|
|
بين مضيق هرمز وجبهة لبنان: هل ينهار الحوار الأمريكي ـ الإيراني تحت نيران التصعيد الإسرائيلي؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 02:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
5 حزيران يونيو 2026
تصعيد ميداني يهدد آخر جسور التفاهم
في وقت كانت فيه الأنظار تتجه نحو المسار التفاوضي الهش بين واشنطن وطهران، عادت جبهة لبنان لتفرض نفسها بوصفها العامل الأكثر قدرة على نسف أي تفاهمات محتملة بين الطرفين. فالتطورات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من تهديدات متبادلة ومواقف متشددة، تعكس حقيقة مفادها أن مستقبل الحوار الأمريكي ـ الإيراني بات مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار الحرب الدائرة في الإقليم أكثر من إرتباطه بطاولة المفاوضات نفسها. في هذا السياق، نشر الكاتب والمحلل السياسي الروسي يوري مافاشيف في 3 حزيران/يونيو 2026 مقالاً بعنوان "الضربات الإسرائيلية على لبنان قد تنسف الحوار الأمريكي الإيراني الهش"، بينما قدم الخبير السياسي أندريه أريشيف رؤية موازية في تصريح خاص لقناة "ذا إكسبيرت"، ركز فيها على العقبات البنيوية التي تجعل المفاوضات معرضة للغرق في "مستنقع المطالب المتناقضة".
مذكرة تفاهم أم هدنة مؤقتة؟
بحسب أريشيف، تتمحور المفاوضات الحالية حول مذكرة تفاهم تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار بصورة رسمية، وتأمين إعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز، ووضع إطار زمني لمناقشات لاحقة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. غير أن هذه الأهداف تبدو أكثر هشاشة مما توحي به التصريحات الدبلوماسية. فبينما تحاول واشنطن الحفاظ على الحد الأدنى من الإستقرار، يستمر العدوان الإسرائيلي على لبنان تحت عنوان مواجهة حزب الله، الأمر الذي تعتبره طهران إنتهاكاً مباشراً للظروف السياسية التي سمحت أصلاً بإطلاق الحوار. ومن هنا تبرز المعضلة الأساسية: كيف يمكن الحديث عن تهدئة أمريكية ـ إيرانية بينما تستمر ساحات المواجهة الإقليمية بالإشتعال؟
لبنان... العقدة التي تربط كل الجبهات
التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان وتهديد الضاحية الجنوبية لبيروت أعاد خلط الأوراق بالكامل. فإسرائيل أعلنت توسيع عملياتها العسكرية وسيطرتها على مواقع إستراتيجية في الجنوب اللبناني، مؤكدة أن الهدف هو تفكيك البنية العسكرية لحزب الله. في المقابل، رد الحزب بسلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد أهداف في شمال إسرائيل، في واحدة من أكبر موجات القصف منذ إتفاق التهدئة السابق. اللافت أن التصعيد لم يبق محصوراً في الإطار اللبناني الإسرائيلي، بل سرعان ما تحول إلى ملف إقليمي واسع النطاق، بعدما ربطت طهران بصورة مباشرة بين إستمرار الهجمات الإسرائيلية ومستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة. فوفقاً لما نقله مافاشيف، أكدت شخصيات إيرانية بارزة أن إستمرار العمليات الإسرائيلية قد يدفع طهران إلى تعليق الحوار مع واشنطن، بل وربما الإنتقال إلى مواجهة أكثر مباشرة مع إسرائيل.
ترامب ونتنياهو: خلاف غير مسبوق خلف الأبواب المغلقة
من أكثر الجوانب إثارة في التطورات الأخيرة ما كشفته تسريبات إعلامية حول مكالمة متوترة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فبحسب المصادر التي إستند إليها المقال، أبدى ترامب غضباً شديداً من إحتمال توجيه ضربة واسعة إلى بيروت، معتبراً أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى إنهيار المفاوضات الجارية مع إيران وإشعال المنطقة مجدداً. وتعكس هذه التسريبات وجود تباين واضح بين أولويات واشنطن وتل أبيب. فبينما يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تثبيت هدنة تسمح بترتيب ملفات أكثر إلحاحاً، تواصل إسرائيل النظر إلى الساحة اللبنانية بإعتبارها جزءاً من معركتها الإستراتيجية ضد إيران ومحورها الإقليمي.
هرمز: الورقة الأقوى في يد طهران
إذا كان الملف اللبناني يمثل ساحة الإشتباك الظاهرة، فإن مضيق هرمز يظل الورقة الأكثر حساسية في الحسابات الإيرانية. أريشيف يشير إلى أن طهران تواصل إظهار قدرتها على التأثير في حركة الملاحة البحرية الدولية، الأمر الذي يحد من قدرة البيت الأبيض على فرض معادلات جديدة بالقوة. ويستشهد بتصريحات مسؤولين إيرانيين إعتبروا أن السيطرة على المضيق تمثل قيمة إستراتيجية تفوق امتلاك عشرات القنابل النووية، وأن هذا الملف لن يكون مطروحاً للتفاوض بأي شكل من الأشكال. وتكشف هذه التصريحات عن طبيعة التفكير الإستراتيجي الإيراني الذي يرى في هرمز أداة ردع جيوسياسية قادرة على تعويض جزء كبير من الفجوة العسكرية التقليدية مع الولايات المتحدة.
من هرمز إلى باب المندب... توسيع ساحات الضغط
لم تعد التهديدات الإيرانية مقتصرة على مضيق هرمز وحده. فالمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني لوحت أيضاً بإمكانية تفعيل أوراق ضغط أخرى في باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية. ويعني ذلك عملياً أن أي إنهيار للتهدئة الحالية قد لا يقتصر على الساحة اللبنانية أو الخليجية، بل قد يمتد ليشمل شبكة واسعة من الممرات البحرية التي يعتمد عليها الإقتصاد العالمي. ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة الإيرانية واضحة: أي تصعيد إسرائيلي واسع ستكون له كلفة إقليمية ودولية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
الحرس الثوري يزداد نفوذاً
جانب آخر بالغ الأهمية يلفت إليه أريشيف يتعلق بالتغيرات داخل بنية السلطة الإيرانية نفسها. فخلال العام الماضي تعرضت إيران لسلسلة من الضربات والإغتيالات التي إستهدفت شخصيات سياسية وعسكرية وعلماء مرتبطين بالبرنامج النووي. وقد أدى ذلك، بحسب تقديره، إلى تعزيز موقع النخبة العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري. هذا التحول يجعل فرص تقديم تنازلات إستراتيجية أقل من السابق، لأن مراكز القوة الأكثر تأثيراً أصبحت تميل إلى تبني مقاربة أمنية أكثر تشدداً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن تصريحات قادة الحرس الثوري الأخيرة، والتي أكدت إمتلاك طهران "أوراقاً لم تستخدم بعد"، تعزز الإنطباع بأن إيران لا ترى نفسها في موقع الطرف المهزوم أو المستعد للرضوخ لشروط خصومه.
لماذا تبدو الخيارات الأمريكية محدودة؟
يشكك أريشيف في قدرة الولايات المتحدة على تغيير المعادلة ميدانياً. فأي عملية برية واسعة داخل إيران ستتطلب حشداً عسكرياً ضخماً وتحملاً لخسائر بشرية وسياسية كبيرة، بينما تبدو محاولات خنق الصادرات الإيرانية أو فرض حصار كامل على موانئها محدودة الفاعلية. وفي الوقت ذاته، لا تسمح الظروف السياسية الداخلية الأمريكية ولا البيئة الإقليمية الحالية بخوض مغامرة عسكرية مفتوحة النتائج. وبذلك تجد واشنطن نفسها أمام معضلة مزدوجة: فهي لا تستطيع فرض شروطها بالقوة بسهولة، وفي الوقت نفسه لا تملك ضمانات حقيقية لنجاح المسار الدبلوماسي.
مستقبل غامض ومخاطر متزايدة
تكشف المعطيات التي عرضها كل من أندريه أريشيف ويوري مافاشيف عن صورة إقليمية شديدة التعقيد. فالحوار الأمريكي الإيراني لم يتحول بعد إلى مسار مستقر، بل ما يزال أقرب إلى هدنة مؤقتة تحكمها توازنات ميدانية متقلبة. وفي حين تسعى واشنطن إلى تثبيت تفاهمات محدودة تمنع إنفجار المنطقة، تتمسك طهران بربط أي تقدم تفاوضي بوقف شامل للهجمات الإسرائيلية في لبنان، بينما تواصل إسرائيل العمل وفق أولوياتها الأمنية الخاصة. لهذا تبدو المفاوضات الحالية محاطة بسلسلة من الألغام السياسية والعسكرية. وأي خطأ في الحسابات، سواء على جبهة لبنان أو في مضيق هرمز أو باب المندب، قد يحول الهدنة الهشة إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، ويعيد الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من عدم الإستقرار يصعب التنبؤ بنتائجها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل إنتهى زمن «الأوليغارشية المحايدة» في روسيا؟
-
بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات
...
-
من صفحات التاريخ - أيار 1941: الحرب على الأبواب
-
من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم
...
-
نتائج الحرب على إيران - من إستنزاف الصواريخ إلى خرائط التجار
...
-
ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا عل
...
-
كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي
...
-
ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
-
الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون
...
-
روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟
-
غزة… جغرافيا الألم المفتوح
-
أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
-
لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
-
حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت
...
-
بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف
...
-
النكبة: ست حقائق أساسية
-
حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
-
ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن
...
-
الحرب بدأت بالفعل
-
بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأورو
...
المزيد.....
-
مصر.. طلب إحاطة للحكومة بشأن مطاعم -نظام الطيبات- وسط تحذيرا
...
-
زيلينسكي يقترح في رسالة إلى بوتين عقد لقاء بينهما في دولة مح
...
-
مباشر: مقتل ما لا يقل عن 8 أشخاص في لبنان وجندي إسرائيلي رغم
...
-
ترمب: لا نحتاج لاتفاق مع إيران للحصول على اليورانيوم المخصب
...
-
كيف أربكت مسيرات حزب الله الجيش الإسرائيلي وكشفت ثغراته؟
-
رسالة الوحدة الإيرانية: لماذا حذّر خامنئي من الانقسام ؟
-
بسبب إيفانكا ترامب.. هل أحرق متظاهرون مقر رئاسة وزراء ألباني
...
-
حرب باردة أم مباشرة.. إلى أين تتجه الأمور بين روسيا والناتو؟
...
-
إلى إدغار موران الفيلسوف الذي روّض تعقيدات القرن
-
اليمن.. استهداف مقر إقامة عضو في مجلس القيادة الرئاسي بـ3 مس
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|