أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأوروبية الجديدة؟















المزيد.....

بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأوروبية الجديدة؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 21:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


20 أيار مايو 2026


في السابع من أيار/مايو 2026 نشر الرئيس الروسي الأسبق دميتري ميدفيديف مقالاً مطولاً حمل عنوان: «العسكرة الجديدة لألمانيا: إحياء للروح أم إنتقامية منفلتة؟». لم يكن النص مجرد تعليق سياسي عابر على التوتر الروسي ـ الأوروبي، بل بدا أقرب إلى بيان أيديولوجي متكامل يعكس مزاجاً متصاعداً داخل النخبة الروسية الحاكمة تجاه ألمانيا والناتو وعموم المشروع الأوروبي بعد حرب أوكرانيا.

المقال، الممتد على عشرات الصفحات والمشحون بالوثائق والإحالات التاريخية واللغة الصدامية، لا يكتفي بإنتقاد إعادة التسلح الألماني، بل يطرح أطروحة أكثر عمقاً وخطورة: أن أوروبا تدخل مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي شبيهة، في نظر الكاتب، بالمقدمات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وأن ألمانيا تعود تدريجياً إلى موقع «القوة العسكرية المركزية» في القارة تحت غطاء الدفاع الأوروبي والردع ضد روسيا.

منذ السطور الأولى يربط ميدفيديف بين التوترات العابرة للأطلسي وبين صعود النزعة العسكرية الأوروبية. ويعتبر أن تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بتقليص الإلتزام الأمريكي تجاه الحلفاء الأوروبيين، إضافة إلى تصاعد الخطاب الأوروبي حول «الإستقلال الإستراتيجي»، خلقت فراغاً تسعى برلين إلى ملئه. لكن اللافت أن الكاتب لا ينظر إلى هذا التحول بوصفه تطوراً طبيعياً داخل نظام دولي متعدد الأقطاب، بل يراه عودة تاريخية مقلقة لـ«الروح الألمانية القديمة» التي يعتبر أنها لم تُهزم بالكامل عام 1945.

الركيزة الأساسية في المقال تقوم على فكرة الإستمرارية التاريخية. فميدفيديف يرفض عملياً الرواية الغربية التقليدية التي تعتبر أن ألمانيا الغربية خضعت بعد الحرب العالمية الثانية لعملية إجتثاث ناجحة للنازية. وعلى العكس، يصرّ على أن «الدولة العميقة» في ألمانيا الغربية أعادت دمج أعداد كبيرة من المسؤولين والبيروقراطيين والعسكريين المرتبطين بالنظام النازي داخل مؤسسات الدولة الجديدة، بمباركة أمريكية ـ بريطانية ضمن سياق الحرب الباردة.

ولهذا يستحضر الكاتب سلسلة طويلة من الأمثلة والأسماء والوثائق. فهو يشير إلى شخصيات عملت داخل مؤسسات الرايخ الثالث ثم شغلت لاحقاً مناصب رفيعة في ألمانيا الغربية، معتبراً أن «التحالف الغربي لم يدمّر البنية الفكرية للنازية، بل أعاد توظيفها ضد الإتحاد السوفياتي». ويستشهد بعبارة شديدة الدلالة: «الصغار يُشنقون والكبار يُبرّؤون»، في وصفه لسياسة الغرب تجاه النخب الألمانية بعد الحرب.

غير أن أهمية النص لا تكمن فقط في العودة إلى الماضي، بل في الطريقة التي يستخدم بها هذا الماضي لتفسير الحاضر. فالمقال يحاول رسم خط متصل يبدأ من إعادة تسليح ألمانيا الغربية في الخمسينيات، ويمرّ بالحرب الباردة، وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وإعادة بناء البوندسفير اليوم.

في هذا السياق، يقدّم ميدفيديف صورة لألمانيا الحالية بإعتبارها دولة دخلت مرحلة «العسكرة الشاملة». وهو يتوقف مطولاً عند: إرتفاع الإنفاق الدفاعي، توسع الصناعات العسكرية، دمج الجامعات ومراكز البحث في مشاريع التسلح، تحويل البنية التحتية المدنية لخدمة التعبئة العسكرية، وإنشاء شبكات لوجستية قادرة على نقل قوات الناتو بسرعة نحو الشرق الأوروبي.

ويكتب بنبرة تحذيرية أن «ألمانيا لم تعد تتحدث عن الدفاع فقط، بل عن القيادة». كما يرى أن الحرب الأوكرانية تحولت إلى «مسرّع تاريخي» منح برلين فرصة لإعادة تعريف دورها داخل أوروبا.

لكن المقال يذهب أبعد من ذلك بكثير عندما يناقش فكرة «ألمانيا النووية». فبالنسبة لميدفيديف، فإن مجرد تداول نقاشات حول المظلة النووية الأوروبية أو توسيع المشاركة الألمانية في الردع النووي يمثل مؤشراً بالغ الخطورة. ويعتبر أن إقتراب ألمانيا من أي صيغة إمتلاك أو مشاركة مستقلة في القرار النووي يشكل تهديداً مباشراً للتوازن الأوروبي الذي تشكل بعد 1945.

وفي واحدة من أكثر الفقرات إثارة، يكتب أن: «ألمانيا النووية ليست مجرد هدف للكرملين، بل إنتهاك جذري للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية».

هنا يتحول المقال من التحليل السياسي إلى خطاب ردع صريح. فالنص مليء بإشارات إلى «1941» و«بارباروسا» و«الزحف نحو الشرق» Drang nach osten، وكأن الكاتب يريد إعادة إحياء الذاكرة السوفياتية للحرب الوطنية العظمى بإعتبارها الإطار النفسي والسياسي لفهم أوروبا الحالية.

ويبلغ هذا المنطق ذروته عندما يناقش نشر قوات ألمانية في ليتوانيا قرب حدود بيلاروسيا ومقاطعة كالينينغراد. فبينما ترى الحكومات الأوروبية أن هذه الخطوات جزء من تعزيز الردع داخل الناتو، يصفها ميدفيديف بأنها «رأس جسر» جديد ضد روسيا.

والمثير أن المقال لا يهاجم ألمانيا وحدها، بل يحاول أيضاً إعادة تفسير موقع بقية أوروبا. فهو يتعامل مع بولندا بإعتبارها دولة قد تجد نفسها مستقبلاً ضحية صعود ألمانيا نفسها، ويصف أوكرانيا بوصفها «منطقة نفوذ» تستخدمها القوى الغربية لإستنزاف روسيا وإعادة بناء المجمع الصناعي العسكري الأوروبي.

كما يخصص مساحة واسعة لما يعتبره «إعادة كتابة للتاريخ» داخل أوروبا. فبحسب النص، لم يعد الأمر مقتصراً على نقد الإتحاد السوفياتي، بل تطور إلى: تقليص دور الجيش الأحمر في هزيمة النازية، المساواة بين النازية والستالينية، وتهميش الضحايا السوفيات في الذاكرة الأوروبية الجماعية.

ومن هنا تأتي إحدى أكثر العبارات دلالة في المقال: «الناس يُهيَّأون نفسياً لأزمنة مخيفة، عبر تخفيض العتبة الطبيعية للخوف من الحرب».

ورغم الطابع السجالي الواضح للنص، فإن أهميته الحقيقية تكمن في كونه يعكس تحولاً أعمق داخل الخطاب الروسي الرسمي. فالمقال لا يتحدث فقط عن أوكرانيا، بل عن مستقبل النظام الأوروبي كله. وهو يكشف أن جزءاً مؤثراً من النخبة الروسية بات يرى أن: الحرب في أوكرانيا ليست أزمة إقليمية، بل بداية صراع طويل على شكل أوروبا والنظام العالمي المقبل.

وفي هذا الإطار، تصبح إعادة التسلح الألماني رمزاً لتحول أوروبا من «قوة ما بعد تاريخية» إلى كيان يعود تدريجياً إلى منطق القوة والجيوش والردع.

ومع ذلك، فإن المقال — رغم زخمه التاريخي — يحمل أيضاً قدراً واضحاً من التشدد في الموقف السياسي الروسي. فربط ألمانيا الحالية مباشرة بالرايخ الثالث، والتشكيك بشرعية الدولة الألمانية بعد الوحدة، والحديث عن «الرايخ الرابع»، كلها عناصر تعكس خطابا ينتشر أكثر في التحليلات السياسية والأكاديمية في موسكو.

كما أن تصوير أوروبا بإعتبارها كتلة موحدة تسير نحو حرب شاملة مع روسيا لا يعير إهتماما لبعض الظواهر مثل الإنقسامات الأوروبية التي يبالغ الإعلام الغربي في أهميتها: بين شرق وغرب القارة، بين دعاة التصعيد ودعاة التفاوض، وبين المصالح الأمريكية والأوروبية المتباينة.

ومع ذلك، فإن النص يظل وثيقة سياسية بالغة الأهمية لفهم التفكير الإستراتيجي والجيوسياسي الروسي الحديث. فهو يكشف أن الذاكرة التاريخية للحرب العالمية الثانية لم تعد مجرد عنصر رمزي في الخطاب الروسي، بل أصبحت أداة مركزية في تفسير الحاضر وصياغة السياسات المستقبلية.

وفي النهاية، يمكن القول إن مقال ميدفيديف لا يتحدث عن ألمانيا وحدها، بل عن خوف روسي عميق من عودة أوروبا إلى منطق القرن العشرين:
عالم التحالفات المسلحة، والتعبئة الصناعية، والردع النووي، والحروب الوجودية.
ولهذا يبدو النص، في جوهره، أقل إهتماماً بوصف ما يحدث الآن، وأكثر إنشغالاً بما قد يحدث لاحقاً إذا إستمرت القارة الأوروبية في التحرك على الإيقاع نفسه.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ ...
- آليات الصراع في الشرق الأوسط.. تقاطع المصالح الدولية في حوض ...
- ألكسندر دوغين - هل يكذبون على بوتين فعلًا؟ ولماذا تتباطأ روس ...
- كيتلين جونستون - من يملك الحقيقة؟
- ألكسندر دوغين - «مالوروسيا»، التي يُطلق عليها خطأً اسم «أوكر ...
- النيويورك تايمز - بين “الإستقرار الاستراتيجي” وإحتواء الصدام ...
- الشرق الأوسط في المنظار الروسي: الحرب، ترامب، ومستقبل النفوذ ...
- ألكسندر دوغين - النصر على النوم - Disrupt (برنامج إيسكالاتسي ...
- بين موسكو وبكين: لماذا ترى النخبة الروسية أن الدولة تخسر معر ...
- كيف يقرأ العقل الجيوسياسي الروسي تاريخ الصراع مع الغرب؟
- هل يظهر «غورباتشوف حماس»؟ قراءة روسية في أخطر صراع داخل الحر ...
- الحرب على إيران أم الحرب على مستقبل العالم؟
- ألكسندر دوغين - بين نصرين
- عندما تتحرك الصفائح الجيوسياسية: هل تستعد روسيا لعالم ما بعد ...
- دراسة تحليلية: «أوكرانيا المقسمة على الدنيبر.. رؤية سيرغي ما ...
- نيويورك تايمز - الخلاف السعودي–الإماراتي المتصاعد: ما الذي ي ...
- مأساة النخبة الروسية بعد 2022: حين لم يعد الولاء كافيًا
- ألكسندر دوغين - الذكاء الإصطناعي: تحدٍّ فلسفي وحضاري (برنامج ...
- دور الصين في سباق الذكاء الإصطناعي: من دولة متأخرة بشكل واضح ...
- صناعة الوعي العربي بعد 2011: كيف أُعيد تشكيل صورة العدو والق ...


المزيد.....




- قرش شبح وإسفنجة مفترسة... اكتشاف أكثر من ألف كائن بحري جديد ...
- ما الذي يجمع الصين وروسيا فعلاً؟
- وليام هيغ: العودة إلى أوروبا ليست حلا سحريا لمشاكل بريطانيا ...
- مصادر تكشف لـCNN دور قادة الخليج في عدول ترامب عن شن -هجوم ا ...
- سموتريتش يتوعد بـ-حرب- على السلطة الفلسطينية بعد أنباء عن مذ ...
- ترامب يلوح بضربة جديدة لإيران ويقول إنه أرجأ الهجوم قبل ساعة ...
- ترمب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا والحرب معها ستنتهي سريعا
- واشنطن تتهرب من المسؤولية عن غارة أوقعت 155 قتيلا بمدرسة إير ...
- أمريكا.. تحذيرات من -صدمة محتملة- في صناعة السيارات جراء حرب ...
- مباشر: ترامب يقول إن الولايات المتحدة قد تُضطر إلى توجيه ضرب ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأوروبية الجديدة؟