أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالله عطوي الطوالبة - جرثومة التخلف (6) وأخيرة التأسيس لوعي ناقد في واقعنا العربي















المزيد.....

جرثومة التخلف (6) وأخيرة التأسيس لوعي ناقد في واقعنا العربي


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 13:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يرى المفكر الكبير الراحل الدكتور مراد وهبه عالمنا العربي خلوًّا من العقل الناقد، ويقول بصيغة تحذيرية من التبعات:"إذا اغتلنا العقل الناقد اغتلنا الابداع، واغتلنا التطور وأصبحنا مع الوقت خارج مسار الحضارة الانسانية".
ولعل أول موانع تبلور هذا النوع من الوعي، الأوهام المعششة في الرؤوس وتتجلى في كثرة الممنوعات والمحرمات. وقد ترتب على ذلك انصراف الوعي الجمعي السائد إلى الماضي، يبحث فيه عن حلول لمشكلات الحاضر. وقد سبق أن أشرنا إلى رؤية الدكتور وهبه، وهو على حق، أن الرؤية المستقبلية تتأتى من أن حركة التاريخ تبدأ من المستقبل، وليس من الماضي. وعليه، فالسؤال الأساس: ماذا نريد أن نكون؟ لكن السؤال المطروح في الساحة العربية: ماذا كنا، ولماذا لا نكون على نحو ما كنا عليه؟
سؤال يتكرس باعتقاد وهمي، يرى أن حركة اليوم ينبغي أن تكون تكرارًا لحركة الأمس. ومن شأن اعتقاد كهذا حجب أية رؤية مستقبلية، من منظور أن المستقبل ليس تكرارًا للماضي وإنما ابداع يتجاوزه. هذا الشرط غير ممكن من دون فكر تنويري، يمتح من
وعي ناقد.
المحرمات والممنوعات تشل العقل الناقد، وبالتبعية تشل الابداع. ولا حل إلا باقتحامها ووضعها تحت مجهر العِلم، كشرط أساس لسلوك طريق الابداع كما تعلمنا تجارب الأمم المتقدمة.
ومن معوقات تهيئة مناخات مناسبة للوعي الناقد في واقعنا، ابتلاؤه بالأصولية الدينية والبرجوازية الطفيلية. الأولى تقتل الابداع والتقدم، والثانية تفكك المجتمع. بالمناسبة، انتعشت هاتان الآفتان في مختلف المجتمعات ضمن افرازات النظام الرأسمالي، خلال العقود الأخيرة. ولوعي خطرها، نشير إلى ظهور ما يُعرف بالمسيحية الصهيونية بقيادة القس جيري فولول، مؤسس حركة "الغالبية الأخلاقية". يرى فولول نفسه تلميذًا لادموند بيرك ولرسل كيرك. الأول، ألَّفَ كتابًا بعد الثورة الفرنسية بعام بعنوان "تأملات في الثورة الفرنسية"، يرى فيه أن عصر التنوير هو عصر الجهل والبربرية ولا بد من الحفاظ على التراث. والثاني، أي رسل كيرك، ألَّف كتابًا عنوانه "العقلية المحافظة" أكد فيه موقفه المناهض للتنوير سيرًا على طريق أبيه الروحي كما يقول أدموند بيرك.
ويتخذ فولول من هذين الكتابين "انجيلًا"، لتدعيم الأصولية المسيحية. ولطالما لقي هذا القس التكريم في الكيان الصهيوني، لتأييده سياساته العدوانية.
أما البرجوازية الطفيلية، فقد اكتسبت صفتها هذه من كونها تقتات على أنشطة غير مشروعة، مثل الاتجار بالمخدرات والعملة والمضاربة والجنس والسلاح. وهي بطبيعتها هذه ضد الحضارة، ومع التفسخ الاجتماعي. وتلتقي مع الأصولية الدينية في رفض السِّمات الحقيقية للحضارة، أي الانتاج. الانتاج ليس المادي فحسب، وإنما الابداع الثقافي والفكري الضروري لتغيير الواقع. كما تلتقي مع الأصولية الدينية في مطاردة الأفكار التنويرية التقدمية، بحجة أنها مستوردة وضد القيم والتقاليد.
في واقعنا العربي بالذات، تمكنت البرجوازية الطفيلية، وتعني الحصول على أرباح فلكية بلا جهد، في إطار الكسل العقلي لدى الجماهير بحسب الدكتور وهبه، بدءًا من سبعينيات القرن الفارط.
وبذلك، فإنها بكل المقاييس عكس البرجوازية المستنيرة، التي نشأت تاريخيًّا في أحضان حركات الاصلاح والتنوير، وكان لها دورها في اشعال الثورة الفرنسية 1789.
لكن مسار تطور النظام الرأسمالي في العقود الأخيرة، دفع به لاحقًا إلى استعمار الشعوب الضعيفة ونهب خيراتها. وفي موازاة ذلك، افراز حركات مضادة للتنوير وللعالمانية، تدعو إلى إحياء الهويات الدينية الرافضة للعقلانية ولإعمال العقل في النصوص الدينية. على هذا الأساس، نشأت التيارات الأصولية ليس في الدول العربية الاسلامية فحسب، بل في أميركا وأوروبا والكيان الصهيوني.
وعليه، يصعب بروز فكر فلسفي ناقد يؤسس لوعي عربي نقدي في ظل غياب الاصلاح الديني والتنوير، وكثرة الممنوعات والتابوهات والمحرمات، وغياب البرجوازية المستنيرة. من هنا يطرح الدكتور وهبه تساؤلًا مشروعًا: كيف يمكن ظهور فيلسوف في إطار اجتماعي محكوم بالرأسمالية الطفيلية من جهة، وبالإقطاع والعشائرية من جهة ثانية؟!
ما الحل؟
الحل يبدأ من ادراك حقيقة أن أفكار البشر دائمًا ذات طابع نسبي، فما كان خاطئًا في زمن ما قد يصبح صحيحًا في زمن لاحق. وبالتالي، ليس من حق أيٍّ كان الوقوع في براثن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
بهذا المنظور، التراث ليس مقدسًا. التراث في الأصل كان ذات زمن رؤية مستقبلية. إذن، الحركة في مسار التقدم تستلزم تأويلًا مختلفًا للتراث ينسجم مع ايقاع العصر ومستجداته.
لا يجوز للمثقفين الاستسلام للمحرمات والتابوهات والممنوعات، بل المطلوب اعمال العقل فيها ومعاينتها تحت مجهر العِلم وعناصر التقدم بشروط العصر.
وفي عصر تدفق المعلومات والفضاء المفتوح، لا يجوز ابعاد الجمهور عن أي حركات توعوية اجتماعية أو ثقافية. فالجمهور منفعل بكل ما يجري حوله بحكم الاعلام الجديد، وآن الأوان أن يكون فاعلًا ولكن بوعي مختلف عن السائد الذي اصطدم بالحائط.
هنا، نستحضر حقيقة أن العقلانية وعاء الفكر الناقد غير ممكنة التحقق على أرض الواقع إلا في مجتمع مدني حديث، وهذه هي مهمة المثقفين التنويريين خاصة. الوعي النقدي لا يتولد ميكانيكيًّا، ولا يتخلق بالكسل وإنما بالفعل الواعي والعمل المثابر. وهو أساس الابداع، لقدرته على اقتحام الممنوعات والمحرمات والتابوهات. وبالقدر ذاته، فإنه أساس العملية الابداعية وقوامها تكوين علاقات جديدة للتغيير نحو الأفضل بعد تسليط الأضواء الساطعة على الأوهام المعششة في العلاقات القائمة لتجاوزها.
الأوهام تضرب بجذورها في أعماق الوعي الجمعي السائد في عالمنا العربي، منذ زمن بعيد. والوعي النقدي كفيل بتمزيق أستار الخرافات والأوهام، وكشف جذور الوهم لرجل الشارع وللمثقفين.
تركيز الاهتمام بالنقل على حساب العقل، دفع عالمنا العربي إلى خارج إطار الحضارة الانسانية. نحن بمسيس الحاجة، كما يقول فيلسوفنا الراحل مراد وهبه، إلى ثورة ثقافية تعالج أسباب تخلفنا من داخلنا. كفى نحيبًا وعويلًا، وإلقاء التبعات على الاستعمار. لنبدأ بتطهير عقولنا من الخرافات والأوهام، والانفتاح على تحولات العصر ومستجداته الفكرية، والإيمان بالتفكير النسبي.
مقول القول، لنبدأ البحث عن جرثومة التخلف فينا.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرثومة التخلف (5) أزمة العقل العربي
- جرثومة التخلف (4) كلما زادت الممنوعات والمحرمات تمدد التخلف
- جرثومة التخلف (3) الانسان حيوان مبدع
- الماتريدية
- مقارنات للتأمُّل والتفكُّر (قيودنا الثلاثة)
- جرثومة التخلف (2) محنة ابن رشد
- صوت نشاز
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (9) والأخيرة. وفي الختام لنا كلمة
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (8) مدينتهم الفاضلة
- لا يا صاحب الدولة !
- حزب الأمة !
- الاستحمار (4) والأخيرة
- مكمن الداء وأسباب الضَّعف
- التَّعْفيط
- اخفاق المفاوضات واشكالية خيارات الابستينيين
- الاستحمار (3)
- فرض اتفاق استسلام على لبنان
- الاستحمار (2)
- الاستحمار (1)
- هرمز وأهرمان العصر ترامب


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالله عطوي الطوالبة - جرثومة التخلف (6) وأخيرة التأسيس لوعي ناقد في واقعنا العربي