أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - صناعة الوعي العربي بعد 2011: كيف أُعيد تشكيل صورة العدو والقضية في الإعلام العربي؟















المزيد.....

صناعة الوعي العربي بعد 2011: كيف أُعيد تشكيل صورة العدو والقضية في الإعلام العربي؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 00:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


د. زياد الزبيدي

5 أيار مايو 2026

لم تكن التحولات التي شهدها العالم العربي بعد عام 2011 سياسيةً وعسكريةً فقط، بل رافقها تحول عميق في بنية الخطاب الإعلامي، وفي الطريقة التي يُعاد بها تعريف الأصدقاء والخصوم، وتُرتب من خلالها أولويات الجمهور، ويُحدد ما يستحق الغضب وما ينبغي الإعتياد عليه. فقد دخلت المنطقة منذ ذلك التاريخ مرحلة لم يعد الصراع فيها على الأرض وحدها، بل على الوعي أيضًا، وعلى الذاكرة، وعلى قدرة الناس على التمييز بين القضايا المركزية والقضايا الطارئة.

لعقود طويلة، بقيت إسرائيل في الوعي العربي مرتبطة بمعانٍ واضحة لا تحتاج إلى شرح: الإحتلال، التطهير العرقي، الفصل العنصري، الإبادة الجماعية، والإستيطان، وتهجير الفلسطينيين، القتل والدمار والحروب المتكررة، والاعتداء على دول عربية كثيرة من تونس إلى قطر مرورا بليبيا ومصر والسودان واليمن والأردن وسوريا ولبنان والعراق، بالطبع إعتمادًا على الدعم الغربي غير المحدود. ولهذا لم تكن القضية الفلسطينية مجرد ملف سياسي بين ملفات أخرى، بل كانت جزءًا من البنية الرمزية للوجدان العربي الحديث، وعنوانًا لمعنى الظلم الخارجي والإستلاب التاريخي.

غير أن ما جرى بعد 2011 أوجد بيئة مختلفة تمامًا. فمع الحروب الأهلية، والإنقسامات المذهبية، وصعود الجماعات الإرهابية المسلحة من القاعدة وبناتها مثل داعش والنصرة وفتح الشام وغيرها مثل ولاية خراسان في أفغانستان، ولاية غرب أفريقيا التي إنشقت عن بوكو حرام في نيجيريا، ولاية سيناء في مصر (أصلها جماعة “أنصار بيت المقدس”)، ولاية ليبيا، ولاية اليمن، ولاية الصومال، ولاية وسط أفريقيا التي تنشط في الكونغو وهي فروع إرهابية في الدول المذكورة. ، والإنهيارات الإقتصادية، والتدخلات الإقليمية والدولية، دخل المواطن العربي في دوامة من الأزمات اليومية جعلت أولوياته أكثر تشتتًا، ووعيه أكثر تعرضًا لإعادة التشكيل. وفي هذه اللحظة بالتحديد، ظهر خطاب إعلامي جديد يقول ضمنًا إن الخطر الحقيقي لم يعد هو الإحتلال، بل يأتي من الداخل أو من قوى إقليمية أخرى، وإن العدو القديم, أي إسرائيل، لم يعد بالضرورة القضية الأولى.

هكذا بدأت عملية إزاحة هادئة لمركزية فلسطين من دون إعلان صريح. لم يُطلب من الجمهور أن يتخلى عنها، بل طُلب منه فقط أن يؤجلها، وأن يراها شأنًا من بين شؤون كثيرة، وأن يقتنع بأن التهديدات الجديدة أكثر إلحاحًا وأقرب خطرًا.

ومن أبرز الأدوات التي أستُخدمت في هذا التحول ما يمكن تسميته بالمساواة الأخلاقية الزائفة. وهي تقنية تقوم على وضع أطراف مختلفة جذريًا في خانة واحدة، بحيث يبدو الجميع متساوين في المسؤولية والتهديد والذنب، رغم إختلاف القوة والسياق والواقع القانوني والسياسي. فيصبح المحتل والضحية طرفين في “نزاع”، ويصبح العدوان ورد الفعل مجرد “تبادل للعنف”، وتصبح الجرائم الموثقة والإتهامات غير المثبتة في مرتبة واحدة، وتُمحى الفوارق بين من يملك الدولة والجيش والغطاء الدولي، ومن يعيش تحت الحصار أو الإحتلال أو التفكك. وأصبحنا نسمع عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحرب إسرائيل مع حماس وحزب الله والحرب الأمريكية الإيرانية بدلاً من التركيز على العدوان الامريكي الإسرائيلي على غزة ولبنان وإيران.

هذا النوع من الخطاب لا يصنع عدالة، بل يصنع ضبابًا أخلاقيًا. فعندما يقتنع الناس أن الجميع سواء، يفقدون القدرة على إتخاذ موقف واضح، ويتحول اللاموقف إلى شكل من أشكال الحياد الزائف. ويحضرني هنا سيل الأخبار الذي إنتشر على وسائل الإعلام العربية والعالمية منذ سنتين حول سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين في مستشفيات العدو الصهيوني. ولم تتأخر غرف الدعاية السوداء عن الإدعاء بقيام النظام السوري السابق بنفس الفعل، وذلك في محاولة لتصنيع مواز لجرائم الإحتلال تخفيفا عنه.

وفي موازاة ذلك، جرى خلق ما يمكن تسميته بالعدو البديل. ففي مراحل كثيرة، صُوِّرت إيران بإعتبارها الخطر المركزي الوحيد على المنطقة. وليس المقصود هنا نفي وجود خلافات حقيقية مع السياسات الإيرانية، بل الإشارة إلى كيفية تحويل هذا الملف إلى محور شبه حصري، بحيث يتراجع الحديث عن الإحتلال والإستيطان والحصار الصهيوني إلى الهامش. وبذلك إنتقل السؤال الإعلامي من: كيف تُستعاد الحقوق العربية؟ إلى: من يواجه الخطر الإقليمي الجديد؟ وظهرت دعوات أصلها إسرائيلي-أمريكي لتشكيل ناتو عربي لمواجهة إيران تحت قيادة إسرائيل أو بمشاركتها، ولم تكن إتفاقيات أبراهام سوى خطوة تمهد لذلك.
وفي برامج حوارية معروفة يتم تصوير العدو الصهيوني وإيران كطامعين في الدول العربية ووضعهما في سلة واحدة وذلك في محاولة مكشوفة لتبييض صفحة إسرائيل بالتغاضي عن جرائم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.

ومع هذا التحول، بدأت إسرائيل تنتقل تدريجيًا على بعض شاشات التلفاز العربية من خانة العدو الإستثنائي إلى خانة الفاعل الطبيعي. ولم يحدث ذلك عبر المديح المباشر، بل عبر أدوات أكثر نعومة وفعالية. فبدل الحديث عن الإحتلال، يجري التركيز على التكنولوجيا والإقتصاد والإبتكار والشراكات الأمنية. وبدل النظر إليها كقضية أخلاقية وسياسية، تُعرض كدولة حديثة تبحث عن الإستقرار والتعاون والمصالح المشتركة.

كما لعبت الشاشات دورًا مهمًا في التطبيع النفسي من خلال إدخال المتحدثين الإسرائيليين بصورة متكررة بوصفهم محللين أو خبراء عاديين داخل المشهد الإعلامي العربي. ومع التكرار، يتحول الإستثناء إلى مألوف، ويتحول الرفض إلى موقف يبدو متشددًا أو قديمًا.

اللغة نفسها كانت أداة مركزية في هذا التحول. فالكلمات لا تنقل الواقع فقط، بل تصنع الإحساس به. ولهذا جرى في أحيان كثيرة إستبدال مفردات مثل الإحتلال والعدوان والإستيطان بكلمات أكثر برودة مثل التوتر والتصعيد والنزاع والخلاف. وبذلك تنتقل القضية من كونها ظلمًا تاريخيًا إلى كونها مشكلة تقنية بين طرفين مختلفين. كما شاع إستخدام عبارات من نوع “الجانبان يتحملان المسؤولية” أو “دائرة العنف مستمرة”، حتى حين يكون ميزان القوة مختلًا بصورة فادحة.

أما الصورة التلفزيونية، فقد كانت أبلغ من الكلمات أحيانًا. فحين تُعرض إسرائيل عبر تقارير عن الشركات الناشئة والمدن الحديثة والأنظمة التقنية، بينما تُختزل المنطقة العربية في مشاهد الركام والمخيمات والفوضى، يتكوّن في ذهن المشاهد إنطباع ضمني بأن طرفًا يمثل النظام والكفاءة، بينما يمثل الطرف الآخر الفشل والإضطراب. وهذه واحدة من أكثر أدوات التأثير هدوءًا وخطورة.

ولا يعني ذلك أن جميع القنوات العربية متشابهة أو تسير بالوتيرة نفسها. فقد إختلفت التغطيات والخطوط التحريرية بين مؤسسات مثل الجزيرة والعربية وSky News Arabia وغيرها، تبعًا للبيئة السياسية والتحالفات الإقليمية وأولويات الممولين. لكن العامل المشترك في محطات كثيرة كان خضوع ترتيب الأخبار والزوايا والضيوف لمعادلات السلطة أكثر من خضوعه لميزان القيم المجردة.

وقد نجحت هذه السياسات جزئيًا لأن المجتمعات العربية كانت مرهقة أصلًا. فالحروب والتهجير والخوف والفقر والإنقسام تجعل الإنسان أكثر إستعدادًا لتغيير سلم أولوياته، لا إقتناعًا دائمًا، بل بحثًا عن النجاة اليومية. ومع ذلك، أثبتت الأحداث المتكررة أن القضايا المركزية لا تختفي بسهولة. فكلما إندلعت حرب كبرى على غزة أو تصاعد التوتر في القدس المحتلة، عادت فلسطين بسرعة إلى مركز الشعور الشعبي العربي، مهما حاولت الخطابات الأخرى إزاحتها.

إن أخطر ما جرى بعد 2011 لم يكن فقط تبدل التحالفات، بل محاولة إعادة تعريف البديهيات نفسها: من هو العدو؟ ما القضية الأولى؟ ما الذي ينبغي أن يغضب الناس؟ وما الذي يجب أن يعتادوا عليه؟ وعندما تعجز السياسة عن تغيير الوقائع، فإنها تلجأ غالبًا إلى تغيير ترتيبها في عقول الجمهور.

لذلك فإن القراءة النقدية للإعلام لم تعد ترفًا، بل ضرورة. وعلى المتلقي أن يسأل دائمًا: ما الخبر المتصدر؟ ما الخبر الغائب؟ من الضيف المتكرر؟ ما الكلمات المستخدمة؟ من يُقدَّم كعاقل ومن يُقدَّم كمتطرف؟ وأي قضايا يُراد لها أن تبدو طبيعية رغم أنها ليست كذلك؟

في النهاية، قد لا ينجح الإعلام دائمًا في فرض ما يفكر فيه الناس، لكنه ينجح كثيرًا في تحديد ما الذي يفكرون فيه أولًا. ومن هنا تبدأ صناعة الوعي، أو صناعة النسيان.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الحرب والسردية: قراءة تحليلية في مقال ألكسندر روجرز
- بين العدالة المتأخرة وحسابات الإليزيه: لماذا عاد ملف هجوم با ...
- من “حروب ما بعد الإتحاد السوفياتي” إلى صراع عالمي مفتوح: قرا ...
- بلغاريا بعد الإنتخابات: هل يفتح صعود رومان راديف مرحلة جديدة ...
- كيف إستفادت واشنطن إقتصادياً من العدوان على إيران
- خرائط الغاز في الشرق الأوسط: كيف تتحول عُمان إلى الرابح الها ...
- هرمز هو التشخيص: هل فقد ترامب البوصلة في أخطر ممر بحري بالعا ...
- قوس النار: تداخل الجبهات بين لبنان وإيران في مواجهة إسرائيل
- تحالف القوى الكردية في إيران وآفاق التعاون مع الولايات المتح ...
- لماذا من المهم تذكّر الإبادة الجماعية للشعب السوفياتي من قبل ...
- تدمير تمثال المسيح سيهز إسرائيل بأسرها
- هل يبدأ “النادي النووي” بالتوسع من إيران؟
- الأزمة الروسية 2026: هل يتكرر سيناريو إنهيار الإتحاد السوفيا ...
- بين التصعيد والتسوية: إدارة الصراع في لبنان ضمن هندسة جيوسيا ...
- نهاية عصر أوربان وصعود -القومي الناعم- ماديار
- ألكسندر دوغين - تذكرة العبور إلى النخبة لم تعد صالحة: «القائ ...
- مضيق هرمز: ثلاثون دقيقة كانت كفيلة بإشعال حرب… والعالم لم ين ...
- يدَا روتشيلد تبشّران بإعادة رسم خريطة العالم
- مأزق إسلام آباد - بين هدنة الضرورة ومخاطر الإنفجار
- المجر بعد أوربان: إعادة ضبط أم إنقلاب هادئ في قلب أوروبا؟ - ...


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - صناعة الوعي العربي بعد 2011: كيف أُعيد تشكيل صورة العدو والقضية في الإعلام العربي؟