أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل















المزيد.....

السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 11:59
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


​سعد محمد عبدالله

​تكشف العلاقات السودانية الروسية تطورًا متواصلًا يعود إلى تاريخ طويل وزاخر من التعاون السياسي والدبلوماسي والإقتصادي، غير أن هذه العلاقات إكتسبت بعدًا إستراتيجيًا أكثر وضوحًا عقب إندلاع الحرب في السودان، ونقرأ ذلك في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتنامي الحاجة إلى بناء شراكات متوازنة تقوم على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛ فقد شكّلت زيارة القائد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، إلى روسيا الإتحادية في يونيو 2023م محطة مهمة جدًا في مسار العلاقات الثنائية، حيث إلتقى آنذاك بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وبحث معه تطورات الأزمة السودانية والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي ساهمت في تعقيد المشهد الداخلي وإطالة أمد الحرب، وجاءت هذه الزيارة لتعكس رغبة السودان في صياغة سياساته السيادية نحو تنويع علاقاته الخارجية والإنفتاح على القوى الدولية المؤثرة في خارطة العالم، وفق رؤية وطنية تحقق إستقلال القرار الوطني وتحفظ سيادة الدولة السودانية؛ كما قاد القائد عقار مشاركة السودان لاحقًا في المنتدى الإقتصادي الدولي بمدينة سان بطرسبرغ خلال عام 2024م، حيث أكد مجددًا إهتمام الخرطوم بتعزيز التعاون الإقتصادي والإستثماري مع موسكو، خاصة في مجالات الطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية، وهي قطاعات تُعد من الركائز الأساسية لعملية إعادة الإعمار والتنمية بعد إنهاء الحرب، وتبرز أهمية العلاقة بين السودان وروسيا نظرًا إلى الموقع الجيوسياسي المهم للسودان المطل على البحر الأحمر، وتأثيره المباشر على أمن وإستقرار الإقليم، إلى جانب الحضور الروسي المتزايد في القارة الإفريقية عبر عقد شراكات إقتصادية وأمنية متعددة الأوجه والأبعاد، مما يجعل من التعاون بين البلدين ضرورة سياسية وإستراتيجية تفرضها متغيرات الواقع الدولي الجديد.

​في خضم تصاعد الأزمات الأمنية والإقتصادية في إفريقيا وخارجها، لا سيما منطقة الساحل والقرن الإفريقي، أضحت الدعوات إلى بناء نظام دولي جديد ومتعدد الأقطاب أكثر حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي الإفريقي، حيث يرى كثير من المفكرين والسياسيين والإعلاميين أن النظام الدولي الحالي لم يعد قادرًا على تحقيق العدالة أو ضمان التوازن في العلاقات الدولية، خاصة مع إستمرار هيمنة القطب الواحد وإستخدام سلاح العقوبات والضغوط السياسية والإقتصادية كوسائل لفرض الأجندات الدولية على الدول الضعيفة، وهنا مع الحديث عن القضايا الإقتصادية وحضور روسيا على المسرح الإفريقي فإننا ننظر بعين الإهتمام إلى مشاركة وزير المالية والتخطيط الإقتصادي د. جبريل إبراهيم في إجتماعات البنك الإفريقي للتنمية المنعقدة بمدينة برازافيل عاصمة جمهورية الكنغو مع نُظرائه من الوزراء الأفارقة، حيث ناقش المشاركون الأداء المالي وخطط البنك المستقبلية المتعلقة بتعزيز التنمية والحوكمة وتمويل المشروعات، وقد دعا الوزير إلى دعم الدول الهشة، وتمكين الشباب والنساء، وتطوير أدوات التمويل، مع مراعاة التفاوت الإقتصادي بين الدول الأعضاء بغية تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة في القارة الإفريقية، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التقارب السوداني الروسي في فضاء إفريقي وعالمي متحول، باعتباره جزءًا من توجه أوسع نحو إقامة شراكات صلبة قائمة على المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وقد جاء حديث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حول مشروع إصلاح "الأمم المتحدة 80" ليعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بضرورة إعادة هيكلة المؤسسات الدولية حتى تصبح أكثر فاعلية وقدرة على التعامل مع التحديات الراهنة بصورة عادلة؛ فالسودان، الذي ظل يعاني لسنوات طويلة من تداعيات الصراعات والتدخلات الخارجية، ينظر إلى هذه التحولات الدولية باعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقاته الخارجية على أسس جديدة تضمن إحترام سيادته وكرامة شعبه ودعم إستقراره الوطني، وفي هذا الإطار، تكتسب العلاقة مع روسيا أهمية خاصة، لأن موسكو ظلت تؤكد في مواقفها الرسمية دعم وحدة وسيادة السودان ورفض أي تدخلات خارجية تستهدف مؤسساته الشرعية، إضافة إلى دعمها المستمر للخرطوم داخل أروقة مجلس الأمن والمحافل الدولية الأخرى؛ كما أن السودان ينظر إلى روسيا بوصفها شريكًا يمكن أن يسهم في تحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، بعيدًا عن سياسات الإستقطاب والهيمنة التي أضرت بكثير من دول العالم النامي خلال العقود الماضية.

​لقد عكست مشاركة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز الأمن والمخابرات العامة، في الإجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية بالعاصمة الروسية موسكو، مستوى التنسيق المتقدم بين البلدين في القضايا الأمنية والإستراتيجية، حيث قدم شرحًا مفصلًا حول تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في السودان، والإنتهاكات الجسيمة التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة بحق المدنيين والبنية التحتية ومؤسسات الدولة، وأكد خلال خطابه أن السودان يعمل من أجل تحقيق السلام والإستقرار وإعادة بناء الدولة عبر مشروع وطني شامل للحوار السوداني داخل السودان، بما يتيح المشاركة لجميع القوى الوطنية دون أي إقصاء؛ كما أوضح أن عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة الخرطوم تمضي بصورة جيدة في إطار خطة وطنية واسعة لإعادة تطبيع الحياة العامة وإستعادة الخدمات الأساسية، موجهًا الدعوة إلى الدول الصديقة للمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتناول كذلك خطورة التهديدات الأمنية الناتجة عن إستجلاب المرتزقة من أكثر من سبع عشرة دولة، معتبرًا أن هذه الظاهرة تمثل شكلًا جديدًا من الإرهاب العابر للحدود، وهو ما يهدد أمن المنطقة والإقليم والعالم، ومن هنا جاءت دعوته إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمةً إرهابية بسبب ما إرتكبته من جرائم وإنتهاكات بشعة، وقد لقيت هذه المواقف تفهمًا روسيًا واضحًا، حيث أكد المسؤولون الروس دعمهم لوحدة السودان وسيادته ورفضهم أي محاولات للتدخل في شؤونه الداخلية أو إستهداف حكومته الشرعية؛ كما شدد الجانبان على أهمية إستمرار التنسيق والتشاور وتبادل الزيارات الرسمية، بما ينسج روابط العلاقات الثنائية ويخدم مصالح الشعبين السوداني والروسي في مختلف المجالات السياسية والأمنية والإقتصادية، وتعزيز دعائم السير معًا في الطريق نحو المستقبل.

​إن مستقبل العلاقات السودانية الروسية يبدو واضحًا وواعدًا في ظل نمو الإرادة السياسية المشتركة لدى قيادتي البلدين لتطوير التعاون الثنائي وتعزيز الشراكة الإستراتيجية بما يحقق المصالح المتبادلة ويدعم الأمن والإستقرار الإقليمي والدولي؛ فالسودان يمتلك إمكانيات إقتصادية وموارد طبيعية ضخمة وموقعًا جغرافيًا مهمًا يؤهله ليكون شريكًا فاعلًا في المشاريع الإقتصادية والإستثمارية الكبرى، بينما تمتلك روسيا خبرات واسعة في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة والصناعات العسكرية والتقنيات الحديثة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تعاون مثمر يمكن أن يسهم في دعم الإقتصادين السوداني والروسي؛ فالتحولات الجارية في النظام الدولي تدفع كثيرًا من الدول إلى البحث الدائم عن شراكات جديدة تقوم على أساس المصالح المشتركة بعيدًا عن الهيمنة السياسية والإقتصادية التقليدية، وهو ما يمنح السودان فرصة لإعادة صياغة علاقاته الخارجية بصورة أكثر إستقلالًا، ومن المهم أن تستثمر الخرطوم هذه العلاقات الجيدة في عملية بناء مشاريع تنموية حقيقية تعود بالنفع على المواطنين، وتوفر فرص العمل، وتدعم جهود الإستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي؛ كذلك فإن إستمرار التنسيق السياسي بين البلدين داخل المؤسسات الدولية يمكن أن يسهم في تعزيز فرص السلام ودعم القضايا العادلة للشعوب النامية والمهمشة، خاصة في ظل التحديات العالمية المتزايدة المرتبطة بالأمن والغذاء والطاقة والهجرة والنزاعات المسلحة، ونعتقد أن السودان وروسيا يقفان اليوم أمام فرصة حقيقية لتقديم نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على قواعد الإحترام المتبادل والتعاون المثمر والرؤية المشتركة لعالم أكثر عدالة وتوازنًا، وهي فرصة ينبغي علينا إستثمارها بحكمة ومسؤولية من أجل مستقبل أفضل للشعبين وللمنطقة بأسرها.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم أفريقيا: أسئلة الأجيال الجديدة في الطريق نحو المستقبل
- الإتحاد الإفريقي: بناء السلام والإستقرار الإقليمي في خضم الت ...
- الطريق نحو السودان الجديد
- الحركة الشعبية في ذكراها الخامسة والأربعين: قراءة صفحات الكف ...
- نظرة على المواقف الدولية الجديدة تجاه القضية السودانية
- القمة الآفروأممية: متغيرات المواقف السياسية حول المسألة السو ...
- السودان والساحل الإفريقي: أبعاد الحوار الإقليمي وفرص الشراكا ...
- قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي
- القارة الإفريقية: نحو رؤية موحدة للفكاك من مصائد الإستعمار ا ...
- إلى أين يتجه الصراع في القرن والساحل الإفريقي؟
- الإعلام السوداني والإفريقي: نحو بلورة رؤية جديدة تحقق الإصلا ...
- الساحل الإفريقي: من يجيب عن أسئلة السلام والإستقرار والتنمية ...
- الساحل الإفريقي بين الوحدة والإنفصال: قراءة تحليلية لأزمة ال ...
- السودان والخليج: جسور علاقات تاريخية تُمهد طريق العبور نحو ش ...
- أفريقيا في الطريق من التحرير والتغيير إلى التعمير والتطوير
- قراءة حول رؤية السودان في منتدى أنطاليا الدبلوماسي
- مؤتمر برلين خطوة العالم في الإتجاه الخطأ
- السودان بين دروس التاريخ وإمكانات العبور إلى المستقبل
- حين يقف الفيتوري على الحدود: قمة الساحل والصحراء وسؤال المست ...
- السودان وإفريقيا بين رهان السيادة وتحديات التدخل الدولي


المزيد.....




- إيران تؤكد أن لا -اتفاق نهائيا- بعد مع ترامب إثر إعلانه عن ق ...
- اتهامات لقوات الدعم السريع بقتل 31 مدنيا جنوبي السودان
- برنامج -فولت لاينز- للجزيرة الإنجليزية يُتوج بـ3 جوائز -إيمي ...
- الترسانة الرقمية.. عندما تتحول هواتفنا وأجهزتنا إلى قنابل مو ...
- أزمة دواء تهدد حياة المرضى في السودان
- استمرار الهجمات الدامية في السودان رغم الجهود الرامية لوقف ا ...
- رئيس في مهب المعارك.. كيف يقيم اليمنيون عقدًا من حكم هادي؟
- محللون: السودانيون أصبحوا هدفا رئيسيا في حرب لن يكسبها أحد
- صور فضائية: الصين تبني دفاعات قرب صوامع صواريخها النووية
- ترامب: سأجتمع في غرفة العمليات لاتخاذ قرار نهائي بشأن إيران ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل