ملهم الملائكة
صحفي وكاتب
(Mulham Al Malaika)
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 20:15
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
ها أنا أضع المثقف أمام نفسه، ولا أريد طرح مقدمة أو تنظيرٍ، بل سأذهب بلا ابطاء إلى الأسئلة الصعبة والتحديات الوجودية.
أداة المثقف الأهم في عرض وعيه هي لسانه، وبما أننا نتحدث عن المثقف العربي في هذه العجالة، فلنقل "لسانه العربي" تحديداً. وأقول هنا بلا تردد أنّ 98 بالمئة من المثقفين لا يملكون لساناً عربياً مبيناً! هذا تعميم قد يبدو صادماً، لكني أصرّ عليه داعياً كل من يصنّف نفسه تحت وصف "مثقف" أن يجري هذا الاختبار:
*اختر أيّ كتاب عربي اللسان من مكتبتك، بغض النظر عن كونه مكتوباً بالعربي أم مترجماً إلى هذا اللسان، وافتح تطبيق التسجيل على هاتفك (موجود التطبيق في كل أنواع الموبايل الحديثة بلا استثناء)، ثم اختر عشوائياً 3 صفحات من الكتاب، وابدأ بقراءتها وقد شغلت التطبيق، فيتم تسجيل قراءتك كما هي مع توقفاتك الهجائية، ومع تصحيحاتك للقراءة. انهي القراءة وراجع النص المسجل، وستعرف بشكل فاضح حجم الأخطاء التي ارتكبتها. هذا الاختبار بسيط وسريع وغير مكلف، وهو يكشف للجميع تقريباً أنهم لا يملكون ناصية اللسان العربي.
*وللمثقف الإسلامي، أعدّل الاختبار بما يناسب قياساته ومعاييره، فأدعوه أن يفتح القرآن الذي بحوزته على أيّ موضع وفي أيّ سورة يختارها، وليباشر بالقراءة والتسجيل، وستكشف له عثراته حجم جهله ب "اللسان العربي المبين" الذي كُتب به القرآن، رغم أنه قرأ مراراً وتكرارا تلكم الآيات، وبصوت جهور غالباً، لأنّ قراءة القرآن يجب أن تتم بتروٍ وبصوت مسموع و "خشوع" ظاهر كما يتفق كل المسلمين والإسلاميين على حد سواء.
*ومن خلال تجربتي في العمل الإذاعي والصحفي والتلفازي لمدة تمتد أكثر من عقدين، وجدت أنّ أكثر من 50 بالمئة من المثقفين لا يستطيعون التحدث للناس مباشرة بلسان فصيح، ويذهبون إلى اللسان الدارج هرباً من هذا التحدي. وطالما عانيت في العثور على ضيوف حوار يتحدثون في الشأن الذي اتناوله لهذا السبب بالذات.
*بما أنّ المثقف ما برح يعلن التزامه بالموضوعية والحياد (وهو يفتقر إليها غالباً)، فأدعوه قبل أن يرد عليّ متحاملاً، أن يقرأ كتاب علي حرب "أوهام النخبة" الصادر عام 1996، وهو كتاب صغير الحجم (نسخته الرقمية على موقع أرشيف جاءت ب 214 صفحة من القطع الصغير)، فسيح المضمون، صريح الطرح، فصيح العرض، خالٍ من الحشو والحذلقة.
مثقف علي حرب
يوجز الكتاب تعريف المثقف العربي ونقده في آنٍ واحد، معتبراً أنه المُناضل الذي سقط في فخ الأيديولوجيات المُغلقة. ويرى أنّ تعريفه يتمحور حول كونه "صاحب مهنة بقدر ما هو صاحب مهمة"، وهو ينتقد بقسوة النموذج النخبوي للمثقف الذي يعيش منفصلاً عن واقعه، مؤشراً بوضوح معضلة الوقوع في أوهام النخبة، وهكذا فإنّ المثقف العربي يمارس غالباً الوصاية على الناس والولاية على القيم، مدعياً امتلاك الحقيقة المطلقة، مما يخلق هوة بينه وبين المجتمع ويقوده إلى العزلة. وهذه العزلة هي صومعة تغلق عقله وتجعله يعيش وهم التفوق على الآخرين.
ومن هذا الموقف يعتبر المثقف نفسه حارس أفكاره، متعاملاً مع الأفكار والنصوص كأصنام مقدسة أو حقائق مطلقة غير قابلة للتطور، مما يعوق التجدد ويجعل فكره وطروحاته قاصرة عن فهم الواقع.
ويذهب حرب بنفس الجرأة إلى موقف المثقف "المناضل"، حسب الوصف اليساري والقومي، أو حسب الوصف الإسلامي "الداعية" معتبراً هذا النموذج مستهلكاً مستنفداً. وفي رأيه، فالمثقف الحقيقي هو من يتقن مهنته بإنتاج الأفكار، وابتكار طرق جديدة للتفكير والتعبير. ويدعوه حرب إلى التخلي عن الخطابات الجاهزة والتحول إلى ممارسة التفكيك الواقعي منغمساً في الحياة وليس في الأفكار والتفلسف في عروضها، بحيث لا يكون دور المثقف التلقين من أعلى، بل الانخراط النقدي في تغيير المفاهيم وصياغتها من جديد.
*شخصياً، لا أحب وصف "مثقف"، ولا أصنّف نفسي تحت هذا الوصف، مفضلاً أن أعلن أني إنسان واقعي، أقف متسامحاً مع مواقف المكونات الصغرى على وجه الخصوص، لأنّ مواقف المكونات الكبرى كيفما كانت فهي تسلطية ظالمة، ولا أفرض وصاية على أفكار الآخرين ولا أطالبهم بتبني مواقف أراها صحيحة، إذ لا يوجد موقف صحيح مطلق، وحتى الصوابية السياسية (Political Correctness) التي روّجت لها المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، نجدها اليوم تتعثر في ظل تغير المفاهيم المتسارع الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي.
مثقف فوكو
*وبما أن المثقف يعتبر ميشال فوكو نموذجا نبوياً لا يرقى النقد لآرائه، فها أنا عرض عليه هنا نقد فوكو لدور المثقف التقليدي الشامل الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ويتحدث باسم الجماهير. وقدم فوكو بديلاً له يتمثل في المثقف المتخصص النوعي الذي ينتقد لتعرية علاقات السلطة والذي يملك المعرفة في مجاله المباشر، دون تقديم إجابات جاهزة عن معنى الحياة أو السياسة. رافضاً تقمص هذا المثقف لدور "النبي" أو الضمير العالمي، ومنتقداً نموذج المثقف الوجودي (على غرار الفلاسفة الوجوديين) الذي ينصّب نفسه ناطقاً رسمياً باسم العدالة والحقيقة، معتبراً أن هذا الدور مبني على وهم امتلاك وعي متعالٍ.
ويخلص فوكو إلى أنّ دور المثقف يجب أن ينصبّ على نقد السلطة المبطنة التي تعمل داخل مؤسسات المجتمع. وحدد ذلك من خلال شخصية "المثقف المتخصص أو النوعي" (Specific Intellectual)، داعياً إلى الاستعاضة عن المثقف الشامل بالمثقف النوعي، وهو الشخص الذي يعمل في قطاع محدد (كالسياسة، القانون، التعليم...) ويستخدم كفاءته لفضح آليات التسيّد والقيادة في ذلك القطاع.
ودعا فوكو المثقف إلى الخروج من صومعة التنظير والأفكار المعقدة واللغة الوعرة، والانخراط في العمل داخل البنى الاجتماعية، مركزاً على النضال في قضايا معينة وملموسة تواجه الأفراد، بدلاً من تقديم مشاريع كبرى وتوجيهات سياسية عامة.
مثقف غرامشي
وأطلق أنطونيو غرامشي وصف "المثقف العضوي" لوصف المثقف الذي لا ينعزل في برج عاجي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضايا مجتمعه وطبقاته، ويسعى لتنظيم الوعي. مرتبطاً بقوة بالواقع، ومندمجاً عضوياً مع هموم وتطلعات الفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها. وهكذا فإنّ دوره في المجتمع هو العمل كحلقة وصل بين النظرية والتطبيق، وبين القاعدة الاقتصادية والسياسية للمجتمع.
لكنّ غرامشي عاد مرة أخرى إلى موقع المثقف المتعالي المترفع داعياً إياه إلى المساهمة في قيادة الجماهير فكرياً وتنظيمياً، لتمكينها من مواجهة الهيمنة السائدة وإحداث التغيير. المثقف العراقي والعربي عموماً، ترجم هذا الفهم إلى تسطيح مضحك، فأصبح المثقف العضوي هو المثقف الذي يحمل العضويات التالية:
عضو اتحاد الأدباء
عضو اتحاد الكتاب
عضو رابطة الشعراء
عضو جمعية المصورين... والقائمة لن تنتهي!
مثقف هراري
* طرح يوفال نوح هراري مفهوم "المثقف العام" (Public Intellectual) باعتباره مفكراً يمتلك شجاعة الخروج من "برجه العاجي"، مستبدلاً الاكتفاء بالإنتاج الأكاديمي، بتكريس وقته لترجمة الأبحاث والاتجاهات التاريخية المعقدة إلى لغة مبسطة ومفهومة للجمهور العام.
وبدلاً من التحدث إلى الأكاديميين الآخرين حصراً، فإنّه يأخذ على عاتقه مسؤولية الايضاح في عصر التدفق المعلوماتي المفرط، مشككاً بلا هوادة في الأساطير السائدة في المجتمع، ومشاركاً بشكل فاعل في النقاش العالمي حول مستقبل النوع البشري.
وهكذا يرى هراري أنّ المثقف لا تُحدده الفلسفة التجريدية وحدها، بل يجب عليه إخضاع أفكاره لأدلة تجريبية (بمعايير واقعية) لمعالجة أكبر التهديدات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، مثل الذكاء الاصطناعي والانهيار البيئي وتهديدات الحروب والاشعاعات النووية.
مثقف ابن خلدون
سمّى ابن خلدون المثقف باعتباره أحد "أرباب القلم" عاداً إياه أداة السلطان وذراعه الأيمن؛ وأحد عناصر الفئة التي تعتمد عليها الدولة في تسيير أمور الحكم، وتثقيف أطراف الملك، وتبرير قرارات الساسة، مما يضعه في منطقة رمادية تراوح دائماً بين خدمة الحاكم وبين عرض المعرفة على العامة. وهكذا فهو "آلة صاحب الدولة"، حيث أن القلم والسيف هما أدوات الحاكم لتحقيق أهدافه، لاسيما أنّّ حاجة الحاكم للمثقف تتواتر في أوقات السلم والاستقرار لتدبير الشؤون الإدارية والمالية.
وحسب ابن خلدون فإنّ أرباب القلم يقعون في وسط الدولة وهم دائماً أوسع جاهاً، وأعلى مرتبة، وأقرب من السلطان مجلساً، ويحظون بالثروة مقارنة بغيرهم. فالمثقف يحتاج إلى بلاط السلطان للرعاية والنفوذ، بينما يحتاج البلاط إلى خبرة المثقف وبراعته اللغوية والفكرية لتسيير مؤسسات الحكم.
*بعد هذا السرد السريع، أين يقف من يسمي نفسه مثقفاً، وهو لا يملك ناصية اللغة التي يتثاقف بها؟! وأكاد أجزم هنا أنّ أيَّ مثقف لن يجرؤ أن يجري اختبار القراءة اليسير/ العسير الذي عرضته عليه في مطلع هذا العرض، مفضّلاً، للأسف، أن يحافظ على موقعه الريادي والسيادي والنخبوي ومتحصّناً بقدسيةّ هذا الموقع الافتراضي.
ألمانيا ربيع 2026
#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)
Mulham_Al_Malaika#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟