أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كاظم فنجان الحمامي - ست سنوات ضيعتها بلا مقابل














المزيد.....

ست سنوات ضيعتها بلا مقابل


كاظم فنجان الحمامي

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 09:28
المحور: سيرة ذاتية
    


لا يوجد جهاز لقياس الوفاء ادق من المواقف. فالمواقف وحدها تعطيك الإجابات بكل وضوح. .
كنت انتمي لأسرة كبيرة جدا مؤلفة من خمس عوائل تعيش على الكفاف في بيت متواضع. فقررت التضحية بمستقبلي الدراسي والعمل في عرض البحر من اجل تحسين مستواهم المعيشي. .
تركت دراستي في المرحلة الاخيرة من الإعدادية رغم اني كنت من المتفوقين في الفرع العلمي. والتحقت بدورة تدريبية لتأهيل المرشدين البحريين فجاء ترتيبي الاول على أقراني عام 1973 (في الاختبارات العملية والنظرية). .

وما ان استلمت راتبي الشهري حتى ذهبت إلى السوق لشراء كل ما تحتاجه أسرتي من غذاء ودواء ومستلزمات اخرى، وقررت في حينها تخصيص مصرف شهري لاثنين من أسرتي كانوا يواصلون دراستهم الجامعية. ثم تكفلت بمأكل ومشرب هذه الأسرة الكبيرة، بمعنى انني كنت اهمل نفسي تماما كي لا تشعر أسرتي بالعوز. وهكذا استقرت الأمور على هذا السياق الثابت للمدة من عام 1973 إلى عام 1979 كنت فيها أنا المسؤول عن تغطية كل الاحتياجات، من دون ان أتخلف يوما واحدا عنهم، ومن دون ان أفكر بالزواج أو الاهتمام بنفسي. .

وفي يوم صيف لاهب من عام 1979 كنت عائدا إلى البيت من جولة بحرية، وكان من المفترض ان التحق في اليوم التالي بالجيش لأداء خدمة الاحتياط. صدمت عندما وجدتهم يتناولون الغداء من دون ان ارى أمي بينهم. ألقيت عليهم التحية. ثم توجهت نحو غرفة أمي كي اسلم عليها، لكنني فوجئت بخلو الغرفة من الاثاث، وامي غير موجودة. .
كانت دهشتي كبيرة عندما علمت انهم اتفقوا على ترحيلها مع شقيقي إلى منزل قديم خارج الحي الذي نسكنه. .
سألتهم: اين أمي ؟، واين شقيقي ؟.
فكانت أجوبتهم خجولة باهتة مترددة وغير مقنعة، قالوا انها اختارت الرحيل والابتعاد، فخرجت على الفور متوجها إلى مكانها الجديد. .

كانوا يعلمون جيدا ان راتبي الشهري سوف ينخفض إلى الحد الادنى عند التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، لأن راتب الجندي الاحتياط يقتصر على ثلاثة دنانير و (750) فلسا فقط كل شهر. لا يكفي بطبيعة الحال لمواصلة عطائي الشهري الذي اعتادوا عليه. . ولأني اصبحت بلا مورد اعلنوا عن استغناءهم عني في توقيت لا يخطر على بال ألد الاعداء. .

التحقت في اليوم التالي بالجيش ولم يكن في جيبي ما يكفي لشراء علبة سكائر. فاضطررت إلى الاستدانة من الغير حتى اوفر لقمة العيش لعائلتي الصغيرة في منفاها الجديد، وكانت مؤلفة من ثلاثة (أمي رحمها الله، وأنا، وشقيقي). لم يسأل علينا احد، ولم يزرنا زائر منهم على مدى ستة اشهر. .
في نهاية عام 1979 انهيت خدمة الاحتياط، وعدت إلى عملي البحري، ثم حالفني الحظ في الانتقال للسكن في بيت مستقل. .

الزمن لا يشفي كل شيء، لكنه يكشف كل شيء. يكشف من أحبني بصدق، ومن كان وجوده مؤقتا، يكشف حقيقة الوعود، و وزن الكلمات، ونوايا القلوب حين تتغير الظروف. ومع مرور الأيام لم اعد أراهم كما كانوا، بل كما هم فعلاً. .
الزمن لا يغيرهم بقدر ما يمنحهم الفرصة، ليظهروا على حقيقتهم. ومع كل خيبة لم أتعلم الدرس لكني لم افقد الرغبة بعمل الخير، رغم اني فهمت طبيعة الحياة أكثر، وفهمت أن ليس كل من اقترب مني كان ينوي البقاء، وليس كل الكلمات الجميلة تقال بصدق. تعلمت معظم الدروس بعد بلوغي سن السبعين. .

أخيرا - وانا في الغربة. . . أدركت أن النوايا السليمة، و الأفعال العفوية، و صدق العطاء. وكل الأعمال الخيرة تُقرأ دائما بصورة مقلوبة في أعين اقرب الناس الينا. .



#كاظم_فنجان_الحمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صورة لإطار بلا أضلاع
- مستشار واحد يكفي
- اين العراق من الصين في مشاريع السكك ؟
- الوو حمورابي. . كيف تسمعني ؟
- نظام جديد للتأمين البحري
- أنظمة بلا صراعات على السلطة
- ليتني سألت الطرقات عن نهاياتها
- ضمانات سيادية صادمة
- طبيب فضائي في إيطاليا
- خبير عابر للمناصب والدرجات
- من منهم أصدق من الله قولا
- كائنات من كوكب آخر
- حكومات سلخت جلود أبناءها
- تساؤلات في الفيزياء السياسية
- التقاسم التقاسم التقاسم
- العراق: وآخر مستجدات الربط السككي
- منظمة بحرية لا علاقة لها بالبحر
- مشاهداتي في واحة الرهبان
- العراق يختار التقوقع حول نفسه
- دروس تعلمتها بعد السبعين


المزيد.....




- شاهد.. تفاصيل جديدة تكشف مخططًا أوسع لهجوم مسجد سان دييغو
- كبير جواسيس أوروبا يعلق على وضع ساحات المعارك بأوكرانيا وموق ...
- مصر.. فيديو رجل ضخم وما فعله بشارع يلاقي رواجا والأمن يعلق
- ساعات حاسمة بالشرق الأوسط: جهود دبلوماسية مكثفة في طهران لمن ...
- خمس دقائق من التمارين يومياً قد تساعد ملايين الأشخاص على الع ...
- قائد الجيش الباكستاني يزور إيران ويجتمع مع عراقجي
- استعدادا لإرسال بعثات مأهولة إلى القمر... الصين تطلق مهمة -ش ...
- إيران تتهم أمريكا بوضع -مطالب مفرطة- تعطل مفاوضات إنهاء الحر ...
- الساحل الأفريقي..حين تفشل الدولة وتقوى المليشيات
- غرين: ترمب قد يستغل حرب إيران لإلغاء الانتخابات الرئاسية


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كاظم فنجان الحمامي - ست سنوات ضيعتها بلا مقابل