ملهم الملائكة
صحفي وكاتب
(Mulham Al Malaika)
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 23:01
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
مظفر النواب شاعر فذّ وفنان مبدع يخاطب النفس العراقية والعربية بلا مقدمات وبلغة بسيطة تقترب كثيراً من لغة الشارع (وهكذا هو نهج نزار قباني شاعر السهل الممتنع المعلّا/ المعلّى)، والنواب بلغته اليومية يحظى بمحبة كثير من العراقيين لاسيما الفقراء وأهل اليسار واصحابهم وأدعياء اليسار معهم غالباً، وهذا بالطبع لأنّ النواب طالما نهل من منابع الشيوعية، وتغنّى بها، لكنّه لم يذق جناها الذي تساقط عن شجره قبل ينعه!
لماذا يحبونّ النواب الذي يصفه بعض الأدباء بأنه بذيء، بل يمعنون في الوصف ويقذفونه بأنّه يعيش على البذاءة ويتاجر بها؟
في جواب هذا السؤال المفعم بالمخاطر وجدت مظفراً يتشيع! وجدته مترعاً بالتشيع رغم كفره وإلحاده الشيوعي المتميز، فهو لا يقيم للعبادات وزناً، إلا حين يقيم صلاته على فخذ راقصة، أو ساعة يفطر من صيامه المزعوم من رضاب صبي مليح بأقصى حارة متوارية بأزقة دمشق (أو حتى كاظمية بغداد) القديمة! ولعله يتشيع لأنّه يبحث عن رَبع، أي يريد حشد الجموع خلفه، ولم يجد سبيلا للتحشيد إلا بتبني قضية علي وأحقيته بالخلافة وتفاصيل القصة الغامضة الموروثة من عصر الرسالة:
احمل لبلادي
حين ينام الناس سلامي
(احمل سلامي)
لعلي يتوضأ بالسيف قبيل الفجر
أنبيك عليا!
ما زلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حد السيف
ما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف
ما زالت عورة بن العاص معاصرة
وتقبح وجه التاريخ
ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية!
ما زال أبو سفيان بلحيته الصفراء،
يؤلب باسم اللات
العصبيات القبلية
ما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها
وتراك زعيم السوقية!
لو جئت اليوم
لحاربك الداعون إليك
وسموك شيوعية،
يقولون شورى
ألا سوءة
أيّ شورى وقد قسم الأمر بين أقارب عثمان في ليلة
ولم يتركوا للجياع ذبابة.
مظفر إذاً، كما يعلن، يقف لجانب علي، ويتبني "مظلوميته" التي أخّرت خلافته، والتي مثلت افتراقاً بين قضية الفقراء (وقائدهم علي زعيم السوقية) وبين مصالح الأغنياء (وقائدهم عثمان وفق شورى التجار)، ويمضي بعيداً في تشيعه، فيعلن للملأ والتاريخ أن التشيع هو الوجه الآخر للصفحة الشيوعية!:
"لو جئت اليوم
لحاربك الداعون إليك
وسموك شيوعية"
ثم يمضي فيشتم ببلاغة يحسد عليها الإجماع العربي في القرن الأول للهجرة بالقول:
" يقولون شورى
ألا سوءة
أيّ شورى وقد قسّم الأمر (ولعله قال حُسِم الأمر، لكنّ الناشر أخطأ في القراءة؟!)) بين أقارب عثمان في ليلة
ولم يتركوا للجياع ذبابة"
ويمضي قدماً في الشتم المقذع، ثم يعلن بلا مناسبة أنه قرمطي!:
" أنا انتمى للفداء
لرأس الحسين
وللقرمطية كل انتمائي"
هذا التقرب من ميراث التشيع كان مفتاح مظفر لقلوب عاشقيه، ولا يهم بأيّ لغة يخاطبهم، فقد بدأ معهم قبل فطام الأمهات!
مقاربة النهج الشعري والموروث الفكري الذي أتاح النواب قرباً ونسباً للروح العراقية/ والعربية تكشف أنّه يعطي الناس ما حرموا منه، يهبهم سلاحاً لا يملكونه، فهو يشتم بدلاً عنهم حكوماتهم، وهو يتشكى من عجزهم/ عجزهم، واحباطه/ احباطهم، وضعف حيلته/ حيلتهم، وبهذا هو يشرعن للشبيبة العراقية أن تبكي بحسرة على ماضٍ تولّى لا يستطيعون تغييره اليوم! وليذهب الباقي إلى الجحيم، فالمهم أنّ لحظة العشق تجتبي اعذاراها من أبيات النواب المغرقة في تبرير الهزائم.
وتختلط الرؤية، فلا يعي الجمهور هل يخاطب مظفر علياً أم يغازل صبياً مليحاً لا يتقن العربية؟ قائلاً:
يا ملك البرق الطائر في أحزان الروح الأبدية
كيف اندس كزهرة رؤيا،
في شطحة وجد صوفية!
يمسح عينيه بقلبي
في غفلة وجد ليلية
يكتب فيّ
يوقظ فيّ
ماذا يكتب فيّ؟
ماذا يوقظ فيّ؟
يا مشمش أيام الله بضحكة عينيك
ترنم للغة القرآن
فروحي عربية.
ولنفكك معاً معاني هذا المقطع من وتريات ليلية. فعبارة "يا ملك البرق الطائر في أحزان الروح الأبدية" يمكن أن تقع في وصف علي الذي سبقته أبيات أخرى في مسار القصيدة، لكنها يمكن أيضاً أن تقع في وصف اليسار، وتحديدا الحزب الشيوعي، ولعلها تقع في وصف هاجس طالما بعث في نفسه الحزن، لعله هاجس عشق محرّم؟ وما يؤيد ذلك أنّ الشاعر يسارع بالانتقال إلى أسئلة مشبوبة بالعشق المختلط بالمحبة الغامضة:
كيف اندس كزهرة رؤيا،
في شطحة وجد صوفية!
من هو وكيف اندس في روح الشاعر كزهرة رؤيا؟ وما هي شطحة الوجد الصوفية في هذا السياق؟
من هو الذي:
" يمسح عينيه بقلبي
في غفلة وجد ليلية"؟!
أيّ عشيق هذا الذي يمسح عينيه بقلب (الشاعر)؟ ومتى تحديداً؟ في غفلة وجد ليلية! غفلة وجد عن أعين الرقباء مثلاً؟ وهذا قد يفسر كيف تكون الغفلة ليلية؟ وأين يقع هذا الحب المحرّم الهني؟
ويعود مظفر ليؤكد أنّ هذا المندس في شغاف قلبه:
"يكتب فيّ
يوقظ فيّ
ماذا يكتب فيّ؟
ماذا يوقظ فيّ؟
لا إجابات عن سيل الأسئلة، فالحبيب يوقظ في نفس الشاعر أشياء لا يود البوح بها، والحبيب يكتب (نقشاً على القلب) أشياء لا يطيق البوح بها، وتصل الحكاية ذروتها حين يقول:
يا مشمش أيام الله بضحكة عينيك
ترنم للغة القرآن
فروحي عربية."
فيلتمس الشاعر المتيم هذا الحبيب المليح بالقول: "يا مشمش أيام الله بضحكة عينيك" والوصف جميل رشيق، ولكن بيَ شك أنه أراد القول "يا مشمس أيام الله بضحكة عينيك إلا أن الناشر أخطأ مرة أخرى في القراءة؟!"...لا أدري فكلا الوصفين رقيق يباغت القلب! وعل كل حال، فإن كان مشمش أيام الله أو مشمس أيام الله، فهو لا يتقن العربية، ومن هنا التمسه الشاعر متوسلاً:
"ترنم للغة القرآن
فروحي عربية"
إنّه يحبه لكنه لا يجد جسراً لسانيا للتواصل معه، فالمعشوق لا يتقن العربية، يا ترى أين التقى النواب بمعشوقه هذا؟ وهل هو صبي مليح أم حسناء مليحة؟ البوح هنا يقع في المحرمات العربية الرثة. وهذا بالذات يضع مظفر النواب على ملتقى قناطر المحبة والعشق في بلاد الرافدين وبلاد الشام المفعمة "بالوجد الليلي" الغامض! ويجيب النواب بشاعرية فذّة بلا لبس أنّ العشق هنا مفهوم متداخل غامض:
الحب بأن لا تعرف شيا
هل تعرف كيف يكون الشاعر بالحب
لقاء جميع الأنهار ومجنوناً وخرافيا
ويهاجر في غابة ضوء من دمعته
ويموت لقاء أبدياً؟
والسؤال هنا في عبارته الرقيقة "ويموت لقاء أبديا"؟ كيف يعني هو يموت لقاء أبدياً؟ لقاء بمن، ولماذا أبديا؟ ويكرّ النواب عائداً الى تشيّعه/ شيوعيته الحائرة فيقول:
تنفرط الكلمات وأشعر بالخوف وبالحسرة
تختلط الريح بصوت صحابي (لعله أبو ذر الغفاري؟!)
يقرع باب معاوية ويبشّر بالثورة
ويضيء الليل بسيف يوقد في المهجة جمرة
ماذا يقدح في الغيب الأزلي أطلوا
ماذا يقدح في الغيب
أسيف علي؟!
قتلتنا الردة يا مولاي
كما قتلتك بجرح في الغرة.
ويتنقل النواب بلا هوادة بين قضية "الفقراء" التي يزعم أنّه تبناها وبين عشقه الغامض للثورة (أم لفتيان كأنّهم لؤلؤ منثور ...لا ندري؟) بالقول:
يا ملك الثوار (وهو هنا بلا شك يخاطب علياً القائد المثالي حسب رأيه) أنا في حل (في حل من التزامه الثوري، أم في حل من قيود المجتمع؟)
فالبرق تشعب في رئتي
وادمنت النفرة
والقلب تعذر من فرط مراميه
والقلب حمامة بر لألأها الطل
تشدو،
والشدو له ظل
والظل يمد المنقار لشمس الصحراء...
فالبرق (الثورة وعقيدتها) الذي تشعب في رئته (كالهواء) جعله مدمناً على النفرة (الرفض)، لكن قلبه يتعذّر لفرط مراميه (لماذا تعسرت تلك المرامي لدرجة بات قلبه يتعذر عن الثورة؟)، ويعود للغة العشق واصفاً قلبه بأنّه "حمامة بر لألأها الطل تشدو" فهي حمامة تساقط عليها الندى وما برحت تشدو، وهذا "الشدو له ظل"، وهنا تجمع روعة الوصف بين ميتافيزيقا الفكرة وميتافيزيقا الصورة " والشدو له ظل...و(هذا الظل الناجم عن الشدو) يمد المنقار (منقار الحمامة) لشمس الصحراء".
ثم يسارع الشاعر معترفاً بصعوبة كل ذلك عليه:
لغة ليس يحل طلاسمها غير الضالع بالأضواء
والظل لغات خرساء (الضالع بالأضواء لا يتقن لغة الظل لذا تمسي لغته بوح أخرس!)
لكنه لا ينسى عشقه، فهو يعلن بلا تردد أنه يصارح حبيبه الذي يجهل لغته بالقول:
وأنا في هذي الساعة بوح أخرس (وهو بوح أخرس لأنّ الحب لا يحتاج لسان!)
فوق مساحات خرساء (وهي مساحات خرساء لأن عشق الجسد سياحة لا تحتاج لسان)
أتمنى عشقا خالص لله (هل هو عشق علي؟)
وطيب فم خالص للتقبيل (الفم الخالص للتقبيل هو حتما ليس فم ثوري مشهر سيفه!)
وسيفا خالص للثورة (السيف هنا يمكن أن يكون عاشقاً يشهر حبه على محبوبه؟!)
إنها لغة اختار النواب أن يجعلها صعبة وسط سيل المشاعر الجياشة المتداخلة الذي يعاقر نفسه، فيربكه ليتيه مضيّعاً بين الحانات وبين مقاهي الثوريين، ولا ندري أين سيحسم موقفه، والحقيقة أنّ النواب قد غادر الحياة وهو لم يحسم موقفه من كل الأشياء، فنحن وهو لم نعرف من أين يبدأ العشق وإلى أين ينتهي؟
هذه قراءة سريعة في مقطع من شعر النواب، وأتمنى أن يتاح لي تفكيك كل شعره، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)
Mulham_Al_Malaika#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟