عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 11:53
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
يصعب فهم التنين الصيني ما لم تبدأ المحاولة من خاصية تاريخية فريدة، مؤداها أن مساره الحضاري تطور في عزلة عن بقية الحضارات. تكرَّست هذه العزلة بفعل عوامل ثلاثة، أولها الحواجز الجغرافية الطبيعية، وعلى وجه التحديد الجبال والصحارى المحيطة. وثانيها، ثقة التنين بتفوق حضارته، مما عزَّزَ في أذهان الصينيين القناعة بامكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي. أما الثالث، فيتعلق باللغة الصينية غير المرتبطة بأي جماعة لغوية. ولعل من أهم سمات الصينية لفتًا للنظر، أنها ذات خطٍّ تُعبِّر رموزه في الكتابة عن أفكار وليس أصواتًا. لذا، يمكن قراءتها في أنحاء الصين كافة بغض النظر عن تعدد اللهجات. ليس هذا فحسب، بل بمستطاع الصيني أن يقرأ بيسر وسهولة كتابًا صدر بلغته قبل ألفي عام. وبذلك، كان للغة دورها الفاعل في تعزيز تلاحم الأمة الصينية واعتزازها بهويتها، ناهيك بتقوية أواصر الاتصال والتواصل بين مكوناتها.
على هذه الأرضية، بمقدور الباحث الامساك بطرف خيط تفسير ميزتين لحضارة الصين. الأولى، تعارضها في كل شيء تقريبًا مع التجارب الغربية. والثانية، قدراتها على استيعاب ثقافات الآخرين ومنظوماتهم الفكرية والأيديولوجية، ولكن بأسلوب ومنهج صينيَّيْن.
على هذا الأساس، يمكن فهم ما يصرح به الرئيس شي جين بينغ بخصوص هوية الصين الفكرية والأيديولوجية. هذه الهوية تنهض على دمج المباديء الماركسية مع أهداف الصين القومية وحضارتها التقليدية، أو ما يُعرف بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية كأساس للتقدم والنهوض.
في مسار التنين التاريخي، لعبت ديانات ثلاث دورًا رئيسًا على امتداد ثلاثة آلاف عام، هي الكونفوشية والتاوية والبوذية. الكونفوشية والتاوية ديانتان قوميتان صينيتان، وبعد ظهورهما بحوالي خمسمائة عام انتقلت البوذية إلى بلاد التنين من الهند المجاورة. ولم تلبث البوذية أن اتخذت طابعها الصيني، بعد دخولها بلاد التنين، حيث ظهرت مدارس بوذية صينية خالصة مع استمرار تأثير الفكر الهندي.
بخصوص الكونفوشية، لا تتكون شريعتها من مؤلفات مؤسسيها فحسب، بل من وثائق دنيوية وُجدت قبل كونفوشيوس تتعلق بالتراث الكلاسيكي للصين(جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، عالم المعرفة (173)، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، 1993، ص 225).
تتشكَّل الكونفوشية في الأصل، من العقائد والمباديء الصينية المعنية بتعزيز النُّظُم الأخلاقية والاجتماعية. وقد ظهرت استجابة لأحداث واضطرابات استصحبت تغيرات اقتصادية واجتماعية عرفتها الصين القديمة، في أزمنة ما يُعرف بالدول أو المدن المتصارعة.
في تلك الأزمنة، ظهرت مناهج فلسفية عديدة تدعو إلى تحقيق السلام والوئام بالأخلاق. ولم تلبث الكونفوشية أن اكتسبت طابعًا دينيًّا، لتصبح دين الصين القديمة الرئيس(د. زياد السلامين، ود. تمام الأيوبي: مقدمة في تاريخ الأديان، جامعة محمد بن زايد للعلوم الانسانية، الطبعة الأولى 2025، ص354).
خلال الفترة بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد، كَثُر الفلاسفة في الصين، وعمت النقاشات العلنية لشرح النظريات الفلسفية، التي لم تلبث أن تحولت إلى ما يُعرف بالمدارس المائة(المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 236). ومنها تبلورت التعاليم الفلسفية والدينية للكونفوشية والتاوية.
ارتفعت الكونفوشية والتاوية فوق صراعات المدارس الفلسفية المئة، لتتكرسا بذلك مدرستين فلسفيتين صينيتين أصليتين. الكونفوشية على وجه الخصوص، وضع تعاليمها كونفوشيوس الذي تحمل اسمه، وخليفتاه فيها، وهما منسيوس وهسون تسو.
كونفوشيوس (551- 479 ق.م)، فيلسوف الصين الأول، وما يزال الصينيون يعدونه شخصية تاريخية عظيمة حتى يوم الناس هذا. وتُعد الكونفوشية أكثر المعتقدات والفلسفات تأثيرًا في تشكيل الهوية الصينية.
واكبت الكونفوشية مراحل أساسية ثلاثًا في مسارها التاريخي، الأولى، مرحلة تدوين أفكار كونفوشيوس وتطويرها على يد تلامذته وفي طليعتهم "منسيوس". والثانية، مرحلة تبنيها بحسبانها دينًا رسميًَا وموجِّهًا فكريًّا للصين. في هذه المرحلة، تكرَّسَت تعاليم الكونفوشية وفرضت الحكومة المركزية على كل راغب بالحصول على وظيفة أو منصب أن يُمتَحن بها. وأخيرًا، مرحلة الكونفوشية المعاصرة، ويمكن وصفها بالاحيائية، حيث انبرى عدد من المفكرين لمهمة تجديدها بما يتماشى مع روح العصر.
استمد كونفوشيوس تعاليمه مما يُعرف بـ"الكلاسيكيات الخمس"، وتتضمن الإرث المكتوب لمفكرين وفلاسفة صينيين قدماء، فأعاد تحريرها بلغة عصره وكانت مصدر الهامه. وقد دُوِّن هذا الموروث في خمسة كتب، تضمن أولها أشعارًا تعود إلى مرحلة حكم سلالة "تشو" الأطول في تاريخ الصين القديمة(1046- 256 ق.م). الكتاب الثاني اشتمل على وثائق الدولة، خلال ثلاثة عشر قرنًا (2000- 700 ق.م). وأُدرجت في الكتاب الثالث صيغٌ في تفسير الطبيعة، تُستخدم لأغراض العرافة (التنبؤ بالمستقبل). وتضمنت موضوعات تخص تطوير الفضيلة والحِكمة. وضم الكتاب الرابع كلاسيكيات الطقوس، وهي قواعد تتعلق بتنظيم السلوك الاجتماعي جُمِعت بعد كونفوشيوس. وتضمن الكتاب الخامس أحداثًا وقعت خلال الفترة (722- 481 ق.م)، تحت عنوان "حوليات الربيع والخريف"(مقدمة في تاريخ الأديان، ص358).
القسم الثاني من مصادرالكونفوشية نجده في "الكتب الأربعة"، وتتضمن ثلاثة منها تعاليم كونفوشيوس. الكتاب الأول بعنوان "المختارات"، ويحتوي على أقواله لتلاميذه. والثاني بعنوان "المعرفة"، ويضم تعاليمه واقتراحاته لتنظيم الحياة والمجتمع. والثالث "عقيدة الوسط"، ويشتمل على تعاليم كونفوشية تتناول موضوع التوازن في الحياة. والكتاب الرابع "منسيوس"، وفيه شرح لبعض مباديء الكونفوشية.(مقدمة في تاريخ الأديان، ص 358).
في صميم العقيدة الكونفوشية، يقع قانون "طريق الوسط". ونعتقد أن كل متابع لسياسة الصين الخارجية، لا بد سيستنتج أنه ما يزال فاعلًا في تشكيلها. في اللغة الصينية كلمتان ذاتا دلالة بالطريق الوسط، هما "تشونغ" و "يونغ"، وتعنيان الوسط والثابت(مقدمة في تاريخ الأديان، ص 360).
القاعدة الأساسية لعقيدة الوسط الكونفوشية تكاد تتطابق مع معادلة "لا افراط ولا تفريط"، يقابلها في الغرب المبدأ الارسطي المعروف بـ"المتوسط الذهبي". وفق الكونفوشية، اتِّباع طريق الوسط يجلب الانسجام والتوازن. وفي اسقاط ذلك على الواقع، فإنه يحيل إلى بناء مجتمع دولي متناغم. ويمكن فهم طريق الوسط في الكونفوشية كنهج بأبعاد وثقافات شاملة، تنبني على أساسه طريقة حياة من شأنها خلق توازن بين أنظمة الحياة والكون يضمن تحقيق الانجاز الفردي والجماعي(مقدمة في تاريخ الأديان، ص 359).
لا آلهة تُعبد في الكونفوشية ولا رجال دين ولا اهتمام بالآخرة، مع أنها ليست ضد العبادة. لم يهتم كونفوشيوس بعالم الأرواح والميتافيزيقا، ولم يتطرق إلى مشيئة السماء ومعجزات الطبيعة واضطراباتها. وعليه، الكونفوشية فلسفة أرضية وليست ديانة غيبية تصرف الانسان إلى الصراع على السماء واهمال الأرض. والنتيجة غير المتوقع سواها، الاخفاق في امتلاك عناصر القوة، وبالتالي، الضعف والتخلف عن الأمم القوية المتقدمة.
عند فيلسوف الصين الأول، الأولوية خدمة الأحياء من البشر، إذ يقول:"إن خدمة الإله تصبح بلا معنى إذا أهملت خدمة الناس"(المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 242).
الكونفوشي يعبد الآلهة التي عبدها الصينيون قبل كونفوشيوس، وتقوم على عبادة السماء "تيان" بوصفها الإله الأعظم، يُضاف إلى ذلك عبادة الأرض وأرواح الأجداد والأسلاف وقوى الطبيعة، كالشمس والقمر والمطر، وعلى هذه العبادات تتركَّز الطقوس الكونفوشية.
في حديثه عن السماء معبود الصين الأساسي، يشير كونفوشيوس إلى "وحدة الذات الفردية وإله السماء تيان"(مقدمة في تاريخ الأديان، ص360- 361) بمعنى العلاقة بين الانسان والسماء. ويُثني على كفاح الأفراد من أجل الخير على أمل أن تعينهم السماء لتحقيق هذه الغاية.
في الكونفوشية، الكون يخلق نفسه من فوضى أوليَّة من الطاقة المادية، وينتظم عبر قطبيه الـ"ين" والـ"يانغ" المنظِّمَتَين للكون والحياة. هذان القطبان يميزان الشتاء والصيف، والمذكر والمؤنث، والفوضى والنظام في التاريخ الاجتماعي السياسي.
الفضيلة محور رئيس في الكونفوشية، منها تنبثق القيم الأخلاقية الواجب التحلي بها، لبلوغ الكمال الانساني. والفضائل الأخلاقية أربع، هي الإنسانية والنُّبُل (رين)، والطقوس والشعائر (لي)، والقوة (تي)، والفن (وين).
وهناك أيضًا فضائل مجتمعية، تشمل طاعة الوالدين (هسياو)، وتُعنى بالحب داخل الأسرة، وتتفرع باتجاهين: حب الوالدين أبناءهم، وحب الأطفال والديهم.
ومن هذه الفضائل الولاء(تشونغ) ويكون للدولة، وهو أساسي في الكونفوشية. أضف إلى ذلك، الاستقامة (يي) وتحيل إلى الواجب في مجتمع منظم. فضيلة الاخلاص (شين)، تعني الصِّدق وهي وثيقة الصِّلة بفضيلة الانسانية والنُّبل. ويعتقد كونفوشيوس أن الانسان مسؤول عن أفعاله ومعاملته للآخرين(مقدمة في تاريخ الأديان، ص 366"، وهو ما يذكِّرنا بأحد أهم مباديء المعتزلة في موروثنا.
الفضيلة المجتمعية الخامسة، الانسانية (رين)، وهي الأعلى في الكونفوشية، وأول مبادئها عمل الخير للآخرين. (يتبع)
#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟