أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فاتن نور - جهابذة السوس














المزيد.....

جهابذة السوس


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 01:41
المحور: كتابات ساخرة
    


(1)

بوجاهة ذلك الشيء المتكور فوق رأسه كانت ابتسامته الباردة. جلس بوقار غير مكترث لما سيحدث خلف قضبان الأسئلة:

لدينا أدلة دامغة على تورطك بقضايا فساد مالي كبيرة، هل تستطيع الطعن بصحتها؟
.. ولماذا أطعن بما هو صحيح ودامغ لديكم! أجاب بهدوء لافت متحسسًا شيئه المتكور بعناية.

إذن أنت معترف بتورطك بقضايا فساد كبيرة، أليس كذلك؟
.. أنا معترف بوجود تورط بالقرائن والأدلة. أما التورط الشخصي فشيء آخر. أرجو توخي الحذر يا حضرات كي لا تلتبس الأمور عليكم.. ردّ بفتور ممزوج بسخرية ثقيلة.

مَن شركاؤك أذن وكم عددهم؟ اذكر أسماءهم الرباعية.
.. يا حضرات، الوثائق التي بين أيديكم هي فعلًا أدلة دامغة على فساد كبير، أقرّ بذلك، لكنني لا أعرف لماذا أنا المتهم هنا، ولماذا تتوقعون أن يكون لدي شركاء.

هل تنكر أنها تواقيعك وأختامك الرسمية وأوامرك المحررة؟ تذكّر أنك اعترفت ضمناّ بتورط جماعي.
.. حاشا لله، ولماذا أنكر ما لم أفعل؟ أنا في الحقيقة كنت مجرد وسيط، وسيط فقط غير واعٍ بأفعاله.

هذا ليس مكانًا للتندر.. لتكن إجاباتك واضحة وصريحة.. علّق العضو الأكثر شيبًا بتذمر ملحوظ.
.. حسنًا، منذ أن تسنمت منصبي، في نفس اليوم، أجل، في نفس الساعة تحديدًا، شعرت بثمة شيء يجرني إلى حيث لا أريد. صنوف من الموبقات والرذائل لم أكن أعلم بوجود مثلها، بدأت بممارستها على غير هدى رغمًا عني.

رغمًا عنك! هذا غريب.
نطق بها رئيسهم الأصلع ملتفتًا يميناّ وشمالاّ كأنه يجس نبض أعضاء اللجنة، وأكمل بنبرة حادة:
بدون تلاعب بالمفردات عليك أن توضح، لا نريد سماع ثرثرات مشفرة هنا.
.. حسنًا، لتكن إذن لغة بيان. هل تؤمنون بالجن يا حضرات؟

شعرت اللجنة بالانزعاج والتوجس من السؤال. ساد المكان صمت حذر، ثم عاد رئيسهم الأخنف لنبرته الحادة:
لا يمكن أن نأخذ بهذا الإدعاء. أنت لا تمتلك دليلًا على أن الجن قد تلبّسك. ما تقوله محض هراء، بلى إنه هراء دارج.

انشرحت أسارير الرجل، ومسّد ذلك الشيء المتكور بخفة وكأنه يعبر عن قيمته بامتنان، ثم أجاب بنبرة الواثق:
.. يا له من ابتلاء! أوتريدون مني دليلًا والدليل الدامغ بين أيديكم يا سادة؟
نعم، الدليل بين أيديكم بتواقيعي وأختامي الرسمية وأوامري ومفاتحاتي السرية. انتبهوا، لا يمكن لإنسيٍّ أن يتورط بهذا الكم الهائل من صفقات الفساد المرعبة. كيف عقلتم أن الساعة الأولى من تسنم المنصب كانت كافية لخلق هذا المحيط الهائج من الفساد؟ احسبوها بالعقل، بالدين، يا حضرات.

بعد التشاور اتخذت اللجنة قرارها بغلق الملف، على أن يعاد فتحه في الوقت المناسب بعد خروج صاحب الزمان.
في اليوم التالي، قدّم الرجل ذو الشيء المتكور طعنًا بالقرار الجائر لعدم وجود مسوغ شرعي للتأجيل، متذرعًا بأن لصاحب الزمان وكلاء أمناء مخلصين، يتشاورون معه في حجرة غيبته الكبرى، ويمكنهم الفصل في قضايا التلبّس.

(2)

بين أيدينا شكاوى ضدكم. جمهرة من الفقراء يتهمونكم باستغلالهم واستثمار أموالهم في مشاريع رديئة. اطلق البعض عليها اسم هوامير قوت الفقراء.
حك الرجل الستيني جبينه المبقّع وأجاب بنبرة العارف:
.. مثل هذه الشكاوى متوقعة، إنها من أناس مدسوسين. محاولة تشويه سمعة الجمعية باتت مسألة مفروغًا منها، وكما تعلمون أن جمعية العارفين منذ تأسيسها هي ظهير الفقراء وسند المحتاجين والمظلومين.

هذا صحيح، ولكن الشكاوى كثيرة ومتنوعة، ويبدو أنها قد بلغت الزُّبى منذ افتتاح مشاريعكم الخيرية. لا يمكننا التغاضي عنها بعد الآن. ساد التصور بين العوام بأنها في الحقيقة مشاريع استثمارية نفعية. يقولون أن نفعيتها تقصم الظهور.
.. كثرة الشكاوى دليل على نظافة مشاريعنا ومهنيتنا في التعامل. وجود الحاسدين أمر متوقع أيضًا. طبعًا أنتم تؤمنون بالحسد. نحن نعيش في زمن كثر فيه الحسّاد وثقلت جيوبهم للنيل من أهل الخير.

هل تريد أن تقول إن الفقراء يعادون المشاريع الخيرية؟
.. تمامًا! هذا ما أردت قوله.

ولكن لماذا يعادي الفقراء، بتصورك، المشاريع التي تخدمهم؟
.. الطمع يا سادة، إنه الطمع. الفقراء لا يكتفون بالمعونة، يريدون كل شيء بالمجان المطلق، إنهم جشعون حقًا.

ما تقوله نعرفه جيدًا، ولكن بين أيدينا وصولات لمدفوعات خيالية من مرضى دخلوا للعلاج وخرجوا يعانون من صدمات نفسية. رداءة الخدمات وعدم كفاءة الطواقم الطبية العاملة كانت كفيلة بتدميرهم.
.. يا حضرات، يبدو أن بين أيديكم الكثير من القيل والقال المناهض لمسيرتنا الإنسانية، ولكن لا مكان للأقاويل والشكاوى المغرضة في هذا المقام المحترم.

بلع ريقه وزم شفتيه ليرمي سؤاله القنبلة:
هل تؤمنون بالحاقة الآزفة؟ بيوم الفصل العظيم بين الحق والباطل، يوم جز أصواف الكباش الفاسدة وارجاع الجلود للحملان. قطعاّ أنتم تؤمنون بيوم التغابن، فتمهلوا، لأن في التأني السلامة يا حضرات، وفي العجلة الندامة كما تعلمون.
أنهى حديثه منتشيًا. قدرته الدفاعية في الخلاص من كمائن الفقراء وفخاخهم القذرة كانت مثار فخره.

حال ارتخاء أفواههم التي ظلت فاغرة طوال حديثه المفحم، وبعد تشاور سريع؛ قررت اللجنة تأجيل القضية وكل القضايا المماثلة إلى يوم القيامة، لأنه يوم الحساب العظيم، لا تعلو عليه حسابات البشر وأحكامهم، يوم يزهق الباطل في أوانه الموعود، إن الباطل كان زهوقًا.

ظهرت بعد مضي أقل من عام مستودعات ضخمة في عاصمة السوس، وبرز مبنى متاخم متعدد الطوابق، كتب على كورنيش واجهته الفولاذية بالخط الضوئي:
.. الأمانة العامة لقضايا صاحب الزمان ويوم القيامة المؤجلة ..
ورقعة كبيرة من الخام السميك ظهرت ملتصقة بجدران المدخل الخارجية في جانبه الشمالي، كتب عليها:
..قيد الإنشاء، قسم الأمانة المالي لتعويض المتضررين من تأجيل قضاياهم شهرياً.



June 04, 2026




#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مساحات 8
- بلا جوهر
- مساحات 7
- وقفة مع مصنع السحاب
- صنو الكريستال
- مساحات 6
- قبعات
- القناع والظل
- هستيريا جزيرة إبستين
- أسوار مفتوحة
- هجاء
- التآكل بمياه النهر
- العاطفة في زمن الثقافة الاستهلاكية
- المتحرشون ضحايا أيضاّ
- عصيّ الدولة الرخوة
- الطريق المختصرة
- التهافت ضد الموسيقى
- مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
- هي ذاتك الجريحة
- اليسار وهشاشة التحالفات السياسية


المزيد.....




- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - فاتن نور - جهابذة السوس