أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 19:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
مقابلة صحفية إذاعية

28 أيار مايو 2026


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف



سؤال - في الثاني والعشرين من أيار/مايو، نفذت القوات الأوكرانية عملاً إرهابياً مروّعاً أسفر عن مقتل 21 شخصاً في كلية التربية بمدينة ستاروبيلسك التابعة لجامعة لوغانسك الحكومية. والسؤال الأول الذي يُطرح في مثل هذه الحالات دائماً هو: لماذا؟ لأن حتى أبشع الجرائم عادة ما تخفي وراءها هدفاً ما.
من وجهة نظركم، لماذا جرى ذلك؟

ألكسندر دوغين - نحن نعيش اليوم حرباً تؤدي فيها الرموز دوراً هائلاً. وربما كانت الأهداف الرمزية والأفعال والإشارات ذات أهمية في كل الحروب، لكن في عصرنا الحالي باتت، على الأرجح، تحتل الموقع الأهم. لم يعد المهم ما حدث فعلياً على الأرض، ولا من أصاب ماذا أو ماذا تحقق عسكرياً؛ المهم هو المعنى الرمزي الذي يُضفى على الحدث. ومن هذا المنطلق تحديداً، أي من خلال «حرب الرموز»، ينبغي ـ في رأيي ـ فهم ذلك العمل الإرهابي الوحشي، وتلك الجريمة ضد الإنسانية والحياة والشباب التي إرتكبها النازيون الأوكرانيون.

بطبيعة الحال، لم يكن لهذا الهجوم أي معنى عسكري. ومع ذلك، فقد تم القصف بشكل متعمّد ومتكرر وعلى عدة موجات. ونحن، قبل كل شيء، نتقدم بالتعازي إلى عائلات الضحايا، وإلى جمهورية لوغانسك الشعبية، ونوفوروسيا، ودونباس، وإلى شعبنا بأسره، لأن هؤلاء كانوا أبناءنا. لقد قُتلت بناتنا وأبناؤنا قبل أن تتاح لهم فرصة حقيقية للحياة، وهم لا يزالون في بدايتها فقط. كم من الجهد والأمل والعمر أستُثمر في هذا الكائن ذي الأربعة عشر أو الخمسة عشر عاماً، ثم يموت قبل أن يكتمل أو يكتشف ذاته — لعل هذا هو أبشع ما يمكن تصوره.

كان القدماء يعتبرون أن أعظم عقاب يمكن أن يُنزل بالإنسان هو أن يدفن أبناءه بيده. حتى اللغة نفسها لا تملك اسماً لهذه الحالة: فهناك في كل اللغاتَ كلمة «أرملة» لمن فقدت زوجها، و«أرمل» لمن فقد زوجته، و«يتيم» لمن فقد والديه. أما من فقد أبناءه، فلا توجد كلمة تصفه، لأن الأمر مخالف للطبيعة الإنسانية ومفعم بألم لا يُحتمل. ومع ذلك، فقد أقدموا على هذا عن وعي كامل.

وأنا أحاول هنا أن أعيد بناء منطق هذا الوعي الشيطاني، ووعي عدونا الوجودي، وتلك القوة الساتانية التي نحاربها. يبدو أنهم راقبوا كيف تصرف الإسرائيليون والأميركيون عندما قصفوا، على سبيل المثال، مدارس للفتيات، وخلصوا إلى أن إظهار الإحتقار المطلق لكل القيم والمعايير الإنسانية هو علامة قوة وهيمنة.

وليس من قبيل المصادفة أنهم يمجّدون النازيين، مثل بانديرا وشوخيفيتش وغيرهم من المجرمين الذين حُظر تمجيدهم في روسيا. ففي أوكرانيا، وُلد عملياً نظام نازي جديد، ومن أبرز سمات النازية الإزدراء الواعي للإنسانية بكل أشكالها: فلا شيء مقدس إذا تعلق الأمر بالعدو، بل يجب القضاء عليه حتى لو كان طفلاً.

وفي هذا شيء من روح العهد القديم (التوراة). وليس من قبيل الصدفة أيضاً أن تتميز إسرائيل اليوم بقسوة لا نهائية، ولا إنسانية، وشيطانية بالكامل. ففي العهد القديم نجد، للأسف، روايات عن إبادة الأعداء بالكامل، بمن فيهم النساء والأطفال والشيوخ. ويبدو أن هذا يتحول اليوم إلى قاعدة في الحروب الحديثة: تجاوز متعمّد لحدود الإنسانية من أجل خلق رمزية جديدة تقول إن الحق مع الأقوى، مع من يستطيع إرتكاب ما لا يُصدق ثم لا يُحاسب على شيء.

في اللغة العامية الأميركية، والمستمدة من بعض التعابير لغة اليديش اليهودية، يوجد مصطلح هو «حوتسبا»* أو «الوقاحة الوقحة». ماذا يعني ذلك؟ يعني أن مجرماً يُضبط متلبساً بالقتل أو الإغتصاب، ثم يبدأ بالصراخ الهستيري متهماً أول شخص دخل الغرفة بأنه هو المجرم الحقيقي. يفعل ذلك بجرأة ووقاحة وثقة داخلية تجعله يقدم نفسه بوصفه الضحية البريئة، بينما يتحول الشاهد الحقيقي إلى جلاد. وهذا السلوك قد يصيب الآخرين بالشلل من شدة صدمتهم. إنها عدوانية سادية لا حدود لها، مقترنة بالسعي إلى إستدرار التعاطف وتحميل الأبرياء الذنب، بل والإبتهاج عندما يُعاقَب هؤلاء الأبرياء.

هذه «الحوتسبا» هي ما تمارسه إسرائيل اليوم: فكلما إزداد عدد الأطفال الفلسطينيين الذين تقتلهم، إرتفع صراخها عن «تصاعد معاداة السامية» في العالم وعن كونها ضحية للظلم. كلما زادت الجرائم، إزداد الصراخ والعويل. والنازيون الأوكرانيون يتصرفون بالطريقة نفسها تماماً. هذه هي «الحوتسبا» الحقيقية.

أي أن ترتكب جريمة وحشية أمام أعين العالم كله، ثم تتهم الضحايا أنفسهم بإرتكابها، وبعد ذلك تطلب بكل هدوء إستمرار الدعم لكي تواصل الأفعال ذاتها. وهذا ما يميز الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وحتى ترامب، الذي يأمر بخطف القادة ويدمر قيادات الدول ذات السيادة، ثم يتحدث وكأن شيئاً لم يكن قائلاً: «لقد توصلت معهم إلى إتفاق رائع، إنها صفقة ممتازة».

لقد دخلنا عصر «الحوتسبا». إنها منظومة سلوك منافية للطبيعة البشرية، وغير إنسانية بالكامل، يعرضها الأوكرانيون، ومعهم الإسرائيليون والأميركيون. لقد أصبح هذا أسلوب الغرب الجماعي بأسره: إرتكاب جريمة مرعبة على مرأى الجميع، وقتل الأبرياء بأقصى درجات السخرية والقسوة، ثم المطالبة بالإهتمام والتعاطف. وهم لا يعتذرون حتى، ولا يبررون أفعالهم، بل يلقون اللوم على الآخرين ويجعلون الضحايا أنفسهم متهمين. ولا أرى تفسيراً آخر لذلك.

يمكن بالطبع إستخدام المصطلح اليوناني «هيبريس» أو «الغطرسة المتجاوزة للحدود»، لكنه مصطلح أكاديمي أكثر من اللازم. فقد كان اليونانيون يعتبرون «الهيبريس» خطيئة الجبابرة، عندما يرتكب حتى الأبطال شبه الإلهيين أفعالاً غير مقبولة، مثل تدنيس جثث الأعداء المهزومين، أو إبادة عائلاتهم، أو إغتصاب زوجاتهم أمام أطفالهم. وكانت الثقافة اليونانية ترفض ذلك رفضاً قاطعاً. لذلك يمكن إعطاء هذا السلوك إسماً علمياً هو «الهيبريس»، أو إستخدام التعبير السياسي الحديث: «الحوتسبا».

لكن هناك أيضاً بُعداً رمزياً ثانياً، وإن كان على مستوى أدنى. فكييف تريد أن تُظهر لسكان المناطق المحررة أن روسيا، التي جاءت لحمايتهم — ونحن نقول بحق إنها جاءت للحماية، وهذا صحيح بالفعل — عاجزة عن القيام بهذه الحماية.

لقد تم نقل الأطفال بعيداً عن خطوط الجبهة. وتم تحرير جمهورية لوغانسك بالكامل، وتطهير أراضيها من وجود تلك الجماعات الإرهابية التابعة لكييف. ومع ذلك، فإن الطرف الآخر يرسل رسالة تقول: «لا تفرحوا. الروس جاؤوا لحمايتكم، لكنهم غير قادرين على حمايتكم».

إنهم يعترفون عملياً بأن أراضي جمهورية لوغانسك الشعبية قد تحررت، لكنهم يرسلون إشارة أخرى: «أنتم جميعاً تحت التهديد، خافوا وإرتجفوا. لقد وثقتم بموسكو، وها أنتم تدفعون الثمن. لا يمكن الوثوق بها، وستبقون عرضة للخطر مهما حدث».

ولولا هذه الجريمة المروعة التي سقط فيها الأطفال والفتيات بهذه الصورة المتعمدة والساخرة، لربما كان من الصعب إيصال هذه الفكرة الرمزية، أو هذه الرسالة، إلى الناس. أعتقد أن ما جرى كان فعلاً واعياً ومدروساً.

ونحن اليوم، بطبيعة الحال، نصنف ما حدث على أنه جريمة حرب وعمل إرهابي، وهذا صحيح تماماً. كما أننا نحاول لفت إنتباه الرأي العام الدولي. لكن السؤال هو: من الذي نحاول إقناعه؟ هل نحاول إقناع أولئك الذين يحاربوننا؟ أولئك الذين أشعلوا كل هذا، وسلحوا النظام النازي في كييف وما زالوا يسلحونه حتى الأسنان، والذين يلقنونهم مثل هذه التحركات الرمزية ويقدمون لهم نموذج «الحوتسبا» أو «الهيبريس»؟ مع من نتحدث أساساً؟

وهنا، بطبيعة الحال، يبرز سؤال بالغ الخطورة. فالأهداف الرمزية التي كانوا يسعون إليها قد تحققت بالفعل، للأسف. لم يكن الأمر فشلاً أو تعثراً أو «خطأً غير مقصود». بل كان جزءاً من إستراتيجية حرب رمزية يخوضونها ضدنا، ولذلك يجب أن نتوقع إستمرار التصعيد تحديداً في هذا النوع من الأفعال الرمزية.

في الواقع، إذا إنتبهنا إلى الإغتيالات والعمليات الإرهابية الدقيقة التي نُفذت في بداية الحرب — والتي قُتلت فيها إبنتي، وكان الإستهداف موجهاً ضدي شخصياً، ثم قُتل فلادلين تاتارسكي، وكان زاخار بريليبين هو الهدف التالي — فسوف نلاحظ أن هذه الضربات كانت ذات طابع رمزي بحت. لم تكن موجهة ضد خبراء عسكريين أو أهداف عسكرية، بل ضد أشخاص يجسدون فكرة معينة.

وإن قتل أطفالنا أمام أعين الجميع هو أيضاً جزء من هذه الإستراتيجية الرمزية. وهنا يكمن رعب الموقف كله. فنحن نسقط معاييرنا الأخلاقية والقيمية الخاصة على أعدائنا، بينما هم لا يملكون هذه المعايير أساساً. لقد تحول هذا المجتمع خلال السنوات الماضية إلى مجتمع نازي حقيقي، معادٍ للروس وعنصري من جهة، وليبرالي وغربي من جهة أخرى. وهذان الأمران لا يتناقضان، بل يكمل أحدهما الآخر.

لقد أصبحوا مزيجاً من تلك الحضارة الغربية الزائفة التي إندمجوا فيها بالكامل. بل إن أوكرانيا تحولت إلى ما يشبه المختبر التجريبي للأفعال الوحشية التي يمارسها الغرب، ليس في أوكرانيا وحدها فحسب. ومن هنا يبرز السؤال: كيف ينبغي لنا أن نرد على ذلك؟


سؤال - وهنا تحديداً سؤال من أحد المستمعين يرتبط بهذا الموضوع: «بعد أربع سنوات من ماراثون الكراهية، ومن كل تلك القصص عن الروس وعن جيشنا، كيف يمكن أن نتعايش مستقبلاً مع مثل هؤلاء "الناس"؟»

ألكسندر دوغين - السؤال منطقي ومفهوم تماماً، لكنني أعتقد أننا يجب ألا ننشغل كثيراً الآن بالمستقبل، لأن ما نحتاجه أولاً هو النصر. أما شكل المستقبل فسيتحدد بالتحديد من خلال طبيعة هذا النصر. وحتى التفكير في ذلك الآن يبدو غير مسؤول، لأن كل شيء يعتمد على كيف ومتى وبأي صيغة سننتصر في هذه الحرب، وهذا لا يزال سؤالاً مفتوحاً حتى اللحظة.

فبحسب شكل إنتصارنا — سواء كان إنتصاراً كاملاً يؤدي إلى تحرير أوكرانيا نهائياً من هذا الوحش النازي، أو إنتصاراً جزئياً — سيتحدد كل شيء. هل سنحرر نوفوروسيا فقط؟ أم سندخل كييف؟ أم سنسيطر على كامل الأراضي؟ أم سنترك المناطق الغربية؟ الإجابة عن سؤال المستمع تتوقف على هذه المعايير وعلى شكل النصر نفسه.

كيف سنتعامل معهم؟ لا أحد يعرف حتى الآن من سيكون «هم» بعد إنتصارنا. هل سيبقون أصلاً كما هم؟ هل ستبقى لهم دولة؟ هل سيكون لديهم أي تمثيل سياسي أو اجتماعي؟ وإذا أصبحوا مواطنين لدينا، فسوف نتعامل مع حاملي هذه الصفات بإعتبارهم مجرمين أو مختلين أو مرضى نفسيين، وهذا أمر مختلف تماماً. أما إذا إستمرت لهم دولة مستقلة، فربما سنتحدث عن إتفاقات ومعاهدات. كل ذلك لا يزال سؤالاً مفتوحاً.

لكن، في رأيي، تكمن المشكلة الأساسية في ردنا على كل ذلك في أننا لا نفهم إطلاقاً رمزية الحروب الجديدة. نحن نتحرك وفق أخلاقنا ومنطقنا الداخلي، لكننا لا نأخذ الرمزية بالحسبان، وهذا خطأ كبير.

يمكننا أن نوجه ضربة شديدة جداً إلى عدونا — سواء رداً على أفعاله أو إستباقاً لها أو عقاباً له أو في إطار تنفيذ أهداف عمليتنا العسكرية الخاصة — لكننا لا نحسن تقديم ذلك إعلامياً أو رمزياً، ولا نوجه الإهتمام أو حتى الصواريخ إلى المكان الذي يحمل الأثر الرمزي الأكبر.

وبذلك، فنحن عملياً لا نستخدم ترسانة الحرب الرمزية ولا أدواتها. وهذه الأدوات تتمثل، بلا شك، في الصور والمشاهد والسرديات والتدفقات الإعلامية الهائلة التي يجب أن نوجهها إلى الرأي العام العالمي، حتى في ظل محاولات حجب أصواتنا في كل مكان. لكن هذه الرسائل يجب أن تُبنى بإحكام، وأن تصيب أهدافاً رمزية، وأن تخلق صوراً مؤثرة في الوعي.

إن الحرب الرمزية لا تقل أهمية عن الحرب العسكرية نفسها. لاحظوا مثلاً أن الأوكرانيين، بعد ضرباتنا الإنتقامية، لم يقولوا عملياً شيئاً جديداً. لم يعرضوا صوراً صادمة، ولم يصرخوا مطالبين بدعم إضافي، لأنهم يقولون ذلك يومياً أصلاً.

ولو عدنا إلى ما كانوا يقولونه قبل أسبوع، لوجدناه الكلام نفسه تماماً. فما الذي حققناه إذن؟ في المحصلة الكبرى، نحن لم نرهب الأوكرانيين ولا الغرب، ولم نصب أي هدف رمزي حقيقي.

وأريد أن أوضح أنني لا أقول ذلك من باب النقد، بل أتحدث فقط عن طبيعة الحرب الرمزية. ربما أصبنا أهدافاً عسكرية بالغة الأهمية فعلاً، لكن لا أحد يعرف ذلك بصورة واضحة — لا شعبنا، ولا الغرب، ولا حتى الأوكرانيون أنفسهم — لأن حرب الرموز شيء مختلف تماماً، ومستوى مختلف بالكامل.

وعندما نستخدم سلاحاً شديد القوة ونوجه ضربة قاسية إلى الخصم، فيجب أن تكون الأولوية الأولى — نعم، الأولى لا الثانية — هي للهجوم الإعلامي والمعلوماتي والرمزي. أي أن تتضرر فيه شخصيات معروفة عالمياً، أو مبانٍ ورموز مفهومة للجميع، أو أهداف وبُنى لها دلالة رمزية واضحة.

فعلى سبيل المثال: لو أصاب صاروخ «أوريشنيك» ليس مطاراً في بيلا تسيركفا، بل ميدان «الميدان» نفسه، وتحول الميدان إلى حفرة هائلة — وهو المكان الذي إنطلقت منه كل هذه الفوضى النازية في أوكرانيا — فإن كل من سيزور كييف لاحقاً سيصطدم بهذه الحفرة الضخمة.

أو لو إنهار مبنى البرلمان الأوكراني، وتحولت بقايا القيادة السياسية الأوكرانية إلى أنقاض، فسيكون لذلك معنى رمزي هائل، وقد يشكل رداً حقيقياً على الجريمة نفسها. وسيبقى هذا المشهد قائماً، بحيث يصبح من المستحيل تقريباً تجاهله، لأن أي وفد أجنبي سيزور البلاد سيبدأ مشاهدته من هناك.

أو يجب أن تُوجَّه الضربات إلى عقد لوجستية تجعل من المستحيل عملياً إستمرار تدفق السلاح الغربي إلى أوكرانيا. هناك نقاط حساسة قادرة، إضافة إلى إثارة موجة جديدة من الكراهية ضدنا وإلى المطالب الغربية المعتادة بمواصلة دعم أوكرانيا، على خلق رد فعل إضافي مختلف تماماً: الخوف الحقيقي منا، والخشية من مواصلة التصعيد، والفهم الواضح لما يمكن أن تكون عليه الخطوة التالية.

أي أن الرسالة تصبح على الشكل التالي: الآن جرى القضاء على عدد من قادة أوكرانيا، ولم يعد «الميدان» موجوداً، ولم تعد «الرادا العليا» موجودة، وربما لم يعد يرماك أو أي شخصية أخرى — سواء كانت ذات دور فعلي أو مجرد رمز — موجودة أيضاً. وربما حتى «الساحرة» التي كانت تقف خلفهم لم تعد موجودة هي الأخرى.

وعندما تختفي مثل هذه الشخصيات الرمزية، أو الأهداف، أو البُنى التحتية، أو النماذج والأنظمة، بعد غارتنا الليلية أو الصباحية أو حتى النهارية، فعندها فقط نكون قد حرّكنا القطع فعلياً على رقعة الحرب الرمزية.

أنا أتفهم أننا نريد أن نقول إننا نستهدف أهدافاً عسكرية فقط، لكن هذا لا يترك أثراً حقيقياً في أحد. لذلك ينبغي أن نفكر بطريقة تجعل ضرباتنا للأهداف العسكرية نفسها تُنتج فوقها سحباً ثقيلة ومخيفة وذات دلالة مرعبة. نعم، سنضرب أهدافاً عسكرية، لكن السحب التي سترتفع بعدها يجب أن تنتقل إلى المجال الرمزي، بحيث يصبح من المستحيل تجاهلها.

إن الصور التي عُرضت علينا بعد الضربة على كييف — إذا ما قارنّاها بما نراه في غزة أو إيران أو حتى لبنان — تبدو في النهاية غير مقنعة، ببساطة غير مقنعة. وفوق ذلك كله، يجري عرضها بطريقة خجولة وملتوية وكأنها تتم من وراء الستار.

علينا أن نجد طريقة لإظهار الصورة بوضوح: كييف مشتعلة، كييف التي لم تعد موجودة، البرلمان الذي لم يعد قائماً، وهنا كانت ساحة «الميدان»، أما الآن فهناك حفرة هائلة!..

بل توجد طرق حتى لإظهار ذلك رمزياً من دون تنفيذه فعلياً على الأرض، هل تفهمون؟ إن المهم والأساسي في الحرب الرمزية هو القدرة على إظهار الصورة وإيصالها على المستوى الرمزي.

سؤال - تبقى لديّ مسألة أخيرة مرتبطة بهذه الجريمة. هناك شركة أميركية تُدعى «بالانتير»، تعمل في تطوير البرمجيات العسكرية المعتمدة على الذكاء الإصطناعي. وخلال الحديث الأميركي عن الصراع مع إيران، قيل إن الولايات المتحدة تختبر أسلحة تستخدم الذكاء الإصطناعي، وتزامن ذلك حينها مع ضربة إستهدفت مدرسة للفتيات في إيران.

وقبل أسبوعين، زار رئيس شركة «بالانتير» كييف، وأعلن بشكل صريح أن أوكرانيا تعمل على دمج تقنيات الذكاء الإصطناعي التابعة للشركة في تخطيط الضربات داخل العمق الروسي. وبعد ذلك وقع الهجوم على الكلية في ستاروبيلسك. فهل هو مجرد تزامن؟ أم أن الذكاء الإصطناعي أصبح بالفعل محركاً لمثل هذه الأحداث المرعبة، إذا جاز التعبير؟

ألكسندر دوغين - أعتقد أن الذكاء الإصطناعي لا يتخذ حتى الآن قرارات مستقلة بالكامل في هذه الحروب. إنه ما يزال يُستخدم ك أداة ، وإن كان هذا لا يعني أن الأمر سيبقى كذلك دائماً أو لفترة طويلة. ففي لحظة ما، قد يصبح قادراً ليس فقط على حساب الأهداف، بل أيضاً على تنفيذ الضربات بنفسه. لكنني واثق من أن ذلك لم يحدث بعد، حتى على المستوى التجريبي. فالذكاء الإصطناعي يمكنه أن يقترح ويوصي، لكن القرار النهائي ما يزال بيد المشغّل البشري، أي أن العامل الإنساني ما يزال حاسماً.

لكن المسألة الأخرى هي أن الحرب الرمزية التي تحدثت عنها أصبحت بدورها مفهومة وقابلة للتحليل من قبل الذكاء الإصطناعي. فالذكاء الإصطناعي اليوم قادر بالفعل على إستيعاب هذا النوع من الحروب وتقييمه. وأنا شخصياً أعمل معه كثيراً في المجال الفلسفي ومع نماذج مختلفة. وبعض هذه النماذج متقدمة إلى درجة أنها تجاوزت بكثير مستوى باحث يحمل درجة الدكتوراه، بل وتفوقت من حيث القدرة التشغيلية على مؤسسات علمية كاملة، حتى في أكثر المجالات تعقيداً وجدية.

أي أن لديه ما يسمى بـ «الإستدلال» Reasoning أو "القدرة على التفكير والتحليل". وهذا بالتحديد ما تعمل عليه شركة «بالانتير» وأليكس كارب، الذي زار كييف وإلتقى بزعيم النازيين الأوكرانيين زيلينسكي.

إن هذا النوع من «الإستدلال الإصطناعي» وهذه القدرة على التفكير كافيان تماماً لكي يحول الذكاء الاصطناعي الحرب الرمزية إلى خريطة واضحة ومنظومة أولويات وإتجاهات مفهومة.

لكن توجيه صاروخ نحو مبنى مدني أو معهد مهني يعيش فيه طلاب يعدّون أنفسهم ليصبحوا معلمين، لا يحتاج في الحقيقة إلى ذكاء إصطناعي، فتنظيم مثل هذا الأمر بسيط نسبياً.

ومع ذلك، لا أستبعد أن يكون الذكاء الإصطناعي قد أوصى بمثل هذا الفعل بإعتباره مفيداً لتحقيق عدة أهداف.
أولاً: لإيصال الرسالة التي تحدثنا عنها سابقاً، أي: «الروس جاؤوا لينقذوا الناس، لكنهم فشلوا في حمايتهم». وهذه ضربة أخلاقية ومعنوية شديدة.

وثانياً: لإستفزاز رد روسي قاسٍ، لكنه في الوقت نفسه لن يصيب أهدافاً رمزية حقيقية ومهمة، بل سيكون مجرد رد قوي يمكن بعده طلب مزيد من الأسلحة الغربية، وإثارة موجة إحتجاج جديدة في الغرب، من دون أن يتغير شيء جذري فعلياً. وهذه الحسابات يمكن للذكاء الإصطناعي أن يجريها بسهولة.

كما يستطيع الذكاء الإصطناعي أن يحسب منطقنا نحن أيضاً، وأن يتنبأ بسلوكنا النفسي: بأنه لن يتم تدمير البرلمان الأوكراني، ولن يتم ضرب «الميدان» بصاروخ «أوريشنيك» حقيقي، بل سنبحث عن أهداف عسكرية جديدة ونصيبها فقط.

وبالتالي، فإن ما حدث هو في جوهره خطوة محسوبة نحو التصعيد، من دون تكاليف كبيرة بالنسبة لهم. إنها خطوة مدروسة تهدف إلى إلحاق ضرر رمزي وأخلاقي بنا، بينما سيكون من السهل عليهم تجاهل ردود فعلنا، وخصوصاً في المجال الإنساني.

وكل هذه الحسابات يستطيع الذكاء الإصطناعي أن يجريها خلال أجزاء من الثانية فقط. لكن ما لا أفهمه هو: لماذا لا نسأله نحن أيضاً؟ لماذا لا نطرح على الذكاء الإصطناعي السؤال نفسه؟

فالذكاء الإصطناعي ما يزال حتى الآن محايداً نسبياً، ولا يحتاج الأمر إلى أليكس كارب أو شركة «بالانتير». فأي نموذج حديث من نماذج الذكاء الإصطناعي يمكن إستخدامهُ ببساطة لكي نحدد له المعطيات التالية: «نحن نخوض حرباً رمزية مع أوكرانيا».


سؤال - ربما تكون المسألة هنا مرتبطة، إلى حد ما، بتغلّب البعد الأخلاقي؟

ألكسندر دوغين - نعم، بالطبع. نحن ببساطة لا نستخدم هذه الأدوات. فالعامل الأخلاقي يهيمن لدينا على كل شيء، بل إننا نلجأ إليه أحياناً لتبرير إخفاقاتنا، وهذا أمر غير جيد. فالأخلاق شيء، والقيم شيء آخر. نعم، نحن لسنا مثلهم، وهذا واضح. لكن دعونا ننتصر أولاً، وبعد ذلك يمكننا أن نثبت أننا لسنا مثلهم.

أما إذا كنا لا ننتصر، ومع ذلك نظل نكرر أننا «لسنا مثلهم»، فإن الأسئلة ستظهر لدى الجميع، بلا إستثناء. ستظهر داخل مجتمعنا نفسه: لماذا لا ننتصر؟ ما هذه الأخلاق التي تطالبنا بكل هذه التضحيات، لكنها عاجزة عن كسر مقاومة العدو؟ إن أخلاقنا تُقرأ في أوكرانيا بوصفها ضعفاً، ويتم تضخيم هذا الإنطباع إلى أقصى حد. كما أن الغرب ينظر إلى مبادئنا الأخلاقية بإعتبارها فرصة لتجاوز الخطوط الحمراء، وعدم الإلتزام بأي إتفاقات، وتفجير وقتل من يشاؤون وهم واثقون من أنهم لن يُحاسَبوا على شيء. وهكذا، يتحول ما هو أخلاقي وإنساني على المستوى الفردي إلى سلوك غير ملائم سياسياً على مستوى الدولة.

في وقت من الأوقات — ورغم أنني لا أحب الحديث عن ذلك كثيراً — كان هناك الفيلسوف السياسي الشهير، والمخيف إلى حد ما، نيكولو مكيافيلي. ففي كتابه المعروف «الأمير»، الذي لا يزال يُدرَّس حتى اليوم في كليات العلوم السياسية، تحدث عن وجود نوعين من الأخلاق: أخلاق الإنسان العادي، وأخلاق الحاكم أو الأمير.

فبالنسبة للإنسان العادي، فإن الإلتزام الصارم بالقواعد الأخلاقية أمر ضروري للغاية، ولا شيء يعلو فوقه، لأن المجتمع من دون ذلك سيسقط في الفوضى. أما بالنسبة للحاكم، فالأمر مختلف قليلاً. فواجب الحاكم الأول هو ضمان سيادة وطنه وإزدهاره وحريته وإستقلاله، أما صفاته الأخلاقية الشخصية فتأتي في المرتبة الثانية.

لأنه ما الفائدة إذا كان الحاكم إنساناً صالحاً وفاضلاً، لكنه قاد دولته إلى الإنهيار لتصبح فريسة سهلة لجار أكثر قسوة ودهاءً؟ في هذه الحالة يكون قد فشل في أهم مهمة أوكلت إليه، لأنه مسؤول عن حياة الملايين. ولذلك قال مكيافيلي إن الحاكم لا يملك حق أن يكون طيباً بالمعنى الشخصي، ولا يملك حق الإلتزام بأخلاق الفرد إذا تعارضت مع مصالح الدولة.

وفي تاريخنا، لدينا مثالان واضحان جداً يبينان كيف يفهم المجتمع هذه المسألة. ففي القرن العشرين، كان لدينا إنسان نبيل وعميق ومقدس — القيصر نيقولا الثاني، شهيدنا وحامي الأرض الروسية. لكن سلوكه الأخلاقي، وعدم رغبته في الرد بحزم كافٍ على الأعداء الداخليين والخارجيين، قادا روسيا إلى كارثة هائلة، سالت فيها بحار من الدماء، ودفع الملايين حياتهم ثمناً، إذا جاز التعبير، لتك التقوى والورع.

وفي المقابل، لدينا شخصية أخرى هي جوزيف ستالين، الرجل الصارم والقاسي إلى أقصى الحدود. فمن الصعب حتى وصف القرارات القاسية التي إتخذها على المستوى الفردي. لكنه، في المقابل، عزز سيادة الدولة وقوّى روسيا. والناس لا ينظرون إلى الصفات الشخصية لكل منهما، بل يحكمون عليهما كحكام. فنيقولا الثاني، كحاكم، كان للأسف غير ناجح، بينما لا يزال الزعيم القاسي ستالين يحظى حتى اليوم بإحترام وإهتمام ومحبة قطاعات واسعة من الشعب، لأن الناس يحكمون وفق معايير مختلفة.

وأنا هنا لا أبرر لا مكيافيلي ولا فكرة «الأخلاق المزدوجة». بل أرى أن الأفضل هو محاولة الجمع بين الأمرين. لكن هناك لحظات يصبح فيها السؤال حاداً للغاية. فالذين ينشغلون قبل كل شيء بإنقاذ صورتهم الأخلاقية الشخصية وتقواهم، ربما من الأفضل لهم الذهاب إلى الدير، وهذا خيار نبيل فعلاً. هناك يمكنهم أن يهبوا أنفسهم بالكامل لله، أما إدارة الدولة فيجب أن تُترك لمن يفهم معنى الحفاظ على السيادة وحجم المسؤولية المرتبطة بها. فهنا تختلف أخلاق السلطة عن أخلاق المجتمع، ولا يوجد تطابق مباشر بينهما.

أنا لا أبرر أحداً ولا أدين أحداً. أنا أعترف بقداسة القيصر الشهيد، وفي الوقت نفسه أنظر بإنتقاد شديد إلى ستالين الذي ألحق أضراراً هائلة بشعبنا. لكن إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية «الحصيلة النهائية»، فسنجد أنه في إحدى الحالتين كانت النتيجة نجاحاً سياسياً ودولة قوية مستقلة وسلاحاً نووياً ونفوذاً يمتد على نصف العالم وعدالة اجتماعية داخلية. أي أن الشعب حصل على أمرين أساسيين: السيادة في مواجهة العدو الخارجي، والعدالة في الداخل.

وبأي ثمن؟ بثمن مرعب وضخم للغاية. لكن النتيجة التاريخية، في المحصلة الكبرى، جاءت إيجابية. أما إذا كنا، بدافع النوايا الحسنة والخوف من الحسم، نقود المجتمع إلى التدهور، ونسمح بتراجع السيادة، ونمنح العدو القدرة على إلحاق هزيمة إستراتيجية بنا، فلن تستطيع أي إعتبارات أخلاقية تبرير هذا الفشل.

هذا هو درس التاريخ، ودرس الفلسفة السياسية أيضاً. وأعتقد أننا اليوم مرتبكون قليلاً في هذه النقطة تحديداً: أين نفرض نحن القيود على أنفسنا، وأين تكمن حدود إمكاناتنا الحقيقية؟ لأننا إذا توقفنا عن تقييد أنفسنا، فإن هذه الإمكانات ستظهر.

يكفي فقط أن ننظر بوضوح إلى ما ينبغي علينا فعله، وما الذي يجب أن نضيفه ونطوره وننفذه من أجل تحقيق نصر حاسم وقوي وواضح ومقنع على الغرب في أوكرانيا، وعندها سنعيد فهم كل ما نملكه بالفعل. وهذا هو الأهم.

إذا إنطلقنا من فكرة «النصر» بإعتبارها المشروع الأساسي — مشروع النصر وفقط — فعندها، ومن خلال ما يشبه «الهندسة العكسية» أو «الزمن المعكوس» الذي تتحدث عنه الإستراتيجيات العسكرية الحديثة، سنفهم الموارد التي نملكها الآن، وسنعيد تقييمها، وسندرك ما الذي ينقصنا، وسنركز إهتمامنا عليه.

أما إذا كانت المهمة الأساسية هي إبقاء المجتمع في حالة يبدو فيها وكأنه يحارب ولا يحارب في الوقت نفسه، ومن دون أن يدرك خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها روسيا، وإذا كان المطلوب هو خلق إنطباع دائم بالهدوء والإستقرار والحياة الطبيعية، فإن هذا — في رأيي — يؤدي فقط إلى إضعافنا وإرخاء عزيمتنا.

ويضاف إلى ذلك الحديث الدائم عن الهدنة. الحمد لله أن الحديث عن «أنكوريدج» تراجع الآن. لكن الناس الذين يضحون بحياتهم يومياً على خطوط القتال يسمعون بإستمرار أن الهدنة باتت قريبة جداً. وفي اليوم الأخير من أي حرب، لا أحد يريد أن يموت. لكن هذا «اليوم الأخير» يُعاد التلويح به والترويج له منذ ما يقرب من عام كامل، منذ بدء الحديث عن «أنكوريدج» في آب/أغسطس الماضي تقريباً. ومن منظور الحرب الرمزية، تبدو هذه الحملة غير ملائمة تماماً.

لذلك، أعتقد أنه يجب التعامل مع مسألة الأخلاق بحذر شديد. نعم، نحن لسنا مثلهم، ولا نريد إيذاء المدنيين. لكن أنظروا مثلاً إلى ما يحدث عندما تُسقط الدفاعات الجوية صواريخنا، ثم تسقط شظايا تلك الدفاعات على المباني السكنية — وقد رأينا ذلك في كييف. هل تتخيلون أن أوكرانياً واحداً سيصدق أن دفاعاته الجوية هي التي أصابت المبنى؟ بالطبع لا. لأن الجميع وُضعوا مسبقاً داخل سردية تقول إن «الروس أشرار».

وفي النهاية، نحن لم نكن نريد إستهداف المدنيين، ونحن صادقون مع أنفسنا في ذلك، لكن المجتمع الأوكراني كله، ومعه العالم بأسره، سيعتبر أن صواريخنا أصابت عمداً منازل المدنيين.


سؤال - لأنهم يقدّمون لهم هذه الرواية بصورة مقنعة.

ألكسندر دوغين - بالضبط، لأن هذه هي طبيعة الحرب الرمزية. ولهذا تُروى لهم القصة بطريقة مقنعة للغاية. بل ليس الأمر مجرد رواية، وإنما رواية تمتلك قدرة التأثير والإقناع، لأن هذا هو بالضبط ذلك المجال الجديد تماماً من معارك المعلومات الذي — مع الأسف — لا نخوضه بالمستوى المطلوب.

وذلك تحديداً لأننا طيبون وصادقون ونزيهون ومخلصون وحقيقيون. نعم، كل هذا صحيح. وأنا أؤمن بإخلاص بأن دولتنا وشعبنا يمثلان اليوم جانب الحقيقة في هذا الوضع العالمي المعقد والثقيل للغاية. نعم، نحن قطب الحقيقة. نعم، نحن نقاتل من أجل الحق والنور والعدالة، وليس فقط من أجل مصالحنا الخاصة. ولدينا، في هذه الحرب، رسالة مقدسة.

حسناً، إذا كان الأمر كذلك، فلنتحدث عن ذلك، ولنشرحه، والأهم من ذلك كله أن ننتقل فعلياً إلى إيقاع الحرب الرمزية وأدواتها.

لقد أقنعوا الناس بأن الصواريخ التي أصابت المباني المدنية فعلها الروس. وهناك أيضاً تُنتشل الجثث، وربما جثث أطفال، من تحت الأنقاض، وهذا يترك أثراً عاطفياً هائلاً. وهذه المشاهد هي التي تُعرض في كل مكان.

لكن ما دام البرلمان الأوكراني قائماً، وما دام الناس يسيرون في «الميدان» والسيارات تتحرك فيه، فنحن لا نملك الحجة الرمزية المقابلة. أما لو كانت هناك حفرة هائلة في المكان، فإن آلة الدعاية الغربية كلها كانت ستصاب بالإرتباك والتوقف. لكن في ظل الوضع الحالي، فإن الروس في الوعي الغربي «يضربون أهدافاً مدنية» — هكذا يقولون بالضبط — رغم أن منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية نفسها هي التي تتسبب بهذه الضحايا. ومع ذلك، لن يصدق أحد هذا التفسير. ونحن لن ننجح في إيصال روايتنا إليهم، لأن قنواتهم الإعلامية تصل إلينا، بينما قنواتنا بالكاد تصل إليهم.

وفي الحقيقة، الأمر كله يسير بهذه الطريقة. فنحن حتى الآن عاجزون عن تعبئة أنفسنا بصورة كاملة من أجل النصر. بل إننا نظهر نوعاً من التردد وأنصاف المواقف حتى في خطابنا مع شعبنا. ومن الواضح تماماً أننا، لكي ننتصر، نحتاج إلى تغيير أشياء كثيرة جداً داخل البلاد. علينا أن نفكر في ذلك، وأن نفعله، وأن نعطيه أيضاً بعداً رمزياً واضحاً. لكننا ما زلنا ننتظر شيئاً ما. ولم يعد بالإمكان تفسير ذلك بالأخلاق وحدها.

سؤال - ربما ننتظر شيئاً من هذا القبيل؟ ففي الفترة الأخيرة تتزايد الأحاديث عن إحتمال جرّ بيلاروسيا إلى الصراع. أوكرانيا تبني دفاعات دائرية في منطقة فولين، وزيلينسكي يطلق تهديدات مباشرة، كما أن لوكاشينكو يستقبل ما يسمون بـ«المعارضين البيلاروس» لديه. فهل يمكن أن تصبح الإستفزازات ضد بيلاروسيا هي الشرارة التي تغيّر الوضع؟

ألكسندر دوغين - أولاً، هذا الحديث موجود منذ بداية الحرب تقريباً، منذ عام 2022. وأعتقد أن ذلك لن يغيّر شيئاً جذرياً. ماذا سيتغير فعلاً؟ نعم، لوكاشينكو يقف إلى جانبنا ويدعمنا. لقد زودنا بيلاروسيا بالسلاح النووي، وهي أقرب حليف لنا، بل تكاد تكون جزءاً من فضائنا الأوراسي والسلافي الشرقي المشترك، ومن عالمنا الروسي الكبير. لكن ماذا بعد؟

أليست معاناتنا اليومية الحالية كافية؟ أليست خسائرنا كافية؟

حتى لو دخلت بيلاروسيا الحرب مباشرة، فلن يتغير الكثير. ولوكاشينكو نفسه، بالمناسبة، لا يريد الإنخراط في هذا الصراع، بل يحاول التهرب منه وتجنبه بكل الطرق الممكنة. وربما يكون محقاً من زاويته الخاصة.

في رأيي، هذا لن يحسم شيئاً. نعم، إحتمال دخول بيلاروسيا في الحرب كان قائماً دائماً، لكن ذلك لن يغير المعادلة، فعدد سكانها ليس كبيراً إلى هذه الدرجة. وإذا إنخرطت بيلاروسيا فعلاً، فقد يصبح ذلك ذريعة لتدخل دول أوروبية أخرى بصورة مباشرة، مثل بولندا أو دول البلطيق. وعندها سنحصل على جبهات جديدة، وربما على ضربة شبه مؤكدة ضد كالينينغراد. وماذا سيتغير في النهاية؟

في الحقيقة، كل شيء قد حدث بالفعل. وهذه هي المشكلة الأساسية. لم يعد هناك ما ننتظره. أشعر أن هناك، في وعينا وعلى مستوى مرتفع إلى حد ما، حالة من «تجميد الصورة». وكأن فهمنا للموقع التاريخي الذي توجد فيه روسيا قد توقف فجأة في لقطة ثابتة.

لكن كل هذا قد وقع بالفعل، وكل شيء قائم أمامنا الآن. لم يعد هناك شيء ننتظره أصلاً. إن إتخاذ خطوات حاسمة وجدية لا ينبغي أن يكون مجرد رد فعل على جريمة جديدة. فنحن في كل الأحوال لن نقنع أحداً بأن لدينا مبررات للقيام بهذا أو ذاك.

ما المبررات التي إمتلكتها الولايات المتحدة عندما دمرت القيادة السياسية والدينية والعسكرية لدولة ذات سيادة وكبيرة مثل إيران، وهي دولة لم تفعل شيئاً للولايات المتحدة؟ ما هي تبريراتهم أصلاً؟

سؤال - على المستوى الشعبي البسيط، يُنظر إلى الأمر على أنه: «هم قادرون، ولذلك يفعلون».

ألكسندر دوغين - بالضبط. أما نحن، فيُنظر إلينا — سواء من داخلنا أو من الخارج — وكأننا غير قادرين، أو خائفين، أو تابعين لأحد، أو أننا عقدنا صفقات خفية، أو أن هناك عملاء في كل مكان. هكذا يبدو الأمر.

ولذلك لا نفعل شيئاً. وإذا كنا لا نفعل، فهذا يعني في نظر الجميع أننا لا نستطيع. ومن لا يستطيع، فالأمر بالنسبة له خطير جداً.

إذا كنا غير قادرين، فلماذا بدأنا أصلاً؟ أما إذا كنا قد بدأنا، فهذا يعني أننا كنا قادرين، ويجب أن نظل قادرين حتى النهاية. لا يوجد طريق للعودة.

يبدو أن هناك من يعتقد أننا ما زلنا نستطيع التوصل إلى تفاهمات مع أحد ما، لكن هذا خطأ كامل. فأليكس كارب، رئيس شركة «بالانتير» الذي يزور كييف، لا يمثل «الإتحاد الأوروبي»، بل يمثل التيار الترامبي نفسه، تماماً مثل بيتر ثيل وغيره من المحافظين الترامبيين. هذه ليست قوة منفصلة أو مختلفة. هذا هو «الغرب الجماعي» نفسه، بما فيه الولايات المتحدة.

والإعتقاد الساذج بأن ترامب سيكون خلاصاً أو أنه سيتجاوب معنا هو وهم لا معنى له. لن يفعل ذلك. نعم، أولويته ليست روسيا بل إيران، لكنهم يستطيعون إستخدامنا في أي لحظة للإنتقال إلى ملف آخر بعد تعثرهم مع إيران.

وبالمناسبة، فإن إيران تقدم مثالاً رائعاً هنا: فعلى الرغم من أنها لم تكن قادرة على توجيه ضربة متماثلة مباشرة إلى الولايات المتحدة، فإنها ضربت وكلاءها الإقليميين، ونجحت في ذلك بشكل ممتاز. وبعد ذلك تراجعت القوة الأميركية الهائلة أمام إيران، رغم أنها دولة أصغر نسبياً.

نعم، الإيرانيون تكبدوا خسائر كبيرة، وفقدوا أطفالاً أيضاً، لكنهم بعد الهجوم على الفتيات في ميناب أعادوا تنظيم أنفسهم، وحددوا نقطة الضعف الحقيقية لدى خصمهم، وتصرفوا بناءً على ذلك. ومهمتنا اليوم هي أن نفعل الشيء نفسه.

هناك الكثير من الردود غير المتماثلة، بل وحتى المتماثلة، التي يمكننا إتخاذها. لكننا، لسبب ما… لا نفعل. فما الذي يشلّنا؟ ولماذا لا نتحرك؟

في هذه اللحظة، لا أحد يملك جواباً واضحاً عن ذلك: لا أصدقاؤنا، ولا نحن أنفسنا، ولا حتى أعداؤنا.

*****

هوامش

«الحوتسبا» أو «خوتسبا» (Chutzpah) كلمة ذات أصل يديشي/عبري، تُستخدم لوصف نوع من الجرأة المفرطة أو الوقاحة الصادمة التي تتجاوز الحدود الطبيعية للأدب أو المنطق.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي ...
- ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
- الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون ...
- روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟
- غزة… جغرافيا الألم المفتوح
- أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
- لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
- حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت ...
- بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف ...
- النكبة: ست حقائق أساسية
- حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
- ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن ...
- الحرب بدأت بالفعل
- بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأورو ...
- من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ ...
- آليات الصراع في الشرق الأوسط.. تقاطع المصالح الدولية في حوض ...
- ألكسندر دوغين - هل يكذبون على بوتين فعلًا؟ ولماذا تتباطأ روس ...
- كيتلين جونستون - من يملك الحقيقة؟
- ألكسندر دوغين - «مالوروسيا»، التي يُطلق عليها خطأً اسم «أوكر ...
- النيويورك تايمز - بين “الإستقرار الاستراتيجي” وإحتواء الصدام ...


المزيد.....




- تحذير أوكراني من هجوم روسي جديد على كييف.. شاهد ما قاله زيلي ...
- راكب -مشاغب- حاول اقتحام قمرة القيادة.. التفاصيل الكاملة لرح ...
- الجيش الإسرائيلي يحذر من احتدام الاشتباكات مع حزب الله ويواص ...
- ماذا جرى في البنتاغون؟ لبنان وإسرائيل يناقشان ما بعد الحرب و ...
- من أجل تحقيق -السيادة الرقمية-.. وسائل تواصل اجتماعي أوروبية ...
- لبنان: غارات مكثفة وتضارب حول تقدم القوات الإسرائيلية في الن ...
- حقن حمض الهيالورونيك للوجه.. سر للنضارة أم مبالغة تجميلية؟
- ضغوط دولية وهواجس فراغ.. ما مستقبل اليونيفيل في لبنان؟
- الناشطة الإسرائيلية زوهار ريغيف تتحدث عن اعتقالها خلال مشارك ...
- سيارتك تستهلك وقودا أكثر من المعلن.. هل تخدعنا الشركات؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)