة الإدمان العاطفي الرقمي في أنه يمنح الإنسان شعورًا بأنه متصل بالعالم، بينما قد يكون في الحقيقة يهرب أكثر فأكثر من الاتصال الحقيقي بذاته. فكلما ازداد الضجيج الخارجي، أصبح من الأصعب أحيانًا سماع ذلك الصوت الداخلي الذي ما يزال يحمل خوفه القديم بصمت.

إن التعافي الحقيقي لا يحدث عندما نملأ وقتنا بالتفاعل المستمر، بل عندما نصبح قادرين على احتمال الصمت دون انهيار، وعلى مواجهة ذواتنا دون حاجة دائمة إلى الهروب نحو الشاشة. فالهاتف قد يخفف الوحدة للحظات، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني سلامًا نفسيًا دائمًا.

فالإنسان الذي نجا من المرض يحتاج في النهاية إلى أن يستعيد علاقته بنفسه، لا أن يستبدل خوفه من الموت بخوف جديد من الغياب الرقمي أو فقدان الاهتمام. لأن الحرية النفسية الحقيقية تبدأ عندما يصبح وجود الإنسان غير مرهون بإشعار، ولا معلّقًا بظهور اسم، ولا محتاجًا في كل لحظة إلى دليل إلكتروني يثبت أنه ما يزال مهمًا في أعين الآخرين.

■ خامسًا: هشاشة الناجيات أمام الاستغلال العاطفي الرقمي

تشير أدبيات علم النفس الاجتماعي إلى أن الإنسان بعد المرور بتجربة صادمة طويلة أو تهديد وجودي مباشر لا يعود إلى حالته النفسية السابقة بسهولة، بل يدخل في حالة من الحساسية العاطفية المرتفعة تجاه أي شكل من أشكال القبول أو الاحتواء أو الاهتمام. فالصدمات الكبرى، مثل السرطان، لا تترك أثرها على مستوى الخوف فقط، بل تعيد تشكيل الطريقة التي يُدرك بها الإنسان علاقاته بالآخرين، وتجعله أكثر قابلية للبحث عن الأمان في أي مساحة يشعر فيها بأنه مُستقبل أو مُقدَّر أو مُطمأن.

وفي حالة الناجيات من السرطان، يصبح هذا الاحتياج العاطفي طبيعيًا ومفهومًا، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام أشكال متعددة من الاستغلال داخل الفضاء الرقمي، حيث تتداخل العلاقات الإنسانية مع السرعة، والسطحية، وإمكانية إخفاء النوايا الحقيقية خلف الشاشات. فالإنسان في العالم الرقمي لا يُقابل دائمًا بوضوح، بل يواجه صورًا وانطباعات ورسائل قد تحمل في ظاهرها التعاطف، وفي باطنها مصالح أو تلاعبًا نفسيًا.

وفي هذا السياق، يمكن أن تظهر عدة أنماط من الاستغلال العاطفي التي تستهدف الناجيات بشكل خاص، من بينها الاستغلال العاطفي المباشر، حيث يُبنى التواصل على إظهار التعاطف والدعم بهدف خلق تعلق نفسي تدريجي. وقد تأخذ هذه العلاقات شكل الشفقة المؤقتة، حيث يتم التعامل مع تجربة المرض كوسيلة لخلق قرب عاطفي سريع ينتهي بانتهاء الاهتمام أو تحقيق غرض معين.

كما قد يظهر ما يمكن تسميته بالتلاعب النفسي عبر الاهتمام الزائف، حيث يتم استخدام كلمات الدعم والمساندة كأداة لبناء اعتماد عاطفي لدى المرأة، دون وجود نية حقيقية لاستمرار العلاقة أو احترام حدودها النفسية. وفي بعض الحالات الأكثر تعقيدًا، قد يتحول هذا النوع من التفاعل إلى ابتزاز عاطفي أو رمزي، يتم فيه استغلال مشاعر الضعف أو الحاجة للدعم مقابل سلوكيات أو تنازلات غير مريحة نفسيًا أو اجتماعيًا.

ولا يقتصر الأمر على العلاقات الشخصية، بل قد يمتد أيضًا إلى الاستغلال التجاري لقصص المرض، حيث تُستخدم معاناة الناجيات أو صورهن أو رواياتهن بوصفها مادة لجذب التفاعل أو تحقيق انتشار رقمي أو مكاسب مادية، دون مراعاة البعد الإنساني أو النفسي العميق لهذه التجارب.

وتزداد خطورة هذه الأنماط في البيئات التي تعاني فيها المرأة أصلًا من ضعف في الحماية الاجتماعية، أو من قمع عاطفي داخل الأسرة أو المجتمع، حيث تصبح الحاجة إلى الاحتواء أكبر من القدرة على التمييز بين الدعم الحقيقي والاستغلال المقنّع. فالإنسان الذي يفتقد إلى الأمان في واقعه، قد يجد صعوبة أكبر في وضع حدود واضحة في الفضاء الرقمي، خصوصًا عندما يظهر له الاهتمام في لحظة ضعف أو هشاشة نفسية.

ومن هنا تصبح الناجية في بعض الأحيان أكثر عرضة للعلاقات التي تبدو في بدايتها داعمة أو إنسانية، لكنها تحمل في داخلها توازنات غير واضحة بين العطاء والأخذ، أو بين التعاطف والمصلحة. فالاحتياج العاطفي العميق، حين لا يجد بيئة آمنة ومستقرة، قد يجعل الإنسان يقبل بما هو أقل من حقه في الاحترام الكامل، فقط لأنه يشعر بأنه أخيرًا “مُرى” أو “مسموع”.

غير أن المشكلة لا تكمن في ضعف المرأة، بل في طبيعة الفضاء الذي يخلط بين القرب والسطحية، وبين الاهتمام الحقيقي والانتباه المؤقت، وبين الدعم الإنساني والاستغلال المقنّع بلغة التعاطف.

فالنجاة من المرض لا تعني فقط الشفاء من الجسد، بل تعني أيضًا تعلم كيفية حماية الروح من أن تُستنزف مرة أخرى بأشكال جديدة من الألم.

وفي النهاية، يمكن النظر إلى هذه الهشاشة ليس بوصفها نقصًا في الناجية، بل بوصفها أثرًا طبيعيًا لتجربة جعلت الإنسان أكثر احتياجًا للدفء، وأكثر استعدادًا لتصديق أي يد تمتد نحوه في الظلام. لكن الوعي بهذه الهشاشة هو أول خطوة نحو تحويلها من نقطة ضعف إلى مساحة وعي وحماية داخلية.

فليس كل من يقترب منا يريد إنقاذنا، كما أن ليس كل من يُظهر التعاطف يفهم حقًا عمق الألم الذي نحمله. ولهذا يصبح التمييز بين الاحتواء الحقيقي والاستغلال النفسي جزءًا من رحلة التعافي نفسها، لا مرحلة لاحقة لها.

■ سادسًا: الدعم الرقمي بين العلاج والوهم

رغم الأثر الإيجابي الواضح الذي يمكن أن تقدمه المجتمعات الرقمية في حياة الناجيات من السرطان، فإن هذا النوع من الدعم يظل في جوهره دعمًا محدود البنية، سريع الإيقاع، ومتغير الحضور. فوسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها التقنية والنفسية، تقوم على التفاعل اللحظي؛ حيث تظهر مشاعر التعاطف والدعم في صورة رسائل قصيرة، أو تعليقات، أو تفاعلات سريعة، لكنها لا تضمن بالضرورة استمرار هذا الحضور أو عمقه أو استقراره على المدى الطويل.

في كثير من الحالات، يكون الدعم الرقمي دافئًا في لحظته الأولى، لكنه قابل للاختفاء بسهولة؛ إذ يمكن أن يتلاشى التفاعل فجأة دون تفسير، أو يتحول الاهتمام إلى مواضيع أخرى، أو ينشغل الجمهور بسياقات مختلفة. وهذا ما يجعل الدعم الرقمي أشبه بموجات متقطعة من القرب العاطفي، لا تستقر على شكل علاقة إنسانية ثابتة.

وبالنسبة للناجيات من السرطان، اللواتي يحتجن إلى إعادة بناء توازن نفسي دقيق بعد تجربة طويلة من الألم والخوف والعلاج، فإن هذا النوع من الدعم قد يكون مفيدًا كمرحلة أولى من التخفيف والاحتواء، لكنه لا يستطيع وحده أن يشكل قاعدة التعافي النفسي العميق. فالتجربة المرضية لا تترك أثرًا عابرًا يمكن تجاوزه بالتفاعل اللحظي، بل تترك بنية نفسية تحتاج إلى استقرار طويل الأمد في العلاقات والمعنى والبيئة الاجتماعية.

إن التعافي النفسي الحقيقي يقوم على مجموعة من الركائز الإنسانية التي لا يمكن استبدالها بالكامل بالفضاء الرقمي. فهو يحتاج إلى احتواء أسري حقيقي يشعر فيه الإنسان بأنه مقبول دون شروط، وإلى دعم علاجي متخصص يساعده على فهم أثر التجربة وإعادة تنظيمها داخليًا، وإلى علاقات إنسانية مستقرة تمنحه إحساسًا بالاستمرارية والثبات، إضافة إلى بيئة اجتماعية آمنة تسمح له بالعودة التدريجية إلى الحياة دون خوف أو ضغط، وإلى شعور طويل الأمد بالأمان والانتماء لا يتأثر بتقلبات اللحظة أو مزاج التفاعل.

وفي غياب هذه العناصر، قد يتحول الاعتماد على الدعم الرقمي إلى حالة نفسية ملتبسة؛ حيث يبدو من الخارج أن المرأة محاطة بالاهتمام والتفاعل، بينما تعيش في الداخل نوعًا من الفراغ العاطفي غير المرئي. هذا التناقض بين “الامتلاء الظاهري” و”الفراغ الداخلي” هو ما يمكن تسميته بـ”الوحدة المقنعة”، وهي حالة يشعر فيها الإنسان بأنه ليس وحيدًا لأن هناك من يتفاعل معه، لكنه في العمق لا يشعر بالاحتواء الحقيقي الذي يحتاجه كي يهدأ داخليًا.

فالتفاعل الرقمي، مهما كان كثيفًا، لا يضمن وجودًا إنسانيًا مستمرًا، ولا يقدم بالضرورة استجابة عميقة لاحتياجات النفس المعقدة بعد الصدمات. ولهذا قد تجد الناجية نفسها عالقة بين عالمين: عالم رقمي يمنحها حضورًا لحظيًا، وعالم داخلي يظل يبحث عن استقرار لا توفره الشاشة.

إن المشكلة ليست في وجود الدعم الرقمي بحد ذاته، بل في تحويله من مساحة مساندة إلى بديل كامل عن العلاقات الإنسانية الحقيقية. فعندما يصبح التفاعل الإلكتروني هو المصدر الأساسي للشعور بالأمان، يبدأ الإنسان تدريجيًا بفقدان توازنه بين ما هو عاطفي مؤقت وما هو إنساني مستقر.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن العالم الرقمي لا يكذب بالضرورة، لكنه لا يقول الحقيقة كاملة أيضًا. فهو يعرض جزءًا من الحضور الإنساني، لكنه لا ينقل عمقه، ويمنح لحظات من التعاطف، لكنه لا يضمن استمراريته.

وهنا تأتي الحاجة إلى وعي داخلي جديد، يدرك أن الدعم الرقمي يمكن أن يكون نافذة جميلة على التعاطف الإنساني، لكنه لا يمكن أن يكون البيت الكامل الذي تُبنى فيه الحياة النفسية بأكملها.

ربما أكبر وهم يخلقه العالم الرقمي هو أنه يجعل الإنسان يظن أن القرب يمكن أن يُقاس بعدد الرسائل، وأن الاحتواء يمكن أن يُختصر في إشعارات صغيرة تظهر وتختفي. لكن الحقيقة الأعمق أن الروح لا تُشفى بالسرعة، ولا تُرمم بالانطباعات اللحظية، بل تحتاج إلى حضور بطيء، ثابت، وغير مشروط.

فالإنسان الذي نجا من المرض لا يحتاج فقط إلى من يقول له “أنا معك”، بل إلى من يبقى حين يخفت الصوت وتختفي الشاشة ويهدأ الضجيج. لأن الوحدة الحقيقية ليست في غياب الناس، بل في غياب الاستمرارية التي تمنح الحياة معنى ثابتًا.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي بعد الصدمة ليس في العثور على من يواسيك عبر الشاشة، بل في تعلم كيف تعود إلى نفسك دون أن تحتاج دائمًا إلى مرآة خارجية تعكس قيمتك. فحين يصبح الداخل أكثر هدوءًا من الخارج، يتوقف الإنسان عن البحث عن نفسه في التفاعل، ويبدأ في العثور عليها في الصمت.

■ نحو حياة أكثر رسوخًا خارج الشاشة

في نهاية هذه الرحلة المعقدة بين الجسد والمرض، وبين الصدمة والتعافي، وبين العالم الواقعي والفضاء الرقمي، تظل الحقيقة الأعمق أن الإنسان لا يُشفى بالكامل داخل دائرة التفاعل السريع، ولا يُرمم وجوده من خلال إشعارات عابرة أو لحظات اهتمام متقطعة. فالحياة النفسية لا تقوم على عدد من يراقبنا، بل على عمق من يبقى معنا حين يهدأ كل شيء.

الناجية من السرطان لا تحتاج إلى أن تُعرّف نفسها عبر صورتها الرقمية أو حجم حضورها الإلكتروني، بل تحتاج إلى أن تعيد بناء علاقتها بالعالم على أسس أكثر ثباتًا وصدقًا. فالعلاقات الإنسانية الواقعية، رغم بطئها وتعقيدها، تظل هي الحاضنة الحقيقية للشفاء النفسي: الأسرة التي تمنح احتواءً غير مشروط، الأصدقاء الذين يبقون دون حساب للتفاعل، العلاقات التي تُبنى على حضور فعلي لا على انطباعات عابرة.

إن العالم الرقمي يمكن أن يكون نافذة جميلة على الدعم والتواصل، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى البيت الوحيد الذي تُسكن فيه الروح. فالقلب الذي يربط قيمته بردود الفعل يعيش دائمًا على حافة التوتر، بينما القلب الذي يجد معناه في علاقات واقعية مستقرة يصبح أكثر قدرة على الصمت دون خوف، وعلى الغياب دون انهيار، وعلى الحب دون قلق دائم من فقدانه.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله الناجية بعد رحلتها مع المرض ليس أن تبحث عن حضور أكبر في أعين الآخرين، بل أن تبني حضورًا أعمق داخل حياتها الواقعية؛ علاقات متينة لا تُقاس بالسرعة، بل بالاستمرارية؛ حب لا يعتمد على الإشعار، بل على المشاركة الحقيقية؛ وطمأنينة تنبع من الداخل، لا من شاشة.

فالنجاة الحقيقية لا تعني فقط أن يتعافى الجسد، بل أن يتعلم الإنسان كيف يعيش دون أن يكون أسيرًا لنظرة الآخرين، ودون أن يربط سلامه النفسي بتقلبات العالم الرقمي. وحينها فقط تصبح الحياة أكثر اتزانًا، ويصبح الحب أكثر واقعية، وتصبح الذات أكثر حرية.

فالروح التي عبرت الألم تستحق أن تعيش حياة لا تُختزل في شاشة، بل تُبنى في أرض الواقع، حيث العلاقات أبطأ لكنها أصدق، وأعمق لكنها أكثر ثباتًا، وحيث الإنسان لا يُرى فقط.. بل يُحتوى ويُفهم ويُصاحب حقًا.



#إياد_هديش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرطان الدماغ: البرود العاطفي لدى المرأة بعد الجراحة
- بين الورم والجراحة وجراح الحب: دماغ المرأة، علاقاتها العاطفي ...
- الإضاءة بالغاز: كأداة استراتيجية لدى التنظيمات الإرهابية لتف ...
- مقاومة نسوية لعاطفة مختطفة: من عبلة الصامتة إلى الشابات الرق ...
- الدين والأفيون الحديث والمعاصر
- قوة الحب أقوى من حب القوة
- الإقصاء الممنهج: التشهير كأداة للهيمنة على المرأة اليمنية
- وجوه العار: تفكك الحماية الأسرية تحت وطأة التشهير
- الجريمة النفسية التي لا تترك أثرًا على الجلد: تشريح نفسي لضح ...
- التشهير الرقمي: حين تُصبح الكلمة أداة قتل باردة
- بين شاشة وهشاشة: قمع النساء عبر التكنولوجيا في مجتمع يجرّم ا ...
- العودة إلى هوية العشاق: رسالة امرأة غادرت عالم الحرية باسم ا ...
- باسم الهوية.. ذهبت
- حين تُختطف الحرية: المرأة ما بين التمكين والتحريض
- المرأة ما بين الحرية وهشاشة الهوية الذاتية
- ادعاء التحرر والعودة إلى السجون القديمة: بين الصخب الظاهري و ...
- حين تُقمع المشاعر تتهاوى المواقف
- المرأة واختيار شريك عمرها: بين قسوة التحريم وفطرة الحب
- الحجاب والتمييز الطبقي: كشف العلاقة بين الستر والعبودية في ا ...
- قراءة في كتاب النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي لهش ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة تطالب بتحقيق دولي في جرائم تعذيب واغتصاب الأسر ...
- -سياحة القنص- في سراييفو: وثائق جديدة عن -تنافس لقتل النساء- ...
- حكم صادم لسعد لمجرد بعد إدانته بالاغتصاب
- الحكم بسجن سعد لمجرد بعد إدانته باغتصاب فتاة في فرنسا
- السجن 5 سنوات للمطرب سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب
- فرنسا: السجن 5 سنوات للمغني المغربي سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب ...
- فرنسا: السجن 5 سنوات للمغني المغربي سعد لمجرد بتهمة الاغتصاب ...
- -فوق السلطة-.. لماذا يثير مقترح -فسخ الزواج- الكثير من الجدل ...
- قانون الأسرة الجديد في مصر : لماذا كل هذا الجدل؟
- انقلبت سيارتها.. مطاردة بين امرأة والشرطة تكاد تتسبب بمقتل ط ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - إياد هديش - جراحة الدماغ: الناجيات من السرطان والتعويض العاطفي عبر السوشيال ميديا ووسائل التواصل الاجتماعي