|
|
من “حروب ما بعد الإتحاد السوفياتي” إلى صراع عالمي مفتوح: قراءة في أطروحات روستيسلاف إيشينكو
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 02:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
في مقاله المعنون “حروب ما بعد الإتحاد السوفياتي”، يطرح الكاتب الروسي روستيسلاف إيشينكو رؤية تفسيرية شاملة لمسار النزاعات التي أعقبت تفكك الإتحاد السوفياتي، معتبرًا أن الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا—المعروفة في الخطاب الروسي بـ“العملية العسكرية الخاصة”—ليست سوى ذروة هذا المسار، وربما آخر حلقاته قبل الإنتقال إلى صراع عالمي أوسع. لكن أهمية المقال لا تكمن في توصيفه للحرب الراهنة فقط، بل في محاولته تفكيك الجذور العميقة للنزاعات، بعيدًا عن التفسيرات التبسيطية التي تختزلها في “مؤامرات خارجية” أو “صراعات أيديولوجية سطحية”.
أولًا: من التفكك الإقتصادي إلى الإنفجار السياسي
يرى إيشينكو أن نقطة الإنطلاق الحقيقية للنزاعات لم تكن سياسية أو قومية بحتة، بل إقتصادية بالدرجة الأولى. إذ يؤكد أن: “تفكك الدولة يبدأ دائمًا من الإقتصاد والتجارة، لا من اللغة أو التاريخ.” ويشير إلى أن السنوات الأخيرة من عمر الإتحاد السوفياتي شهدت إنهيارًا تدريجيًا في منظومة الإنتاج والتوزيع، حيث تحوّل “الشراء” إلى “الحصول بأي وسيلة”، وظهرت ظواهر مثل الحصص التموينية والعملات المحلية داخل الأقاليم. بل وصل الأمر إلى حد إقامة “جمارك داخلية” بين مناطق الدولة الواحدة. وفي هذا السياق، يبرز عامل غالبًا ما يتم تجاهله في التحليلات السطحية، وهو أن سوء فهم طبيعة هذه الأزمات ساهم في تعقيدها. فبدل تحليلها بوصفها إختلالات بنيوية في الإقتصاد، جرى تفسيرها بلغة أخلاقية مبسطة—من قبيل “من هو المسؤول؟”—ما أدى إلى تضخيم التوترات وعرقلة إمكانيات المعالجة. هذا التفكك الإقتصادي—بحسب الكاتب—أدى إلى تفكك الروابط الوطنية، إذ أن: “إنشاء فضاء إقتصادي موحد هو الذي يصنع الأمة، قبل أن تصنعها اللغة أو تُدوَّن لها تاريخ موحد.”
ثانيًا: إستقلال الجمهوريات وصراع “تقاسم الإرث”
مع إنهيار الإتحاد، وجدت الجمهوريات نفسها أمام واقع جديد: دول مستقلة تمتلك أجهزة دولة، لكنها تفتقر إلى أنظمة إقتصادية متماسكة. وهنا يطرح إيشينكو فكرة محورية: “الدولة الجديدة كانت معنية بتعظيم عائدات الجمارك أكثر من الحفاظ على سلاسل الإنتاج المشتركة.” بمعنى آخر، بدل الحفاظ على التكامل الإقتصادي السابق، إتجهت هذه الدول إلى فرض الحواجز التجارية، ما أدى إلى تمزيق الإقتصاد الإقليمي المشترك. وفي هذا السياق، يبرز عامل نفسي-سياسي بالغ الأهمية، يتمثل في شعور جميع الأطراف بالغبن: “في تقاسم الكعكة المشتركة، يشعر الجميع أنهم حصلوا على أقل مما يستحقون.” هذا الشعور—كما يرى الكاتب—خلق بيئة مثالية لصعود الخطاب القومي، بل وحتى العدائي تجاه الآخرين. كما أنه وفّر أرضية خصبة للتدخلات الخارجية، التي لم تنشئ الصراع بقدر ما إستثمرت في تناقضاته القائمة أصلًا.
ثالثًا: القومية، الخوف، وصناعة العدو
يربط إيشينكو بين صعود النزعات القومية وتنامي ما يسميه “الخوف البنيوي” من روسيا، بإعتبارها الدولة الأكبر والأقوى بين جمهوريات الإتحاد السابق. ويقول في هذا الصدد: “تحولت الروسوفوبيا تدريجيًا إلى جزء لا يتجزأ من سياسات الجمهوريات السابقة، بدافع الخوف بقدر ما هو بدافع المنافسة.” هذا الخوف لم يكن نظريًا فقط، بل تغذّى من إسقاطات نفسية، حيث إفترضت هذه الدول أن روسيا ستتصرف بالطريقة نفسها التي تصرفت بها هي داخليًا—أي بإستخدام القوة للحفاظ على النفوذ. وهكذا نشأت حلقة مفرغة: تسليح وتحالفات ضد روسيا، ردود فعل روسية دفاعية، تفسير هذه الردود كـ“عدوان”، وتعميق الفجوة وصولًا إلى الصدام. وفي موازاة ذلك، يشدد الكاتب على أن القوى الخارجية—مهما بلغت قدرتها—لا تستطيع خلق نزاع من العدم: “يمكنها إستغلال الصراعات، لكنها لا تستطيع صناعتها إذا لم تكن جذورها موجودة.” وهو طرح يعيد مركز الثقل إلى الداخل، حيث تتشكل الشروط الحقيقية للإنفجار.
رابعًا: الصراع الداخلي وإختبار النخب
إلى جانب التفاعلات الإقليمية، يلفت روستيسلاف إيشينكو الإنتباه إلى أهمية الصراع الداخلي داخل الدول، خصوصًا في روسيا. فالتوتر بين تيارات “موالية للغرب” وأخرى “سيادية” يعكس صراعًا أعمق حول هوية الدولة وإتجاهها الإستراتيجي. ويشير إلى أن جزءًا من المعارضة التي غادرت البلاد بدأ بالفعل مراجعة مواقفه، في ضوء التحولات الدولية، لكن هذه المراجعة لا تعني نهاية الإنقسام، بل ربما تمهّد لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا. وفي هذا السياق، يستحضر تجربة “الهجرة البيضاء” خلال الحرب العالمية الثانية، حين إنقسمت النخب بين من وقف مع وطنه ومن تحالف مع خصومه. ويخلص إلى أن لحظات الصراع الكبرى تفرض على النخب إختبارًا يتجاوز السياسة إلى الأخلاق: “الإختيار في مثل هذه اللحظات لا يكون سياسيًا فقط، بل وجوديًا.”
خامسًا: الحرب الأوكرانية كذروة المسار
في تحليل الكاتب، تمثل الحرب في أوكرانيا ذروة هذا التراكم التاريخي، لكنها ليست بالضرورة النهاية. فهو يشير إلى أن: “روسيا لا تحتاج إلى إحتلال أحد لكي تهيمن، بل يكفيها أن تكون مركز الجاذبية الإقتصادية والأمنية.” كما يضيف أن سلوك موسكو في نزاعات سابقة—مثل جورجيا—يعكس نمطًا محددًا: “عندما تُدفع إلى إستخدام القوة، فإنها تستخدمها بالقدر اللازم فقط لإجبار الخصم على التراجع.” وهنا يقدّم تفسيرًا مثيرًا للجدل لطول أمد الحرب، معتبرًا أن إستمرارها مرتبط بخيارات القيادة السياسية في كييف، وليس فقط بالتوازنات العسكرية.
سادسًا: من الفضاء السوفياتي إلى الصراع العالمي
أخطر ما في أطروحة إيشينكو هو إنتقاله من تحليل محلي إلى إستشراف عالمي. فهو يرى أن: “التناقضات ما بعد السوفياتية تُستبدل اليوم بتناقضات عالمية.” وفي هذا السياق، تتشكل ملامح إستقطاب دولي بين محور تقوده روسيا والصين، وآخر يتمحور حول الولايات المتحدة. كما يحذر من أن سوء فهم طبيعة هذه التحولات—والتعامل معها بخطاب تعبوي أو أخلاقي—قد يدفع العالم نحو مواجهة لا يمكن إحتواؤها بسهولة.
سابعًا: أوروبا على حافة التفكك
في تحليله للمشهد الأوروبي، يذهب روستيسلاف إيشينكو إلى أن الإتحاد الأوروبي يمر بمرحلة تشبه أواخر الحقبة السوفياتية، حيث تتصاعد التناقضات الداخلية بينما تحاول النخب الحفاظ على صورة الإستقرار. لكنه يطرح سيناريو أكثر حدّة، يتمثل في إحتمال عودة الحدود الإقتصادية، وتصاعد النزعات القومية، بل وحتى نشوء صراعات داخلية بين الدول الأوروبية نفسها. ويحذر من أن محاولة تصدير الأزمة إلى الخارج—عبر التصعيد مع روسيا—قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ تسرّع الإنقسام بدل أن تعالجه.
خاتمة: هل إنتهت الحروب أم تغيّر شكلها؟
يخلص المقال إلى فرضية أساسية: أن أسباب النزاعات في الفضاء ما بعد السوفياتي قد تكون في طريقها إلى التلاشي، مع إدراك متزايد لأهمية التكامل الإقليمي. لكن في المقابل، فإن العالم يتجه نحو صراع أوسع وأكثر تعقيدًا. وبينما يكتب إيشينكو: “إذا كنا لا نريد القتال حتى آخر إنسان، فعلينا أن نفهم أسباب الصراعات بعمق أكبر”، فإن هذا الطرح يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل الفهم كافٍ لتجنب الحروب، أم أن التنافس على القوة والنفوذ سيظل يتجاوز كل محاولات الفهم؟ في النهاية، تقدم هذه القراءة مادة تحليلية ثرية تعكس رؤية روستيسلاف إيشينكو، وتفتح المجال لنقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي، في لحظة تاريخية تبدو فيها الحدود بين الإقليمي والعالمي آخذة في التلاشي.
هوامش
روستيسلاف إيشينكو هو محلل سياسي وكاتب روسي من أصل أوكراني، وُلد في كييف عام 1965، وعمل سابقًا في السلك الدبلوماسي الأوكراني قبل انتقاله إلى روسيا. اشتهر بمقالاته وتحليلاته الجيوسياسية حول أوكرانيا وروسيا والعلاقات الدولية، ويُعد من الأصوات المؤيدة للسياسات الروسية في الإعلام الناطق بالروسية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بلغاريا بعد الإنتخابات: هل يفتح صعود رومان راديف مرحلة جديدة
...
-
كيف إستفادت واشنطن إقتصادياً من العدوان على إيران
-
خرائط الغاز في الشرق الأوسط: كيف تتحول عُمان إلى الرابح الها
...
-
هرمز هو التشخيص: هل فقد ترامب البوصلة في أخطر ممر بحري بالعا
...
-
قوس النار: تداخل الجبهات بين لبنان وإيران في مواجهة إسرائيل
-
تحالف القوى الكردية في إيران وآفاق التعاون مع الولايات المتح
...
-
لماذا من المهم تذكّر الإبادة الجماعية للشعب السوفياتي من قبل
...
-
تدمير تمثال المسيح سيهز إسرائيل بأسرها
-
هل يبدأ “النادي النووي” بالتوسع من إيران؟
-
الأزمة الروسية 2026: هل يتكرر سيناريو إنهيار الإتحاد السوفيا
...
-
بين التصعيد والتسوية: إدارة الصراع في لبنان ضمن هندسة جيوسيا
...
-
نهاية عصر أوربان وصعود -القومي الناعم- ماديار
-
ألكسندر دوغين - تذكرة العبور إلى النخبة لم تعد صالحة: «القائ
...
-
مضيق هرمز: ثلاثون دقيقة كانت كفيلة بإشعال حرب… والعالم لم ين
...
-
يدَا روتشيلد تبشّران بإعادة رسم خريطة العالم
-
مأزق إسلام آباد - بين هدنة الضرورة ومخاطر الإنفجار
-
المجر بعد أوربان: إعادة ضبط أم إنقلاب هادئ في قلب أوروبا؟ -
...
-
هدنة على حافة الإنفجار
-
إختبار صعب لإسرائيل أمام حزب الله
-
صدمة كينيدي أم شرارة التحدي؟
المزيد.....
-
السفير الأمريكي في تل أبيب يدعو دول الخليج لحسم موقفها بين إ
...
-
مخاوف إسرائيلية من إبرام ترامب -اتفاقاً سيئاً- مع إيران
-
تجمع 250000 حاج في مزار فاطيما بالبرتغال لقداس الشموع السنوي
...
-
مجلس الشيوخ الأمريكي يرفض مجددا مشروع قرار لإنهاء الحرب مع إ
...
-
إسرائيل تعلن قيام نتنياهو بزيارة سرية للإمارات وأبوظبي تنفي
...
-
-يوروفيجين-... انقسامات أوروبية بسبب المشاركة الإسرائيلية
-
هل قصفت السعودية مواقع جماعات مسلحة في العراق خلال الحرب مع
...
-
فيروس هانتا..هل تطور شركة فايزر لقاحا مضادا؟
-
باريس سان جرمان يحسم لقب الدوري الفرنسي للمرة الخامسة تواليا
...
-
دروس 2021.. ما الذي انكشف عن إخفاق الجيش الإسرائيلي في -ضربة
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|