أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله عطوي الطوالبة - الاستحمار (4) والأخيرة














المزيد.....

الاستحمار (4) والأخيرة


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 11:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يسلط علي شريعتي الضوء على بعض أدوات الاستحمار وأساليبه وتجلياتها، بدءًا بالزُّهد، وعلى وجه الدِّقَّة معناه الآمر للإنسان "بالتخلي عن حقوقه الاجتماعية، وحاجياته الطبقية، وأن يقطع حبل الأمل منها". من هذه الزاوية، يرى شريعتي الزُّهدَ أحد أنواع الاستحمار. الزهد بالمعنى المشار اليه قبل قليل يسلب من الانسان الدراية النفسية، ويسلب من الفرد حقَّه في التمتع كإنسان بمواهبه وبالنِّعَمِ المتوفرة في الحياة، وليس من حق أيٍّ كان منعه من التنعم بها. الزهد بايجاز وفق هذا التحديد يدعو الناس إلى التخلي عن حقوقهم لصالح الطمع والجشع، وبالتالي يُعبِّد طريق الظلم بل ويشجعه.
بالانتقال إلى التجهيل والإلهاء، يُقسِّم شريعتي الاستحمار إلى نوعين، استحمار مباشر واستحمار غير مباشر. الأول، يراه في تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوق الأذهان إلى الضلال والانحراف.
أما غير المباشر، فهو الهاء الأذهان بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية، لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية.
أسلوب استحمار كل فرد يرتبط بميوله، فإذا كان المُراد استحماره ذا قامة مناسبة، يمكن تشجيعه للتوجه إلى الرياضة واغراقه بتفاصيل عن محاسنها ومنافعها. فيغرق هو من جهته بخيالات وأمنيات، كالشهرة العالمية والمباريات والألعاب الأولمبية. واذا كان لديه شغف بالدراسة يُحفَّز لمواصلتها والحصول على شهادات عليا، تفتح له أبواب الحظ والامتيازات.
وما ينطبق على الأفراد ينسحب على المجتمعات أيضًا، حيث يرتبط استحمار كل مجتمع بماهيته ونمط ثقافته ومعتقداته أو ما يُعرف في علم الأنثروبولوجيا بروح الشعوب أو طابعها العام المميز لها عن غيرها. ويستحضر شريعتي أمثلة مما فعل الاستعمار مع معظم الدول النامية، حيث الاستحمار آلية مركزية للاستعمار.
في الحالتين، أي استحمار الأفراد أو الشعوب، ثمة عناوين تحمل دلالات سامقة في الوجود الانساني، مثل الدين والرياضة والفن والعلم والخير والشر، يمكن توظيفها هي أيضًا للاستحمار.
هنا، تجدر الاشارة إلى أن معيار الأشياء والمفاهيم عند شريعتي، هو مؤداها وفعاليتها الاجتماعية. وعليه، يرفض مقولة "الشيء لذاته" في كل مجالات الحياة. فقيمة الشيء بقدر عطائه وفعاليته. لذا، تنبَّه إلى أن الاستعمار الحديث يشيع مقولات "العلم من أجل العلم" و "الفن من أجل الفن"، لتفريغها من مضامينها الحضارية وفعاليتها. يقول شريعتي في السياق: "يظن العالِمُ أنه ذو نباهة بالنسبة إلى نفسه ومجتمعه وزمانه. لكن هذا وهم، لأنه "عالِمٌ" لا غير، والعلم من أجل العلم أداة انحراف وضلال عن النباهتين الانسانية والاجتماعية". وهو عين ما عبَّرَ عنه الفيلسوف الكبير هايدجر بقوله:"إنما العِلم والحضارة ثمرة ظروف متراكمة عديدة أصبح الانسان فيها غريبًا عن نفسه، أي أنه راح ضحية التحقيق والعلم والفن والحضارة".
ومن أدوات الاستحمار "القدرة المادية والبدنية". على صعيد الأولى، عندما ينجح الشخص بتجميع ثروة كبيرة، يتولد عنده على أرضية امتلاكها تضخم "الأنا" التي استطاعت تحقيق ذلك. ومع الزمن يتحول تضخم "الأنا" إلى انحراف نفسي يجعل المادة والثروة مكان "النفس"، وبالتالي تُنفى الشخصية الواقعية. وفي حال الوصول الى منصب يترتب عليه الشعور بالقدرة، وقد تطغى الأخيرة على النفس، ويخسر الشخص النباهة الشخصية. شيء من هذا يشعر به بعض ذوي القدرة البدنية، حيث يتخلق على أرضيتها اعتقاد بأنها شيء من قدراتهم الانسانية، لكن حقيقة الأمر غير هذا.
يقول شريعتي:"بعض الناس قد تكون لهم قوة جسدية كقوة الفيل والجَمَل، أما من الناحية الانسانية فقد لا تكون قوته حتى بمستوى قوة العصفور". مقصود القول، القدرة الجسدية قد تضر بالنباهة والوعي.
في هذا السياق أيضًا يقول شريعتي:"كلما بدنت وسمنت فإنك لن تكون أضخم من البقرة، ولو فرضنا ذلك، فعندئذٍ يحلبونك. وكلما ازددت قوة فإنك لن تكون أقوى من الحمار. ولو فرضنا ذلك، فحينئذٍ يحملونك أسفارًا. وكلما ازددت سرعة في السير والركض فانك لن تكون أسرع من الفرس. ولو فرضنا ذلك، فحينئذٍ يركبونك".
ويمكن أن تكون منتجات الحضارة والتقدم أدوات استحمار أيضًا. ويضرب شريعتي مثالًا على مقصوده بذلك، تفاخر راعي إبل بشراء سيارة أميركية فارهة ثمنها في الدولة الصانعة ثُمن نظيره في بلده. وما دراه أن تفاخره وتباهيه ليس أكثر من نهم استهلاكي.
هنا، يحيلنا شريعتي إلى العوالم الحضارية الثلاثة بمنظور مالك بن نبي، وهي عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء. عالم الأفكار منطلق الابداع والابتكار وأساسهما، به يمكن للأشخاص اختراع الأشياء وابتكارها. فالمتقدمون تقدموا ويتقدمون بالأفكار، والمفتقرون للأفكار يستهلكون ما يبدعه أصحابها.
ويمكن توظيف الحرية الفردية كأداة تخدير كبرى، لصرف الاهتمام عن الحرية الاجتماعية، حيث النباهة الاجتماعية قضية ذات أهمية كبرى. ليس كل من ينادي بالحرية الفردية ويدعو لها يفعل ذلك عن قناعة، بل ربما من أجل التمويه وتكريس الغفلة عن النباهة الاجتماعية.
ويبين شريعتي فكرته الرئيسة بهذا الخصوص في تشبيه بليغ، إذ يقول:"قد يرى الانسان نفسه حرًّا من الناحية الفردية، في غذائه وشهواته، كطير في قفص وُضع في صالة مغلقة تمامًا، ثم فُتِحَ باب القفص. الشعور المترتب على ذلك بالحرية كاذب. فالأسير الذي يعلم أنه مأسور يحاول أن يُطلق نفسه، ويتحرر من الأسر. بينما الذي لا يعلم انه أسير، ويشعر بالحرية، فشعوره وهم وكذب، ومع ذلك يشكر الله ويحمده على تلك الحرية المزيفة".
داخل الثاني تمكنت قيود خداع الذات، إلى حد القابلية للاستحمار بكل
سرور !



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مكمن الداء وأسباب الضَّعف
- التَّعْفيط
- اخفاق المفاوضات واشكالية خيارات الابستينيين
- الاستحمار (3)
- فرض اتفاق استسلام على لبنان
- الاستحمار (2)
- الاستحمار (1)
- هرمز وأهرمان العصر ترامب
- صواريخ ايرانية تمرُّ بأجوائنا
- ايران...الأسباب الحقيقية للعدوان ونقاط القوة
- نعم للحوار الحر لا لضيق الأفق
- وكأنه لا يكفي المنطقة عراق واحد!
- النتائج الأهم
- ايران ليست عدونا وإن اختلفنا معها
- أخطر الاحتمالات لمن يعنيهم الأمر
- سقوط أميركا الأخلاقي والقيمي
- بلا خيبة !
- أسباب مَنَعَة ايران ونقاط ضعفنا
- مازوخية سياسية
- نهاية وشيكة للعدوان الصهيوأميركي


المزيد.....




- متى ستنخفض أسعار الوقود؟ وزير الطاقة الأمريكي يعلق لـCNN
- فيديو متداول بزعم -استهداف سفن أمريكية حاولت عبور مضيق هرمز- ...
- آخر زفاف في تشيرنوبل: قصة حفل زواج في قلب كارثة نووية
- شح الطحين والوقود يدفع غزة نحو مجاعة وشيكة.. والقوارض تفاقم ...
- تقارير: إيران لم تحدد موقفها من الجولة المقبلة مع واشنطن
- سموتريتش يهاجم ميرتس.. لماذا تتكرر التوترات بين ألمانيا وإسر ...
- رفض عربي وإسلامي واسع لتعيين سفير إسرائيلي في -أرض الصومال- ...
- إعلام إسرائيلي: عبوات حزب الله بجنوب لبنان فخ مميت للجيش
- حريق يلتهم 1000 منزل بماليزيا ويشرد آلاف العائلات
- تنذر بكارثة أخرى بغزة.. إليكم ما يقوله الخبراء عن عصارة النف ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله عطوي الطوالبة - الاستحمار (4) والأخيرة