كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 04:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
للمرة العاشرة لم يكسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، تقاليده السنوية عند افتتاح منتدى سان بطرسبورغ الدولي ، وحرصه على لقاء رؤساء وكالات الانباء والاعلام الدولية على هامش المنتدى ، وهذه المرة كان اللقاء في قصر قسطنطين بمدينة ستريلنا، واستمر لأكثر من ساعتين بقليل ، وشكّل حدثًا بارزًا، وكما جرت العادة، طرح الصحفيون مجموعة واسعة من الأسئلة، فقد أجاب بوتين عليها جميعا ، وكان الموضوع الأكثر إلحاحًا، وكما كان متوقعًا، هو الأزمة الأوكرانية.
ولعل الحدث الابرز في هذا اللقاء هو تصريحات بوتين ، بأن روسيا مستعدة لإبرام اتفاقية سلام مع أوكرانيا استنادًا إلى الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في أنكوريج، وأن كل ما تبقى هو إقناع كييف ، والتأكيد عن استعداد موسكو للحوار مع الاتحاد الأوروبي، وعدم نيتها الدخول في حرب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، إلا أن الرئيس الروسي وصف الخطاب الغربي الحالي تجاه روسيا بأنه استفزاز متعمد ، وفي الوقت نفسه، هناك من يختارون مسار التعاون المتبادل المنفعة منذ عقود، حيث تبقى الصين والهند شريكين رئيسيين لروسيا.
وفي رده على سؤال مراسل أمريكي، أكد رئيس البلاد أن القوات المسلحة الروسية ، تتقدم يوميًا على طول خط الجبهة لتحقيق جميع أهداف المنطقة العسكرية المركزية ، فقد سيطر الجيش سيطرة كاملة على أراضي جمهورية لوغانسك الشعبية، ويستعد لاستعادة دونباس بالكامل ، وعلى النقيض من ذلك، تفقد القوات المسلحة الأوكرانية 20 ألف جندي شهرياً بسبب حالات الفرار، مما يُعرّضها لنقص حاد في الأفراد ، وقد انخفضت قوة الجيش الأوكراني مؤخراً بمقدار 100 ألف جندي، مع خسائر شهرية تصل إلى 40 ألفاً، وفقاً لما ذكره بوتين ، فإن عدد الفارين من القوات المسلحة الأوكرانية منذ بداية العام بلغ حوالي 60 ألفاً.
علاوة على ذلك، إذا وافقت كييف على تقديم تنازلات، فمن الممكن حل النزاع سلمياً ، وسيكون من المنطقي إبرام اتفاق يستند إلى الاتفاقات التي تم التوصل إليها ، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ألاسكا في أغسطس/آب 2025 ، وقال بوتين: "لقد وافقت روسيا على تقديم تنازلات بشأن أوكرانيا .. وكل ما نحتاجه هو إقناع كييف بذلك" ، موضحا أنه في حال التوصل إلى معاهدة سلام، يمكن توقيعها ، إما من قبل ممثل عن البرلمان الأوكراني ( الرادا الاعلى ) أو من قبل فولوديمير زيلينسكي، الذي انتهت ولايته الرئاسية رسمياً، فكل شيء يتوقف على الوثائق ، ولكن في حال فشل الاتفاق، فإن القوات المسلحة الروسية مستعدة لإنهاء النزاع عسكرياً باستخدام أسلحة ثقيلة ، ولم يستبعد بوتين استخدام منظومة صواريخ أوريشنيك على نطاق واسع في المستقبل ، وأوضح قائلاً: "أعتقد أن تقدم الجيش الروسي سيجبر خصومنا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات".
وفي الآونة الأخيرة، اقترحت أوروبا مراراً وتكراراً المشاركة في المفاوضات بين موسكو وكييف ، وأكد بوتين أن روسيا لم ترفض الحوار مع الاتحاد الأوروبي، لكن إذا أرادت بروكسل اختيار مفاوضين من الاتحاد الأوروبي، فيجب أن تضم الاجتماعات سياسيين تثق بهم ، واقترح الرئيس مناقشة ترشيح مفاوض أوروبي مع وزارة الخارجية أو أجهزة الاستخبارات ، وتجري اتصالات مستمرة بين هذه الأجهزة ، وتعتمد آفاق الحوار بين روسيا والاتحاد الأوروبي حاليًا على مدى استعداد القادة الأوروبيين الحاليين ، لمراعاة بعض مصالح روسيا على الأقل في المجالات الحيوية التي أشار إليها الرئيس الروسي مرارًا ، وحتى الآن، لم يُبدِ سوى عدد قليل من القادة الأوروبيين وقوى المعارضة السياسية رغبةً في ذلك ، وفي هذا الوضع، تُسهم الاتصالات بين أجهزة الاستخبارات في الحفاظ على آخر خيوط التعاون، ومحاولة إحيائه إذا رغبت الدول الأوروبية في ذلك.
والتصريحات المتكررة في الغرب حول ما يسمى بـ"التهديد الروسي" لدول حلف الناتو، واصفها بوتين بأنها "استفزاز متعمد لترويع السكان" وعارية عن الصحة ، ودعا الغربيون إلى التفكير بعقلانية، قائلا: "كل من يفكر في ذلك، يجب أن يسأل نفسه: لماذا؟ لماذا نحتاج إلى ذلك؟" ، واستذكر بالوعود الغربية بعدم توسع الناتو شرقا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مشددا على أنه "تم خداعهم بكل بساطة وبشكل مباشر" .
الرئيس الروسي أعرب عن دهشته من ردود الفعل على ترشيحه المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر ، كمرشح محتمل للتفاوض، قائلا: "هو ليس صديق بوتين. هو رجل دولة ألماني، بل واحد من أفضلهم ، والمهم أنه شخص يسعى لتحقيق الأهداف الوطنية لبلده، لكنه مع ذلك شخص يمكن الوثوق به" ، وحاول بوتين في اجاباته ، اقناع الاوربيين ، بأن روسيا لم ترفض الحوار مع دول أوروبا، ولا تفرض أسماء محددة للمفاوضين، وشدد على أن موسكو ستعمل مع أي قوة سياسية أوروبية تسعى لاستعادة العلاقات ، بما في ذلك حزب "البديل من أجل ألمانيا" ، وأشار إلى أن شعبية الحزب ، تنبع من قدرة قادته على "صياغة مصالح الشعب الألماني والاقتصاد الألماني بوضوح ودقة" ، ولكن في الوقت الراهن، لا يُمكن اعتبار بروكسل طرفًا محايدًا، إذ أعلنت صراحةً رغبتها في هزيمة روسيا ، وأكد ديمتري بيسكوف، أن الكرملين لا يُكنّ أي ودٍّ للولايات المتحدة، التي رغم دورها كوسيط في المفاوضات، لا تزال تُزوّد أوكرانيا بالأسلحة.
والرسالة الاخرى التي اراد بوتين ايصالها الى الاوربيين والاوكران على حد سواء ، هي ما كشفه بوتين عن أن إجراء اختبار للنظام الصاروخي "أوريشنيك" على "مستودع" في أوكرانيا، وأن موسكو قد تتخذ قرارا باستخدامه بشكل كامل ضد أهداف محددة ، لكن وبرأيه أن الدوائر الحاكمة في أوكرانيا غير مهتمة بوقف حقيقي للأعمال القتالية، لأن ذلك سيهدد آفاق احتفاظهم بالسلطة ، واستذكر مسألة شرعية فلاديمير زيلينسكي، التي انتهت ولايته الدستورية في مايو 2024.
وعلى مايبدو إن رسالة الرئيس الروسي ، وصلت الى ( المنتهية ولايته ) في كييف فلاديمير زيلينسكي ، الذي بادر هو الاخر من جانبه برسالة مفتوحة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، يدعوه ، وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بصيغة "الكل مقابل الكل"، بوساطة الدول الغربية، لكنه رفض السفر إلى العاصمة الروسية، داعيًا إلى عقد اجتماع في دولة ثالثة ، وأشترط فيها حضور ممثلين عن أوروبا والولايات المتحدة بشكل أساسي ، مشيرا الى إن مشاركة الدول الغربية ضرورية لضمان الأمن لكلا الجانبين ، وانه ينبغي للولايات المتحدة أن تتولى مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار ، وصياغة بنية أمنية جديدة في المنطقة ، لكن من وجهة نظر المراقبين فإن على زيلينسكي ، أن لاينسى دعوة الكرملين في مطلع عام 2026 ، واستعداده للنظر في إمكانية عقد اجتماع بين بوتين وزيلينسكي في موسكو.
وحتى قبل الاطلاع عليها من قبل الرئيس ، تلقت الشخصيات البرلمانية رسالة زيلينسكي باستغراب كبير ، ومنهم النائب في البرلمان الأوكراني، أولكسندر دوبينسكي، الذي رأى في مبادرة " المهرج " الاوكراني ، بأنها مبادرة لا تُظهر التزامًا حقيقيًا بحل النزاع، وإنما هي مجرد استعراض ، وان مثل هذه الإجراءات محاولة لخلق مظهر من مظاهر النشاط الدبلوماسي ، كما أعرب عن رأيه بأن السياسة الحالية للقيادة الأوكرانية لا تُسهم في إنهاء الأعمال العدائية سريعًا ، في حين أعتبر النائب أرتيم دميتروك، عضو البرلمان الأوكراني، على قناته في تطبيق تلغرام ، رسالة زيلينسكي المفتوحة إلى بوتين ، لا معنى لها ولا تستحق القراءة كاملةً ، وإنها غير منطقية ، وإن هذه الرسالة كما يقول لا قيمة لها، ولا شرعية، ولا مكانة ، وإنها مجرد تلاعب آخر، ومؤامرة أخرى، ولعبة أخرى تُمارس على دماء وأرواح الأوكرانيين ، ويُقال إنها رسالة من رئيس أوكرانيا إلى رئيس روسيا ، لكن هذا غير صحيح ، وان هذا مستحيل، لأن أوكرانيا اليوم بلا رئيس ، فقد انتهت ولاية رئيس أوكرانيا ، في 20 مايو 2024، واليوم، تم الاستيلاء على السلطة في أوكرانيا ببساطة.
والموضوع المهم الاخر ، وبصفتها دولة رائدة، يمكن لروسيا أيضاً أن تلعب دوراً بنّاءً في الصراع الدائر في الشرق الأوسط ، وقد أثار هذا الموضوع اهتمام مارك بينديك، رئيس تحرير الشؤون الدولية في وكالة رويترز للأنبا ، فروسيا قد شاركت بالفعل في نزع فتيل الصراع الطويل الأمد بين الولايات المتحدة وإيران ، بإزالة اليورانيوم المخصب عام 2015، الأمر الذي سمح في نهاية المطاف بتفعيل الاتفاق النووي ، وأشار بوتين إلى أن مقترح إزالة اليورانيوم لا يزال مطروحًا، وقد أُبلغ الطرفان به ، وانه وبغض النظر عن ذلك، فإن إغلاق مضيق هرمز يؤثر على الاقتصاد العالمي برمته، مما يُفاقم أزمة الطاقة ، وقد أكد على ذلك بشكل خاص شهرات عارف، رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية ، وتُدرك موسكو هذا الأمر تمامًا ، وكما صرّح الرئيس الروسي : "إذا كان هناك أي شيء يعتمد على روسيا، فنحن دائمًا على أهبة الاستعداد لتقديم يد العون".
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟