|
|
من «الحرب المحدودة» إلى «الحرب بلا قيود».. ماذا يكشف خطاب التصعيد الروسي عن تحولات الصراع الأوكراني؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 02:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
6 حزيران يونيو 2026
في الثالث من يونيو/حزيران 2026 نشر المراسل الحربي الروسي ألكسندر كوتس* مقالاً غاضبا حمل عنواناً لافتاً وصادماً: «القتل والتفجير والتدمير والإغراق.. أفكار حول اللحظة الراهنة». ولم يكن المقال مجرد تعليق عابر على مجريات الحرب الروسية الأوكرانية، بل بدا أقرب إلى بيان سياسي ـ عسكري يدعو إلى الإنتقال من منطق الحرب التقليدية إلى منطق أكثر راديكالية وشمولاً.
المقال يكشف حالة من الغضب، الممزوج بالإحباط، المتنامي داخل بعض الأوساط الروسية المؤيدة للحرب أو حزب الحرب كما سماها أحد الأصدقاء، والذي يعكس قناعة متزايدة لدى أصحاب هذا الإتجاه بأن الأدوات المستخدمة حتى الآن لم تحقق الأهداف المرجوة، وأن إستمرار الصراع بالشكل الحالي يطيل أمد الإستنزاف دون حسم.
ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب أفكار كوتس أهميتها؛ ليس بإعتبارها خطة رسمية معلنة، وإنما بوصفها مؤشراً على مزاج سياسي وعسكري يتبلور داخل جزء من النخبة الإعلامية والعسكرية الروسية.
«لا يمكن خوض الحرب بالقفازات البيضاء»
ينطلق كوتس من فرضية مركزية واضحة عندما يتساءل: «ألم يحن الوقت للتخلي عن النظافة المفرطة؟»، ثم يضيف أن روسيا «لن تكسب هذه الحرب بالقفازات البيضاء». هذه العبارة تختصر جوهر المقال كله. فالمؤلف يعتبر أن موسكو لا تزال تفرض على نفسها قيوداً أخلاقية وسياسية وعسكرية، في حين أن خصومها ـ وفق رؤيته ـ لا يلتزمون بالقيود نفسها. ولذلك يرفض فكرة إستمرار الحرب ضمن قواعد يصفها بأنها غير متكافئة. ويستخدم تعبيراً شديد الدلالة عندما يقول: «من المستحيل أن تبقى فارساً عندما يلعب خصمك دور المحتال». هنا لا يناقش الكاتب تفاصيل العمليات العسكرية بقدر ما يناقش فلسفة الحرب نفسها؛ أي حدود ما هو مقبول وما هو غير مقبول في إدارة الصراع.
إستهداف القيادة السياسية والعسكرية
أولى النقاط التي يطرحها كوتس تتمثل في الدعوة إلى إستهداف من يتخذون القرارات داخل أوكرانيا بصورة مستمرة ومتتابعة. ويكتب بصراحة: «أقتلوا أولئك الذين يتخذون القرارات... ثم أقتلوا من سيحل محلهم... ثم من سيأتي بعدهم». الهدف المعلن من هذا الطرح هو إحداث «إنهيار إداري» داخل الدولة الأوكرانية عبر إستنزاف القيادات السياسية والعسكرية. وتعكس هذه الفكرة إقتناعًا بأن مركز الثقل الحقيقي للحرب لم يعد الجبهات العسكرية فحسب، بل البنية القيادية التي تدير الدولة والجيش معاً. غير أن هذا الطرح يثير جدلاً واسعاً في القانون الدولي وفي أدبيات الحروب الحديثة، لأن توسيع دائرة الإستهداف لتشمل قيادات سياسية ومدنية يفتح الباب أمام تصعيد متبادل يصعب ضبطه ويزيد إحتمالات توسع الحرب خارج حدودها الحالية.
نهر دنيبر بإعتباره خط فصل إستراتيجي
الفكرة الثانية في المقال تتعلق بالجغرافيا العسكرية. يدعو كوتس إلى تعطيل الجسور الممتدة فوق نهر دنيبر أو جعل إستخدامها مستحيلاً، مع إستهداف أي بدائل قد يتم إنشاؤها مثل الجسور العائمة أو العبارات النهرية. ويشير إلى وجود أكثر من عشرين جسراً على إمتداد النهر داخل أوكرانيا، معتبراً أن قطع هذه الروابط سيؤدي إلى تقسيم البلاد عملياً إلى شطرين ويعقد عمليات الإمداد والنقل العسكري.
تكشف هذه الرؤية عن أهمية البنية التحتية في الحروب الحديثة. فالجسور والسكك الحديدية والموانئ لم تعد مجرد منشآت مدنية، بل أصبحت عناصر حاسمة في إستدامة العمليات العسكرية. ومن منظور عسكري بحت، يسعى هذا الطرح إلى تحويل نهر دنيبر إلى حاجز إستراتيجي دائم، بما يفرض أعباء لوجستية ضخمة على الجانب الأوكراني.
الضغط على البيئة المدنية
ربما تكون النقطة الأكثر إثارة للجدل في المقال هي دعوة الكاتب إلى إستهداف منظومات المياه والصرف الصحي في المدن الأوكرانية. فهو يطرح صراحة فكرة خلق ظروف معيشية صعبة تدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح غرباً، بما يؤدي ـ حسب تصوره ـ إلى إرباك البنية اللوجستية للدولة الأوكرانية. ويبرر موقفه بالإشارة إلى معاناة مدينة دونيتسك من أزمات المياه، قائلاً إن الجانب الأوكراني لم يُبدِ تعاطفاً مع هذه الظروف. وتكشف هذه الفقرة عن تحول مهم في طبيعة التفكير العسكري الذي يطرحه الكاتب؛ إذ ينتقل من إستهداف القدرات القتالية إلى محاولة التأثير على البيئة الإجتماعية والإقتصادية المحيطة بالحرب. وفي المقابل، يرى منتقدو هذا النوع من الطروحات أن توسيع دائرة الضغط على السكان المدنيين غالباً ما يؤدي إلى تعقيد النزاعات وإطالة أمدها بدلاً من حسمها.
إستهداف «الحضور الأوروبي» في كييف
ينتقل كوتس بعد ذلك إلى ملف الدعم الغربي لأوكرانيا. فهو يعتبر أن الزيارات المتكررة التي يقوم بها مسؤولون أوروبيون إلى كييف تمثل دليلاً على إنخراط دولهم في الحرب بصورة غير مباشرة. ومن هنا يدعو إلى إستهداف وسائل النقل التي يستخدمها هؤلاء المسؤولون أو جعل السفر إلى العاصمة الأوكرانية محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تردعهم عن القيام بهذه الزيارات. واللافت أن الكاتب لا يركز على القيمة العسكرية المباشرة لهذه الخطوة، بل على تأثيرها النفسي والسياسي. فهو يريد أن تتحول زيارة كييف من حدث إعتيادي إلى قرار شديد الحساسية من الناحية الأمنية. وتعكس هذه الفكرة إدراكاً متزايداً لدى بعض الأصوات الروسية لأهمية الرمزية السياسية والدبلوماسية في الصراع، وليس فقط المعارك الميدانية.
البحر الأسود كجبهة مفتوحة
أما النقطة الخامسة فتتعلق بالمجال البحري. إذ يدعو كوتس إلى منع حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الأوكرانية بشكل كامل، بغض النظر عن جنسية السفن أو أعلامها. ويرى أن خنق الصادرات والواردات البحرية سيحرم كييف من أحد أهم منافذها الإقتصادية والإستراتيجية. وتعكس هذه الرؤية أهمية البحر الأسود بإعتباره أحد ميادين الصراع الرئيسية، خصوصاً بعد أن أصبح شرياناً حيوياً لنقل الحبوب والسلع والطاقة. لكن توسيع نطاق العمليات البحرية ليشمل سفناً تابعة لدول متعددة يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة تتمثل في إحتمال توسيع دائرة المواجهة الدولية.
لماذا يرى الكاتب أن الضربات الحالية غير كافية؟
في خاتمة مقاله يطرح كوتس فكرة أساسية تفسر جميع المقترحات السابقة. فهو يعتقد أن أوكرانيا لم تعد تعتمد بصورة رئيسية على إقتصادها الوطني، بل أصبحت مدعومة مالياً وعسكرياً من شركائها الغربيين. ولهذا يرى أن الضربات التقليدية ضد البنية الإقتصادية وحدها لن تكون كافية لتحقيق الحسم. ومن وجهة نظره، فإن الحرب يجب أن تركز على مراكز إتخاذ القرار، والبنية التحتية الحيوية، وشبكات النقل والإمداد، والعوامل النفسية والسياسية التي تسمح للدولة الأوكرانية بالإستمرار.
ما الذي يكشفه هذا المقال؟
بعيداً عن التفاصيل العملياتية، يكشف مقال ألكسندر كوتس عن ثلاث ظواهر مهمة: أولاً، تصاعد الأصوات الداعية إلى الإنتقال من إستراتيجية الإستنزاف إلى إستراتيجية الحسم مهما كانت الكلفة. ثانياً، تزايد الإحساس لدى حزب الحرب بأن روسيا ما زالت تقاتل ضمن قيود لا يلتزم بها خصومها. ثالثاً، إتساع الفجوة بين منطق الحرب التقليدية ومنطق «الحرب الشاملة» التي تستهدف عناصر القوة العسكرية والسياسية والإقتصادية والنفسية في آن واحد. وفي المحصلة، لا يمثل المقال مجرد رأي شخصي لمراسل حربي، بل يعكس جانباً من النقاش الدائر داخل الفضاء الإعلامي الروسي حول سؤال بات أكثر إلحاحاً مع دخول الحرب عامها الخامس: هل يمكن تحقيق النصر بالأدوات الحالية، أم أن بعض الأصوات باتت تدفع نحو قواعد إشتباك مختلفة بالكامل؟ هذا السؤال، أكثر من المقترحات التفصيلية نفسها، هو ما يمنح مقال ألكسندر كوتس أهميته السياسية والإعلامية في هذه المرحلة من الصراع. ******
هوامش
ألكسندر كوتس صحفي ومراسل حربي روسي مخضرم يعمل في صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» منذ أكثر من ربع قرن. اشتهر بتغطيته الميدانية للحروب والنزاعات وبمواقفه المؤيدة للرؤية الروسية في القضايا العسكرية والجيوسياسية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين – حول ستالين
-
بين مضيق هرمز وجبهة لبنان: هل ينهار الحوار الأمريكي ـ الإيرا
...
-
هل إنتهى زمن «الأوليغارشية المحايدة» في روسيا؟
-
بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات
...
-
من صفحات التاريخ - أيار 1941: الحرب على الأبواب
-
من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم
...
-
نتائج الحرب على إيران - من إستنزاف الصواريخ إلى خرائط التجار
...
-
ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا عل
...
-
كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي
...
-
ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
-
الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون
...
-
روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟
-
غزة… جغرافيا الألم المفتوح
-
أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
-
لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
-
حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت
...
-
بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف
...
-
النكبة: ست حقائق أساسية
-
حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
-
ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن
...
المزيد.....
-
مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي دمر مسيرات أطلقتها إيران باتجاه م
...
-
ترامب عن إيران: -أتحرك بسرعة كبيرة-.. وحرب فيتنام استمرت 19
...
-
-وادي موسى-.. سكان بلدة هولندية يعترضون على تسمية شوارعهم بأ
...
-
لماذا تؤيد أوروبا دعوة زيلينسكي للمفاوضات المباشرة مع بوتين؟
...
-
كيف سيتصرف الأردن مع هذا المقترح الخبيث؟
-
وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نوو
...
-
البنك الدولي يقر تمويلا بـ900 مليون دولار لتحديث طرق العراق
...
-
أنتوني هيد يلحق بشريكة عمره.. رحيل -الحارس الهادئ- للدراما ا
...
-
من جحيم الحرب إلى مخيمات بالدمازين.. نازحون سودانيون يروون ر
...
-
إسلام علوش يوجه رسالة من سجنه بفرنسا للرئيس السوري.. فما قصت
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|