أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - غزة… جغرافيا الألم المفتوح















المزيد.....

غزة… جغرافيا الألم المفتوح


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 23:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

26 أيار مايو 2026

كيف تحوّل القطاع من مساحة للحياة إلى «منطقة إنتظار إنساني» بين الحرب والإنهيار والحسابات السياسية؟

في مقاله المنشور بتاريخ 20 مايو/أيار 2026 تحت عنوان «الشرق الأوسط: قطاع الحزن»، يرسم المؤرخ والكاتب الروسي فاليري بورت صورة قاتمة للحياة اليومية داخل قطاع غزة، حيث لم تعد الحرب حدثًا عابرًا أو مواجهة عسكرية مؤقتة، بل تحوّلت إلى بنية كاملة من الإنهيار الإجتماعي والإقتصادي والصحي والنفسي.
النص، الذي نُشر على منصة مؤسسة الثقافة الاستراتيجية لا يكتفي بوصف الدمار المادي، بل يذهب أبعد من ذلك ليقدّم غزة بإعتبارها «فضاءً لإنهاك الإنسان»؛ ومكانًا تتآكل فيه القدرة على البقاء يومًا بعد يوم.
لكن القراءة الأعمق للمقال تكشف أنه لا يقتصر على الرصد الإنساني فقط، بل يحمل أيضًا أبعادًا سياسية وجيوسياسية تتصل بمستقبل القطاع، ودور حركة حماس، والموقف الإسرائيلي، والتردد الأميركي، وإشكالية إعادة الإعمار في بيئة ما تزال قابلة للإنفجار.

أولًا: غزة بوصفها «حالة إنهيار حضاري»

أحد أكثر الجوانب قوة في المقال يتمثل في تصويره لغزة بإعتبارها منطقة خرجت فعليًا من الزمن الحديث.
فالكاتب يصف قطاعًا بلا كهرباء تقريبًا، بلا بنية تحتية، بلا صرف صحي، وبلا قدرة إقتصادية على الإستمرار. ويقتبس من تقارير صحفية غربية أن محطة الكهرباء الوحيدة توقفت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بسبب نقص الوقود والحصار الطاقي، ما دفع السكان للإعتماد على الطاقة الشمسية أو المولدات الخاصة مرتفعة التكلفة.
هذه الصورة لا تتعلق فقط بإنقطاع الخدمات، بل تشير إلى إنهيار مفهوم «الدولة المدنية» نفسه.
فعندما تصبح الكهرباء والمياه النظيفة والدواء والإتصالات أدوات نادرة، فإن المجتمع يدخل تدريجيًا في مرحلة «البقاء البيولوجي» بدل الحياة الطبيعية.
ويصف الكاتب مشهد الخيام المنتشرة في كل مكان بإعتباره التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا التحول.
الخيمة هنا ليست مجرد مأوى مؤقت، بل رمز لتحول جماعي من الإستقرار إلى الهشاشة الدائمة.

إقتصاد البقاء… حين تصبح الحياة اليومية معركة

يشير المقال إلى أن معظم الفلسطينيين في غزة فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم، وأن «الجيوب فارغة» كما يصف الكاتب.
وهذا التفصيل مهم للغاية، لأن المجاعات والإنهيارات الإنسانية لا تنتج فقط عن نقص الغذاء، بل أيضًا عن تدمير الإقتصاد المحلي ومنع الناس من الوصول إلى وسائل الإنتاج والعمل.
في هذا السياق، تتحول أبسط الأشياء إلى إمتياز نادر:
•شحن الهاتف يحتاج إلى محطات بدائية.
•المياه تصل عبر صهاريج تثير الفوضى والإشتباكات.
•غسل الملابس أصبح ترفًا.
•الإستحمام نفسه تحوّل إلى رفاهية إستثنائية.
ويستخدم الكاتب تعبيرًا مؤثرًا حين يتحدث عن الناس الذين «يلتقطون مياه المطر بشفاه جافة»، في إشارة إلى مستوى العطش والإرهاق الذي يعيشه السكان.
هذا الوصف يهدف إلى إظهار أن الأزمة لم تعد أزمة حرب فقط، بل أزمة تفكك كامل لشروط الحياة الطبيعية.

البعد الصحي… غزة كبيئة مثالية للأوبئة

من أخطر ما يطرحه المقال تركيزه على الإنهيار الصحي والبيئي المتسارع.
فبحسب النص، لم تعد هناك شبكات صرف صحي حقيقية، بل حفر إمتصاصية بدائية تفيض بإستمرار، وسط مياه ملوثة وروائح خانقة.
ويشير الكاتب إلى تقارير تحدثت عن: إنتشار الجرب والقمل والبق، إرتفاع مخاطر العدوى الجلدية، نقص مواد النظافة والصابون، وتزايد إحتمالات الأوبئة مع دخول فصل الصيف.
كما يورد إقتباسًا لافتًا من صحيفة «ذا غارديان» حول عجز الأطباء حتى عن إجراء فحوصات بسيطة لتشخيص السرطان بسبب نقص الحقن والمعدات الطبية الأساسية.
هذه الجزئية تكشف أن الكارثة الصحية في غزة ليست مرتبطة فقط بإصابات الحرب، بل أيضًا بإنهيار الطب الوقائي والعلاج الأساسي.
أي أن الناس قد يموتون ليس بسبب القصف فقط، بل بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة في أي نظام صحي طبيعي.

ويزداد المشهد مأساوية مع حديث مدير مجمع الشفاء الطبي، محمد أبو سلمية، عن تعطل أقسام العناية المركزة والحاضنات ومراكز غسيل الكلى بسبب أزمات الكهرباء والوقود.


الحرب النفسية وصناعة اليأس الجماعي

لا يركّز المقال على الجوانب المادية وحدها، بل يمنح مساحة واضحة للإنهيار النفسي الجماعي.

فالكاتب يصف سكان غزة وهم يتبادلون «إعترافاتهم الحزينة» في وسائل النقل البدائية أو على الطرق المدمرة، في محاولة لتخفيف وطأة الفقد والخوف.

هذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن المجتمع يعيش حالة صدمة ممتدة، حيث: فقد الناس أقاربهم ومنازلهم، تراجعت الثقة بالمستقبل، أصبح الإنتظار جزءًا من الحياة اليومية، وتآكل الإحساس بالإستقرار والزمن الطبيعي.


إنها حالة يمكن وصفها بـ«التعب الحضاري»، حين يفقد الإنسان ليس فقط أمنه المادي، بل أيضًا قدرته على تخيل مستقبل مختلف.


معضلة إعادة الإعمار… من سيدير غزة؟

من أكثر النقاط أهمية في المقال الإشارة إلى أن إعادة الإعمار تبدو شبه مستحيلة في الظروف الحالية.

فالكاتب ينقل عن متحدث اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، هاشم عثمان، وصفه لحجم الدمار بأنه «فلكي»، مع إستمرار وجود آلاف المفقودين تحت الأنقاض.

لكن الأزمة ليست تقنية فقط، بل سياسية أيضًا.

إذ إن: إسرائيل تلوّح بإستئناف العمليات العسكرية بينما حماس ترفض نزع السلاح، أما
الولايات المتحدة فهي تبدو مترددة.
وخطط إعادة الإعمار مرتبطة بمناطق خارجة عن سيطرة الفصائل المسلحة.
ولا يوجد إتفاق واضح حول شكل الحكم المستقبلي للقطاع.


وهذا يعني أن غزة تقف اليوم أمام معضلة تاريخية: إما الدخول في مسار إعادة بناء طويل ومعقد يتطلب تسوية سياسية شاملة، أو البقاء في حالة «هدنة هشة» قابلة للإنفجار في أي لحظة.


القراءة الأوسع: غزة كنموذج لفشل النظام الدولي

يمكن قراءة المقال أيضًا بإعتباره إتهامًا ضمنيًا للنظام الدولي كله، وليس لطرف واحد فقط.

فبعد سنوات من الحرب والدمار، ما تزال: المساعدات غير كافية، إعادة الإعمار متعثرة، الحل السياسي غائبًا،
والمؤسسات الدولية عاجزة عن فرض تسوية مستقرة.


وفي هذا السياق، تتحول غزة إلى رمز عالمي لأزمة النظام الدولي المعاصر: حيث تستطيع القوى الكبرى إدارة الصراع، لكنها تفشل في إنهائه.


خاتمة: قطاع يعيش بين الهدنة والإنهيار

ينتهي مقال فاليري بورت بصورة شديدة القتامة، إذ يرى أن الفلسطينيين في غزة لا يزالون عاجزين عن رؤية «الضوء في نهاية النفق».

وربما تكمن قوة النص في أنه لا يقدّم الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فقط، بل بإعتبارها عملية إستنزاف شاملة للمجتمع والإنسان والذاكرة والمستقبل.

غزة، وفق هذا التصوير، لم تعد مجرد ساحة صراع سياسي، بل تحوّلت إلى إختبار أخلاقي وإنساني للعالم كله: هل يمكن لمجتمع أن يستمر في الحياة بينما كل عناصر الحياة الأساسية تتفكك أمامه؟

حتى الآن، لا يبدو أن أحدًا يملك إجابة واضحة.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
- لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
- حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت ...
- بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف ...
- النكبة: ست حقائق أساسية
- حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
- ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن ...
- الحرب بدأت بالفعل
- بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأورو ...
- من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ ...
- آليات الصراع في الشرق الأوسط.. تقاطع المصالح الدولية في حوض ...
- ألكسندر دوغين - هل يكذبون على بوتين فعلًا؟ ولماذا تتباطأ روس ...
- كيتلين جونستون - من يملك الحقيقة؟
- ألكسندر دوغين - «مالوروسيا»، التي يُطلق عليها خطأً اسم «أوكر ...
- النيويورك تايمز - بين “الإستقرار الاستراتيجي” وإحتواء الصدام ...
- الشرق الأوسط في المنظار الروسي: الحرب، ترامب، ومستقبل النفوذ ...
- ألكسندر دوغين - النصر على النوم - Disrupt (برنامج إيسكالاتسي ...
- بين موسكو وبكين: لماذا ترى النخبة الروسية أن الدولة تخسر معر ...
- كيف يقرأ العقل الجيوسياسي الروسي تاريخ الصراع مع الغرب؟
- هل يظهر «غورباتشوف حماس»؟ قراءة روسية في أخطر صراع داخل الحر ...


المزيد.....




- صور تكشف جمالاً خفيًا لبركان خامد في السعودية
- اصطدام حافلة بفيل.. شاهد اللحظات الدامية
- رغم التوترات الإقليمية.. نحو مليوني مسلم يتوافدون لأداء مناس ...
- بعد تراجع المواليد.. عدد سكان مصر يزيد بمعدل 5000 نسمة في ال ...
- فيروس إيبولا: كندا وجزر البهاما تفرضان حظرا على دخول القادمي ...
- عطل فني يوقف موقتا البث المباشر لقناة فرانس24 عبر منصاتها ال ...
- سنتكوم: غيرنا مسار 108 سفن منذ بدء حصار إيران
- ماذا لو قلصت أمريكا مساعداتها العسكرية لإسرائيل؟
- إثيوبيا تستعد للانتخابات العامة السابعة بمشاركة أكثر من 50 م ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال القائد العسكري الجديد لحماس


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - غزة… جغرافيا الألم المفتوح