ملهم الملائكة
صحفي وكاتب
(Mulham Al Malaika)
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 16:12
المحور:
قضايا ثقافية
أغلب تاريخ العرب والمسلمين غير العرب مسجل في أسفار كتاب (ألف ليلة وليلة)، وهو كتاب مفعم بالقصص ويستند إلى ما يشبه أسطورة مستوحاة من الموروث الشعبي الهندي ومختلط بأنفاس الإسلام الإيراني وإسلام الموالي.
ولكن علينا ربط النتائج بالأسباب، فإذا كانت حكايا ألف ليلة وليلة قد لخصت التاريخ الاجتماعي للمجتمع الاسلامي قبل بضعة قرون، فإن ألف لولا ولولا لا تكفي لإيجاز وقائع مجتمعات الاسلام الحديث.
يصعب التفريق بين التاريخ العربي وبين التاريخ الإسلامي لأسباب لسنا بصددها، لكن الثابت أنّ المسجل من التاريخين هو تاريخ المسلمين فقط، ويجب ان لا تغيب عن بالنا حقيقة خالدة مفادها أنّ التاريخ المكتوب هو سجل مآثر وبطولات القادة والزعماء فحسب، أما الشعوب فهي ظلال ورتوش تكمل الصورة، لذا فإن ما وصلنا من تاريخ المسلمين غير الرسمي (وهو نبض المسلمين والعرب على مدى مئات السنين) تتوزع وقائعه في كتاب ألف ليلة وليلة. في هذا السفر الذي لا يعرف كاتبه ولا زمن كتابته ولا أبطال وقائعه يتلمس الإنسان تفاصيل حياة الناس، أو على الأقل أمانيهم واحلامهم وتصوراتهم.
ولا تتفق النصوص المنشورة من هذا السفر مع بعضها وتتباين وترجماتها التركية والاوروبية والهندية والفارسية تباينا يفوق تباين الأناجيل المسيحية والقصص التوراتية وتناقل الأحاديث النبوية (ويقال أنّ عبد الله أبن سبأ ولا أحد يعرف من هو بالضبط قد دسّ في الأحاديث النبوية ستة عشر ألف حديث!)
ولولا أنّ الملك السادي شهريار لم يكن ينام الا بعد أن يقتل عذراء من بنات الشعب كل ليلة لما عرف العالم أول مسلمة تقصّ بكل تلك الجرأة قصص الحب واللذة المحرمة حتى ينام الملك.
ولولا قصص شهرزاد لظنّ الناس على مدى العصور أنّ العالم الإسلامي هو جنة سماوية من الفضيلة والصدق والعفاف، وكل بناته عذارى وكل متعه لا تتجاوز منابر المساجد وكل صوت يتردد في شوارع وأزقة مدنه هو القرآن والآذان والدعاء، حيث لا غناء ولا فسق ولا فجور.
ولولا قصص شهرزاد لما وجد الشعب المسكين متنفسا للمتعة واللهو (البريء وغير البريء)، فمجالس الرجال والنساء في القاهرة ودمشق وبغداد وطهران والأستانه (حيث كان الاختلاط من المستحيلات) كانت تقص على مدار السنين حكايا شهرزاد وتتناقلها محورة في الأغلب الأعم لسبب النسيان أو عدم أمانة النقل أو لكليهما.
ولولا تناقل تلك الحكايات عبر عقود من الزمن لبقي الشعب المسكين أسير فتاوى لا أحد يعرف كيف تشكلت وأسير حكايا تناقلتها كتب التاريخ الرسمي (الطبري والمسعودي وابن خلكان...).
لولا ليالي شهرزاد (وتسمى في الغرب الليالي العربية) لم يطلع مارد الدخان من قمقمه ليفتح بوابة اسرار المعرفة على مصراعيها.
لولا حكايا ألف ليلة وليلة لما عرف الغرب شيئا عن سحر الشرق وأسراره ولما توله المستشرقون بهذا الجزء من العالم وتاهوا به حبا.
ولولا عشق المستشرقين لما نقلوا للغرب كل علوم الشرق، فطار الغرب (بفضل تلك العلوم) الى المريخ وتراجع الشرق الى القرن السابع للميلاد بحثاً عن تاريخ قمري لا يثبت في تفاصيله (لسبب أثر جاذبية الأرض على القمر) فتتفاوت مواقعه من شهر لآخر ويبقى تاريخه مائعا حائرا بين ليلة غائمة لا يظهر فيها الهلال وبين ليلة صحت سماها فظهرت فيها نجمة الزهرة لتفسح للهلال أن يظهر.
ولولا التاريخ القمري لما اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية بالقمر فأنزلت في 20 تموز/يوليو عام 1969 (نيل ارمسترونغ) أول أنسان على سطح القمر ليسير على التابع الأرضي الرمادي الميت ويثبت أن لا شئ فوقه وفيه سوى رمل رمادي محترق، ليفسد بذلك أحلام الشعراء بالكوكب الفضي والعشاق بسميرهم الذي لا ينام حتى ينامون. والمفارقة هنا أن ملايين الناس اليوم باتوا يشككون في تلك الواقعة، وينفون أن الأنسان قد مشى على القمر، بل وينفون كروية الأرض!
ولولا الولايات المتحدة الامريكية لما تمكنت أوروبا العجوز أن تقضي على هتلر الفنان الفاشل الذي تحول إلى قائد دموي تاريخي وقاد التحالف النازي الفاشي الياباني الذي احرق العالم بالحرب العالمية الثانية.
ولولا أكبر كارثتين في التاريخ (هيروشيما وناغازاكي) لابتلعت اليابان التي كانت نمرا متوحشا طموحا كل آسيا وحوّلت كل شعوبها الى عبيد وكل نسائها إلى (فتيات جيشا) في قصور الساموراي وحمامات الساونا.
ولولا خطة مارشال لما بزغت أوروبا لتصبح ثاني أكبر قوة اقتصادية وسياسية في العالم.
لولا نتائج الحرب العالمية الاولى وسقوط آخر قياصرة المانيا وآخر قياصرة روسيا وآخر سلاطين الإمبراطورية العثمانية لما قامت دولة تركيا الحديثة.
ولولا نهضة تركيا القومية لما قامت النهضة العربية ولما تمرد العرب على آخر خلفاء المسلمين فأقاموا دولهم القومية التي يريدون العودة بها اليوم الى الاسلام.
ولولا مجازر الهولوكوست النازية، لما سمح العالم بقيام الدولة العبرية.
ولولا دولة اسرائيل لما تمتع القادة القوميون العرب بحق فرض قوانين الطوارئ على شعوبهم لآجال غير معلومة ولما عاشوا طيلة مدد حكمهم في ظل الدساتير المؤقتة.
ولولا جيش اسرائيل الذي يهدد كل دول العرب لما باعت مصانع السلاح الغربية والشرقية ملايين الأطنان من الحديد والعتاد والبارود الذي نجح الى حد بعيد في اخضاع شعوب الشرق الاوسط لحكوماته.
ولولا سابقة الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة اسرائيل لما عقد مؤتمر كامب ديفيد عام 1978 برعاية الرئيس الامريكي جيمي كارتر ولما حدث التقارب العربي الاسرائيلي الذي جعل الحديث يدور اليوم عن مشروع دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل كأمر واقع لم يتجاسر أحد على مجرد التفكير به قبل كامب ديفيد.
ولولا الرئيس الأمريكي الديمقراطي (جيمي كارتر) المسيحي المتدين، لما قامت أول جمهورية اسلامية في العالم ولما تحول الصراع الدولي من صراع بين الغرب المسيحي المؤمن وبين الكتلة الشيوعية الملحدة، الى صراع بين الغرب والعالم المتمدن وبين الدول والمنظمات الاسلامية عبر العالم.
ولولا سياسة الاحتواء التي انتهجها الرئيس الامريكي جورج بوش الأب ومن بعده الرئيس (الديمقراطي) بيل كلينتون لما اضطرت الولايات المتحدة أن تخوض حرب تحرير العراق لأسقاط نظام صدام حسين، ولما احتار العالم الغربي بالمشروع النووي الايراني.
ولولا سلطة الاعلام الحديث لما عرف العالم بجريمة الرئيس الامريكي الديمقراطي باراك اوباما بحق الذباب حين قتل ذبابة في المكتب البيضوي بالقصر الأبيض أمام أنظار الملايين.
ومن أشهر اللوالي أغنية (لولا الملامة يا هوا) التي غنتها الفنانة وردة الجزائرية عام 1973 في فيلم (حكايتي مع الزمان)، ولولا هذا الفيلم لبقيت وردة مبعدة عن سماء الفن العربي بتهم سياسية غامضة.
لولا الملامة يا هوا لولا الملامة
لأفرد جناحى عالهوا زي اليمامة
واطير وارفرف في الفضا
واهرب من الدنيا الفضا
وكفاية عمري... كفاية عمري اللي انقضا
وانا بخاف مالملامة...وانا بخاف مالملامة
عود على ذي بدء، لولا حكايا شهرزاد لما عرفنا أنّ أختها (دنيا زاد) كانت تنام خلف ستار مخدع الملك وتستزيدها لتقص المزيد ثم تبقى تنصت لما يحدث بين شهريار وجاريته شهرزاد. وبعد أن يخرج الملك مع طلوع الصباح لإدارة شؤون الرعية (ولا ندري كيف يفعل ذلك إذا كان قد قضى الليل ساهراً مسهد ينصت لحكايا شهرزاد ويضاجعها!)، تنام الأختان متعانقتان، ولا ندري لماذا متعانقتان في قصر الملك وقرب مخدعه؟
وتنتهي الليلة الواحدة بعد الألف بقصة الجارية شهرزاد، حيث جثت على ركبتيها أمام الملك العادل وقالت له إنها تنام معه (بحق ما ملكت يمينه) منذ ثلاث أعوام وقد أنجبت منه ثلاثة ابناء ذكور لذا فهي تطلب منه الصفح وعدم قطع رقبتها بالسيف (وهي العقوبة المفضلة عند الإسلاميين حتى في يومنا هذا). أجابها شهريار بالدموع والعفو والغفران لأنها قد شفته من مرضه السادي، وأخبرها في النهاية السعيدة أنه وجدها شريفة عفيفة (رغم أنه قد ضاجعها دون زواج ألف ليلة!) لذا فقد قرر الزواج بها وقبول ابنائها ابناء له (وهو ما يعرف في العرف القبلي والإسلامي بعتق الأمة وترقيتها إلى مرتبة "أم ولد" وقبول ابوة أبنائها)، وانتهت الليالي بأفراح دامت ثلاثين يوما عمت مملكة شهريار لتزيح عن قلب الشعب هموماً واحزاناً راكمتها مصارع بناتهن المؤمنات العذارى في مخدع شهريار.
#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)
Mulham_Al_Malaika#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟