ملهم الملائكة
صحفي وكاتب
(Mulham Al Malaika)
الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 16:11
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تبدأ اسماؤنا من لحظة الولادة، وهي لعمري قسمة غير عادلة، فالناس يحملون أسماء تبقى لصيقة بهم، ولم يكن لهم دور في اختيار تلك الأسماء.
الأصعب من الاسم هو اللقب الذي يحمله الإنسان، وهي مسألة عويصة مرتبطة بعشرات الاعتبارات الفكرية والقبلية والسياسية والعرقية والدينية وحتى الغيبية.
ومن أغرب ما في لسان العرب اسم الاسكندر المقدوني (ذو القرنين، الكبير، الأكبر، الأعظم)، فقد شاع في العربي مقلوباً فهو بنسخته الاغريقية "الكسندر العظيم Alexander the Great"، ولا أدري كيف قلبه العرب، ولماذا اضافوا إليه الهمزة في أوله!؟ والأغرب أنّ النص القرآني قد تطرق إليه في سورة الكهف بلقب "ذو القرنين" مستلاً المعنى من النصوص التوراتية والإنجيلية التي سبقت ظهور القرآن.
"وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ٨٥ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا ٨٦ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ٨٧ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا "
أصل لقب ذو القرنين ظهر بعد غزو الاسكندر لمصر عام 332 قبل الميلاد، حيث زار معبد وحي آمون في واحة سيوة. وكان الإله المصري آمون يُصوَّر غالباً بقرني كبش. أعلن الكهنة هناك أنّ الإسكندر هو ابن الإله، وبناءً على ذلك، سكّ الإسكندر عملات معدنية تُصوِّره بقرني آمون كرمز لقوته الإلهية.
وقد قلبت الثقافات المسيحية السريانية والفارسية بصيغتها الإسلامية المعنى الوثني الأصلي تماماً، وحوّلت القرنين إلى رموز للقوة التوحيدية والنبوة والسيادة على العالم.
السريان اعتبروا قرنيه تعبيراً عن الرضا الإلهي والنصر في الحروب. وفي القرنين السادس والسابع الميلاديين، اقتبس الكتاب المسيحيون الناطقون بالسريانية "رواية الإسكندر"، ولأنهم كانوا يعيشون تحت حكم الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، فقد أعادوا صياغة شخصية الإسكندر كملك مسيحي ورع. وهنا يصلي الإسكندر إلى الله، فينبت الله له قرنين من حديد تنموان حرفياً من رأسه.
وفي نصوص التوراة / "توراه"، استخدم الكاتب رمزية القرون في سفر دانيال وسفر ميخائيل حيث تمثل القرون القوة والتفويض الإلهي للغزو. ويخبر الله الإسكندر أنه أُعطي هذين القرنين "لينطح" (يطأ) ممالك الشر في العالم ويقضي عليها فيسود على يده النظام الإلهي.
مع انتقال التعريف إلى الأدب الفارسي والفقه الإسلامي، أصبح الإسكندر يُعرف باسم "إسكندر ذو القرنين" بدون "ال" التعريف العربية. واحتفى به الشعراء الفرس مثل الفردوسي (في ملحمة شاهنامه) ونظامي كملك فارسي بطولي وباحث عن الحكمة.
وبذاك فقد انتشر التفسير الفارسي والعربي (الأكثر شيوعاً)، وهو أنّ القرنين يمثلان الشرق والغرب - أي "قرني" الشمس أو طرفيها حرفياً. ونظراً لأنّ الإسكندر زحف إلى أقصى حواف العالم المعروف حيث تشرق الشمس وتغرب، فقد حكم نصفي الأرض، حسب معرفتهم آنذاك.
لسان العرب يجعل الفعل اسم علم!
الاقلاب في اسم "الكسندر" بل وحتى في لقبه، فهم يلقبونه إلى "المقدوني" والأصل هو "المسدوني"، يحيلنا إلى مفارقات أخرى في لسان العرب، فقد صاغوا من الأسماء أفعالاً أطلقت لجعل انسان ولد تواً معرّفاً بفعل، وهو أسلوب اختص به لسان العرب، على حد معرفتي، فالألسن الغربية والشرقية التي أعرفها، لا توظف الفعل ليكون اسم علم. وسبب هذا الاستعمال يتراوح بين تمني اليُمن والسلامة والسؤدد للوليد، وبين عدم التفريق بين الاسم والفعل ابتداءً.
"يحيى" اسم علم نمرّ به غالباً دون أن نلتفت إلى أنّه فعل وليس اسم علم، ويردده كثيرون فهو اسم نبي، ويقول الصابئة المندائيون إنّه نبيهم، وقد جاءهم بكتاب أقدم من القرآن اسمه "الزبور"، فيما جاء ذكر يحيى في القرآن باعتباره اسم علم يطلق لأول مرة على وليد جديد. "يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً".
يحيى فعل مضارع من الجذر "حي"، وماضيه حيا، بمعنى عاش. ومعنى يحيى، أنّه مستمر بالعيش، وتعني اليوم ومستقبلا، فقد تفيد الوقوع وقد تعني تمني الوقوع، فالمضارع في العربي يفيد الحال والاستقبال، وهو امتياز لهذا اللسان، وهكذا قد يعني العلم "يحيى"، ليته يحيى.
وتعيد بعض المراجع هذا العلم إلى الاسم يوحنا بالعبري، وبالسرياني "يوخنا"، وهو اسم يطلق على النبي الذي يسمى "جون" أو "يان" باللاتيني والتيتوني الجرماني واشتقاقاته.
مثل هذا اسم "يزيد"، بمعنى يكثر أو يكبر أو ينمو، أو التمني بأن يكثر ويكبر، وأطلق هذا الاسم على يزيد بن معاوية، وتأسس حول صاحب الاسم جدل كبير بين السنة والشيعة هو جدل سياسي، وإن حاول الطرفان تبريره بأعذار شرعية، فهو نزاع على الملك تكلل بلباس الدين، ولا شأن لي بهذا السجال هنا، فما يعنيني أن اسم يزيد جاء من الفعل زاد، فهو يزيد، وأمره زد. فهو فعل كامل ولا يصح اعتباره في حال الفعلية اسماً ممنوعاً من الصرف، بل الأجدى أن يكون فعلاً استخدم بمكان الاسم العلم.
"يعمر"، وهو فعل استخدم بمعنى اسم العلم، ويتداول في مناطق غرب وشمال العراق، وجذره "عَمر" وماضيه "عَمَرَ" ولا أمر منه، والبعض يعيده لجذر "عمران" وهو اسم فعل قديم ورد ذكره في القرآن (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) وعمران هنا هو سلف وأصل سلالة مريم، التي تحدر منها عيسى المسيح.
يعمر غير الفعل يعتمر، فيعتمر يذهب إلى العمرة، وهو غير المراد بمعنى اطلاقه كاسم علم، لكنّ بعض العرب يخطئون، فيطلقونه على بنيهم تيمناً بذهابهم للعمرة. والتقيت إبان الحرب العراقية الإيرانية بالمقدم الركن "يعمر" (حالياً لواء ركن متقاعد)، وتتعمد كتب التاريخ الدينية عدم الإشارة إلى أول من أطلق عليه هذا الاسم وعرف به بين العرب لأسباب سياسية، لأنه كان من حكماء "كنانة" واسمه كما تناقلته التواريخ التي درست "يعمر بن عوف الشداخ الكناني"، وكان خبيراً بالأنساب وبالأحساب والأخبار وحكماً من حكام كنانة. وهو الذي شدخ دماء خزاعة. وكانت قريش قاتلت خزاعة وأرادت اخراج خزاعة من مكة، فتراضى الفريقان بيعمر. فحكم بينهم بشدخ الدماء بين قريش وخزاعة، وعلى ألا يخرج خزاعة من مكة. كما اشار كتاب أنساب العرب.
الاعلام باختلاط الأقوام
هذا ما اشتهر من اسماء العلم الواقعة من فعل، وهناك اسماء علم أقل استخداما لكنها مسموعة، ومنها:
يعلو، "تعلو". ويستخدمه أيزيديون العراق في تسمياتهم كما يستخدمون "قولو"، "خيرو"، ، وربما اشتقوه من أصول فارسية زرادشتية ويعني شيئاً آخر لديهم، أما في جنوب ووسط العراق فيشتقون منه "تعلاهن" بمعنى ترتفع فوق قريناتها، ويطلق على البنات.
"يكبر"، "تكبر". صادفته مرة واحدة في العراق وقد أطلق على بدوي شمري من بادية السماوة "يكبر"، وقال لي إنّ أهله وضعوا له هذا الاسم، لأنّ كل من ولد لهم، كان يموت قبل سن الخامسة، وهكذا تيمنوا له بالكبر، فكبر فعلاً، وانتهى به الأمر سجيناً في ثمانينات القرن العشرين لسرقته عتاداً وبندقية من وحدته. ولا أدري هل قتله رجال السلطة آنذاك أم أطلقوا سراحه بعد الواقعة.
"تكبير" وهو اسم شاع بين تنظيم الدواعش والقاعدة الارهابيين، وأصله وافدٌ من الشيشان وافغانستان وباكستان حيث يقرأون القرآن ولا يفقهون معانيه غالباً. ولأنّ أغلب من أطلق عليهم هذا الاسم هم من أبناء الدواعش الذكور غالباً، والاناث نادراً قد ولدوا دون وثائق رسمية، ويحملون وثائق ما سمي ب "الدولة الإسلامية" التي لا تعترف بها كل الدول تقريباً، ولا أتوقع أن يشيع استخدام هذا الاسم، لكنه سيخلف آثاراً في لسان العرب.
"تسنيم"، وحسب قاموس المعاني اون لاين، فهو اسم علم مؤنث عربي. ورد ذكره في القرآن: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ)، ويشار تاريخياً إلى أنه اسم عين ماء في الجنة، ويشرب منها المقربون من عباد الله، وعدها البعض أرفعُ شراب في الجنة، مقابل شراب أهل النار المسمى "حميم" أو "يحموم" وذكر مراراً في القرآن (وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ). لكن، لو تعاملنا مع هذا الاسم كفعل، فإنه مصدر الفعل تسنم، بمعنى ارتقى، فيكون تسنم، يتسنم، تسنيماً وهو مصدر خماسي لفعل جذره "سنم"، وهو ما نبا وارتفع من الأرض وغيرها، ومنه سنام الجمل.
"تهمس"، وهو اسم صادفته مرة واحدة، لكنّ وجوده يثبت أنّ البعض يستخدمونه، ولدى البحث تبين أنّه متداول بقلة في الكويت وسلطنة عمان، ويطلق على البنات، تيمناّ بأن يكنّ هادئات لا تسمع أصواتهن.
"تفرح"، وهو اسم يتوسم في الوليدة أن تجد في حياتها طريقا للفرح، فهو مضارع بمعنى الاستقبال، وهو متداول في موريتانيا التي تحتفظ بموروث غريب من تداول الاسم والاسماء الوسيطة والطويلة والمركبة، وهذا ربما يتعلق بالشخصية. ولديهم اسماء مثل، "روما" أو "كيا" وحتى "مرسيدس" تطلق على البنات، فيما بقيت بعض الأسماء القديمة متداولة في هذا الزمن ومنها "سلام الله عليها"، "بسم الله عليها"، "نبغوها"، "احجبوها" و"يسلم أبوها".
"تكفي"، "كفاية"، اسم للبنات متداول في العراق والخليج وفي جنوب مصر وموريتانيا، وفي اليمن بقلة، ويعني أنّ البنت ستكفي أهلها شرها، فيما يعني كفاية، أنّ الأم لا تريد مزيداً من البنات في خلفتها.
"تسواهن"، اسم يشيع بتسمية البنات في جنوب العراق، ويوجد أحيانا في الكويت والبحرين، وهو من أفعال التفضيل في اللهجة العامية ويعني أنها خير البنات.
"يخلف"، وهو فعل مضارع وماضيه "خلف"، ويستخدم كعلم يطلق على الذكور تيمناً بتواصل الخلف، فهو يعني يثّمر أو يوّرق، وأشهر من عُرف في عصرنا بهذا الاسم، الروائي الفلسطيني، يحيى يخلف.
"تدرس"، وهو فعل ماضيه درس، والأمر منه أدرس، ومعناه ينال التحصيل العلمي، ولا علاقة له بالفعل اندرس. هذا الفعل يطلق كاسم علم على البنات، في مناطق الخليج وموريتانيا، ويفيد التمني أن تتعلم البنت، وتدرس لتصبح أوفر حظاً من أهلها.
"رويد" هو فعل أمر ومنه "رويدة". يشيع في العراق وأحياناً في مصر وبلدان الشام، وهو اسم علم يطلق غالباً على البنات (ونادرا على البنين) ومشتق من الفعل رويدك بمعنى تأنّ!، ولا ماضٍ له، ولا مضارع، ويفيد هنا أنّ البنت متأنية.
هذا ما صادفني من أفعال استخدمت بمعنى اسم علم، أما اسم الفعل وتفصيلاته وما إليها، فله مقام أخر نتحدث فيه.
ألمانيا – صيف 2026
#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)
Mulham_Al_Malaika#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟