أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرضا المادح - المولود...! - قصة قصيرة















المزيد.....

المولود...! - قصة قصيرة


عبد الرضا المادح
قاص وكاتب - ماجستير تكنلوجيا المكائن


الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 01:44
المحور: الادب والفن
    


لم يمضي على زواجهما سوى ثلاث سنين ضبطتها مع دورتها ودورة القمر بين بدر وهلال، يزداد قلقها وانفعالها كلما غاب القمر، تحاول أن تهرب من عذابها باللجوء الى كثرة الدعاء والسجود، تمسح بيدها للتبرك على القبة المذهبة المرسومة على سجادة الصلاة المخملية، ترفع عينيها ويديها الى السماء وتتمتم بشفتيها الورديتين بكلمات مخنوقة، تحاول أن تُقنع نفسها كل يوم، بأن ولياً صالحاً قد ظهر أمام عينيها في احلام اليقظة بلحيته البيضاء و وجهه النوراني وهو يبشرها بقرب حملها بصبي جميل الطلعة عذب البسمة، سيُدخل السعادة في حياتِهما بكركراته والعابه البهلوانية، فتنتهي عذاباتها المضنية ويكفّ الأهل عن ملحتهم بالسؤال عن سبب تأخر الحمل.
كل يوم تعدُّ مالذّ من الأطباق الشهية قبل عودة حبيبها من العمل، ثم تهرول الى الحمام لتغتسل بماء معطر بالورد، وتقف أمام المرآة عاريتةً لتزيل بالملقط بعض الشعيرات الزائدة حول حاجبيها وتبحث في رأسها عن شعرة بيضاء ربما تسللت خلسة الى سواد شعرها القاتم، ترفع قدمها اليمنى ثم اليسرى لتقارن لون الحناء اسفل قدميها مع باطن كفيها ثم تتفحص جسدها الممشوق، ترفع نهديها البضين الناتئين المتناسقين، تنظر الى خصرها النحيف المتناسق مع تكوّر مؤخرتها، يغمرها شعور بالرضا لحسن جمالها و قوة اغرائها، تُطلق تنهدات عميقة وتتسائل مع نفسها مع حركة خفيفة من شفتيها الورديتين:
- لماذا يرفض أن يداعبني ويغور في احضاني رغم أني أسعى وبكل اساليب الاغراء والتشويق من أجل ابتغاء رضاه واسعاده؟ هل مات الحب في قلبه؟ ألم أعد جميلة بنظره كما كان يردد؟ هل عشق امرأة اخرى؟ لماذا يرفض أن نذهب للطبيب لنعرف سبب عدم الانجاب؟! آه... يا إلاهي كم اتعذب... كم اتعذب... لماذا لاترزقني بطفل لتنهي معاناتنا؟ دخيلك... دخيلك... دخيلك يا رحمن يا رحيم!!
اقرت بعجزها وأن لاحل لها إلا بطلب العون، ولكن كيف ستبوح بسرّها في وسط شعبي مغلق التقاليد، حتى صديقتها قد لاتصبرعلى كشف معاناتها أمام الاخريات كثيرات الثرثرة فينتشر سرها كالنار في الهشيم.
بعد تردد دعت جارتها صديقة الطفولة التي تستكين لها عند الشدائد، فشرحت لها معاناتها وخوفها الشديد من أن يطلقها زوجها الحبيب، علت الدهشة وجه صديقتها ممزوجة بعبارات العتب لتأخرها في طلب العون، وحدثتها بصوت خفيض مكلل بنبرة العارف الواثق من صحة الخبر وصدق النوايا والطريقة المجربة ونتائجها المضمونة، فنصحتها بالذهاب معاً الى شيخ معروف ببركاته، حيث اكدن لها الكثير من النسوة أللائي تأخر انجابهن، أنهنّ قد حصلن على مُرادهّن من الشيخ بعد أكثر من جلسه معه لطرد الارواح الشريرة، وقد أكدن أيضا قوته وقدرته على ارعاب تلك الارواح، وانقذ الكثير من المعذبات بعد أن قرأ عليهن آيات وأدعية وربط تعاويذ وخيوط قماش خضراء على أفخاذهن، فتحققت معجزة الانجاب وتغيرت حياتهن وغمرتهن السعادة...!
في ذلك اليوم الموعود تطهّرت ورشّت ماء الورد على جسدها الساخن ليلتهب عطراً وحيوية، كانت منشرحة النفس راضية مستسلمة لقدرها وايمانها الكبير بحصولها على مُرادها، لأنها ستقابل الشيخ الوقور ذو القدرة العجيبة كما تتناقل النساء همساً في مجالسهن.
طرقتا الباب، وبعد برهة إنفتح محدثاً صريراً خفيفاً، فأطل بطوله الفارع ووجهه الأربعيني النوراني الممتليء ولحيته المهذبة المائلة إلى الحمرة، قالتا وبصوت واحد:
ـــ السلام عليكم شيخنا.
ـــ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلوا... تفضلوا... كنت على وشك الذهاب الى الجامع!
دلف إلى غرفة بابها يجاور باب الدار الرئيسي، تبعنه وأشار بالجلوس إلى كنبة خشبية فرشت بسجادة صوفية عتيقة، لملم عباءته السوداء وجلس أمامهنّ على الكنبة المقابلة، خافضاً بصره يطقطق بسبحته الطويلة مكرراً كلمات الحمد والاستغفار...!
ـــ تفضلوا ماهي مشكلتكم عسى أن استطيع حلها بعون الله ورسوله!
بادرت الجارة الى الجواب لشعورها بخوف وحرج صديقتها:
ـــ الله يحفظك ياشيخنا، أنت لاترد المحتاج، صديقتي لاتعاني من مرض، ولكن المشكلة أنها قلقة من عدم الحمل منذ ثلاث سنين، ولا نعلم هل السبب منها أم من زوجها!؟
عدّل من وضع عمامته الكبيرة البيضاء ثم تنحنح وأجاب:
ـــ مفهوم... مفهوم..، مرّت علي الكثير من امثال هذه الحالة، لاتقلقنّ طالما هناك رب غفور يخلق ويرزق من يشاء بقدرته!
بدأ حديثه بوقار وخشوع المؤمن وهو يمسد لحته، شارحاً لهُنً بأن الجلسات ليست سهلة وتأخذ وقت ولها شروط، أهمها الاستعداد النفسي والقبول والطاعة لتعاليمه والتطهر ولابدّ من دفع مبلغ مقدماً والمؤخر بعد ظهور علامات الحمل، وأكد على ضرورة الحفاظ على سريّة طقوس الجلسات وإلا فأنه لايستطيع مساعدتها في طرد الجن الذي تلبّس جسدها ويحرمها من الحمل.
أكدت له قبولها بما يأمر ويفعل وأنها قد تطهرت قبل مجيئها، وطلب منها أن تنتظره خارج الغرفة.
همس لصاحبتها بأن لاتقلق عندما تسمع صراخاً، فهذه الحالة طبيعية تحدث مع النساء المصابات بالجن الذي يعذبهن اثناء إخراجه من اجسادهن، كما طلب منها أن تردد طول الوقت دعاء الشفاء الذي لقنه إياها وأن لاتخرج من هذه الغرفة وإلا ستفسد عمله.
إجتاز حوش الدار المربع وتبعته الى غرفة في الزاوية البعيدة، أغلق الباب فاصطكت اسنانها رهبة، ظلام تطرزه أشعة انوار الشموع المتراقصة على ستائر سوداء، رائحة البخور تتلوى وتتمدد في الفضاء كأفعى تحررت من سعير الجمر الملتهب في مبخرة فضية مرصعة بالأحجار الملونة، طلب منها أن تنزع عبائتها وتجلس على السرير العريض الوحيد والذي يتوسط الغرفة، علّق عبائته على مسمار مثبت على الحائط، ثم وقف أمامها وبدأ بقراءة بعض الآيات التي يرد فيها ذكر ابليس والجن واضعاً يده برفق على رأسها، طلب منها أن تردد بعض العبارات التي لم تسمع بها سابقا ولم تفهمها، تناول بيده اليسرى مرشة ماء وَرد وأخذ ينثر بقطراته على رأسها ورقبتها، يده اليمنى تمسح برقة جبهتها وخديها نزولا عند رقبتها، شفتيه ترتجف بكلمات مبهمة لاتفهم منها سوى ذكر الله متعمداً نطقها بوضوح، وضع كفيه على كتفيها ودفعها برفق لتضطجع على ظهرها، جفلت ونهضت فدفعها مرة اخرى مؤنباً بلطف:
اسغفر الله يا ابنتي لاتفسدي عليّ عملي، وإلا فأن الجن ستشعر بضعفنا وتنتقم منك ومنّي! ــ
اهابها ما قاله الشيخ فأستسلمت بهدؤ، شعر بذلك فأخذ يصعّد من طقوسه الجريئة فتناول أبريق ماء وطشت ووضع قدميها فيه، وبدأ يسكب الماء عليهما وهو يمرر يديه على بشرتها الناعمة صعوداً ونزولاً، رأى علامات الاسترخاء تدب في عينيها، أزاح الابريق والطشت وجلس بين قدميها مستمراً بحركة يديه متسللاً ببطأ إلى الأعلى، بدأ الخدر والشعور باللذّة يتملكها وأدركت أنه سيفعلها، تلوّت تحته حاولت أن ترفض بضعف وقالت:
ــ ماذا تريد أن تفعل ياشيخ، لا أريد... لا أريد... سأصرخ!!
هوى بجسده عليها فتدحرجت عمامته في وسط الغرفة ووضع شفتيه على شفتيها وتعانقا الجسدان.
فتحت عينيها ولمحت الجن متلفّعاً بالدخان يفرّ هارباً من كوة صغيرة في أعلى الجدار، دبّ السرور في قلبها وتمتمت في سرها:
ــ جاء الولد... جاء الولد...!

2018.07.14



#عبد_الرضا_المادح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حروب مالك الحزين- في ظل قسوة المهجر! – عرض رواية.
- المغفلون...! قصة تسجيلية قصيرة
- المصير المجهول! - قصة قصيرة
- الحظ السعيد - قصة قصيرة
- الشيخ الماكر...!
- أشباح...! - قصة قصيرة
- وحش المعركة - قصة قصيرة
- Z... والوطن - قصة قصيرة
- همسات على نهر الفولغا - قصة قصيرة
- هادي (أبو القواطي) - قصة قصيرة
- قصص قصيرة جدا ً
- قسمة - قصة قصيرة
- ظلام الفنار - قصة قصيرة
- طائر اليورانيوم - قصة قصيرة
- سعادة مُعاقة - قصة قصيرة
- رقم ـ قصة قصيرة
- خسوف ـ قصة قصيرة
- حافلة الذكريات ـ قصة قصيرة
- جليد الاوهام قصة قصيرة
- ثوب الخلود ـ قصة قصيرة


المزيد.....




- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية - ...
- لم يتمكن من السفر فابتكر عوالم مدهشة.. هذا ما فعله فنان تايو ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرضا المادح - المولود...! - قصة قصيرة