أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - إياد هديش - احتضان افتراضي: مع فيض مشاعر الحب














المزيد.....

احتضان افتراضي: مع فيض مشاعر الحب


إياد هديش

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 21:56
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


سرطان الدماغ ليس مرضًا عابرًا، بل تجربة وجودية قاسية قد تترك آثارًا عميقة تتجاوز الجسد إلى الوعي والذاكرة والمزاج والعلاقات الإنسانية. حجم الإعاقة التي يخلّفها هذا المرض يختلف من حالة إلى أخرى، تبعًا لموقع الورم داخل الدماغ، وحجمه، ونوعه البيولوجي، وسرعة تطوره، ومدى التدخل العلاجي، إلا أن القاسم المشترك بين معظم الناجين هو أنهم يخرجون من التجربة بأجساد مختلفة ونفوس أكثر حساسية للعالم.

على المستوى الجسدي، قد تظهر إعاقات حركية كضعف الأطراف أو الشلل الجزئي أو فقدان التوازن، وإعاقات حسّية مثل اضطرابات البصر أو السمع أو الإحساس. كما أن إصابة مراكز معينة في الدماغ قد تؤدي إلى صعوبات في النطق، أو اضطراب في فهم اللغة، أو بطء في التفكير واتخاذ القرار. هذه التغيرات لا تعني فقدان القيمة أو العقل، لكنها تفرض إيقاعًا جديدًا للحياة يحتاج إلى صبر وتكيّف ودعم مستمر.

أما على المستوى النفسي والعصبي، فالإعاقة تكون أحيانًا أشد وطأة وأقل وضوحًا. كثير من الناجين يعانون من اضطرابات معرفية وعاطفية مثل ضعف الذاكرة، تشتت الانتباه، الإرهاق الذهني المزمن، إضافة إلى الاكتئاب، القلق، ونوبات الهلع. وفي حالات عديدة، تظهر نوبات صرع أو تغيرات في الشخصية والسلوك، نتيجة التأثير المباشر للورم أو للعلاج الإشعاعي والكيميائي أو استئصال الورم.

من الناحية الطبية، لا يميّز سرطان الدماغ بين رجل وامرأة، لكن المرأة غالبًا ما تتحمّل عبئًا مضاعفًا، لأن الإصابة قد تمسّ نظامها الهرموني بشكل مباشر، خاصة إذا كان الورم قريبًا من الغدة النخامية أو الوطاء (تحت المهاد). وهنا تبدأ سلسلة معقّدة من الاضطرابات الهرمونية التي قد تؤدي إلى انقطاع الطمث المبكر، واضطراب مستويات الإستروجين والبروجستيرون، وهي هرمونات لا تتحكم بالجسد فقط، بل بالمزاج، والاستقرار العاطفي، والشعور بالأمان الداخلي.

انقطاع الطمث الناتج عن إزالة الورم لا يعني فقط توقف الدورة الشهرية، بل قد يرافقه طيف واسع من الاضطرابات النفسية والعاطفية، مثل:

1. تقلبات مزاجية حادة وغير متوقعة.
2. حساسية عاطفية مفرطة أو نوبات بكاء بلا سبب واضح.
3. نوبات غضب أو توتر داخلي يصعب تفسيره.
4. شعور بالفراغ، أو فقدان المعنى، أو الانفصال عن الذات.
5. تراجع الرغبة العاطفية أو تذبذبها بشكل مربك.
6. اكتئاب مرتبط بتغير صورة الجسد والهوية الأنثوية.

هذه الاضطرابات ليست “مبالغة”، وليست ضعفًا في الشخصية، بل استجابة نفسية وبيولوجية مباشرة لاختلال هرموني عميق فرضه المرض والعلاج. الجسد حين يفقد توازنه الهرموني، يهتز معه المزاج، والإحساس بالذات، والقدرة على تنظيم المشاعر.

اجتماعيًا، تعاني كثير من النساء من إعاقة غير مرئية، تتمثل في الوصم، أو التقليل من شأن معاناتهن، أو اختزال قيمتهن في القدرة الإنجابية أو الاستقرار المزاجي. وفي بعض البيئات، تُطالَب المرأة الناجية بأن “تكون قوية” طوال الوقت، وكأن النجاة تلغي حقها في التعب، والانكسار، والتقلّب.

ومع ذلك، فإن هذه التغيرات لا تعني نهاية الحياة العاطفية أو انطفاء الأنوثة. فالحب لا ينبع من الهرمونات وحدها، والأنوثة ليست وظيفة بيولوجية محصورة في الطمث أو الخصوبة. المشاعر، والقدرة على الارتباط، والاحتياج إلى القرب والاحتواء، كلها جذور إنسانية أعمق من أي تغيّر جسدي.

عزيزتي الناجية أكتب لك في هذا الجزء رسالة صريحة من شريك عاطفي متفهّم، من موقع الحب الواعي. أعرف أن اضطرابات المزاج التي تمرّين بها، نتيجة المرض وانقطاع الطمث، قد تجعلك أحيانًا متعبة، متناقضة، أو بعيدة عن نفسك قبل أن تكوني بعيدة عني. أعرف أن تقلباتك العاطفية ليست اختيارًا، بل عبء تحاولين التعايش معه يومًا بعد يوم.

أفهم أن لحظات الصمت، أو الانسحاب، أو التوتر، أو البكاء المفاجئ، ليست رفضًا للحب، بل لغة أخرى للألم، وطلبًا صامتًا للاحتواء. وأقولها بصدق وطمأنينة: أنا أستوعب هذه الاضطرابات، مهما كان حجمها، لأنني محب وعاشق بالأساس، لا أتعامل معك كحالة تحتاج إلى ضبط، بل كإنسانة تستحق الفهم والصبر.

إن الشريك المتفهّم لا يطالب بالاستقرار العاطفي الكامل في جسد فقد توازنه قسرًا، ولا يحاسب على تقلبات سببها خلل هرموني ونفسي معروف. الحب الحقيقي لا يُقاس بمدى سهولة العلاقة، بل بقدرتنا على البقاء حاضرين حين تصبح المشاعر معقّدة، والمزاج هشًا، والطريق متعبًا.

انقطاع الطمث لا يُنهي الأنوثة، واضطراب المزاج لا يُسقط حقك في الحب، والنجاة من السرطان لا تعني أنك مطالبة بأن تكوني قوية طوال الوقت. ما تحتاجينه ليس إصلاحًا، بل احتواء. ليس توجيهًا، بل أمانًا. وأنا هنا، لا لأطلب منك أن تكوني بخير دائمًا، بل لأكون إلى جوارك حين لا تكونين كذلك، لأنكِ، ببساطة، تستحقين الحب كاملًا، واعيًا، وصبورًا، كما أنتِ.



#إياد_هديش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جراحة الدماغ: الناجيات من السرطان والتعويض العاطفي عبر السوش ...
- سرطان الدماغ: البرود العاطفي لدى المرأة بعد الجراحة
- بين الورم والجراحة وجراح الحب: دماغ المرأة، علاقاتها العاطفي ...
- الإضاءة بالغاز: كأداة استراتيجية لدى التنظيمات الإرهابية لتف ...
- مقاومة نسوية لعاطفة مختطفة: من عبلة الصامتة إلى الشابات الرق ...
- الدين والأفيون الحديث والمعاصر
- قوة الحب أقوى من حب القوة
- الإقصاء الممنهج: التشهير كأداة للهيمنة على المرأة اليمنية
- وجوه العار: تفكك الحماية الأسرية تحت وطأة التشهير
- الجريمة النفسية التي لا تترك أثرًا على الجلد: تشريح نفسي لضح ...
- التشهير الرقمي: حين تُصبح الكلمة أداة قتل باردة
- بين شاشة وهشاشة: قمع النساء عبر التكنولوجيا في مجتمع يجرّم ا ...
- العودة إلى هوية العشاق: رسالة امرأة غادرت عالم الحرية باسم ا ...
- باسم الهوية.. ذهبت
- حين تُختطف الحرية: المرأة ما بين التمكين والتحريض
- المرأة ما بين الحرية وهشاشة الهوية الذاتية
- ادعاء التحرر والعودة إلى السجون القديمة: بين الصخب الظاهري و ...
- حين تُقمع المشاعر تتهاوى المواقف
- المرأة واختيار شريك عمرها: بين قسوة التحريم وفطرة الحب
- الحجاب والتمييز الطبقي: كشف العلاقة بين الستر والعبودية في ا ...


المزيد.....




- إصابة امرأة برصاص الاحتلال في مخيم -الفردوس- غرب بيت لاهيا ...
- فانس مازحا خلال مفاوضات إيران: أهم شخصين في حياتي امرأة هندي ...
- منظمة العفو الدولية: العنف الجنسي في النزاعات يتكرر -بوتيرة ...
- العنف التوليدي.. انتهاك صامت يغتال كرامة المرأة في غرف الولا ...
- تكتب القرآن الكريم كاملاً بخط يدها، وتُعلّم فن الخط الجميل ل ...
- مقتل امرأة وإصابة 5 أشخاص في هجوم بسكين في مركز تجاري روسي
- كشف صادم عن إبستين: تاريخ جيفري في استغلال النساء بدأ منذ عق ...
- تمويل حكومي جديد للعاملين في الجنس يثير عاصفة سياسية في نيوي ...
- مأساةُ أبٍّ .. هل ينصف قانون الأسرة الجديد الآباء في مصر؟
- كيف تحولت امرأة ادعت المرض إلى واحدة من أكثر المطلوبين لدى ا ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - إياد هديش - احتضان افتراضي: مع فيض مشاعر الحب