|
|
العين في الصورة
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 00:11
المحور:
الادب والفن
العين في الصورة (سبعة أصوات) محمد عبد حسن رواية (سبعة أصوات) للروائي محمد عبد حسن، قفزة سردية نوعية. كلام النص في الرواية، يفضل النبرة الخافتة الموائمة للوقت السري، وأحيانا يزهد بالخافت، ويفضل عليه، تشغيل سرد العين. هذه الآلية السردية الروائية تجعل القارئ العجول ينفر من محاورة النص الروائي، فهو كقارئ أو كروائي يفضل السرد الأفقي المتسارع، وكم هائل من المحاورات داخل الرواية، كي ينجو من القراءة العميقة، قارئ لا يريد بلاغة الأشياء في تعميق السرد، من خلال تناوب الحركة والسكون. وروائي يغيظه أن يتألق سواه، لذا مروا على رواية (سبعة أصوات) بأعينٍ مغلقة (*) في (الآخر) وهو الفصل الأول من (سبعة أصوات) يخبرنا السارد/ المشارك في صياغة النص وهو يحرّك النص: (كنتُ ألهث ُ.) هذا التبليغ يعني أن اللهاث توقف الآن، بعدها يخبرنا (جسدي يسبح بعرق لزج) الحركة الثالثة هي (وجدتُ نفسي عندما التقطتْ أذناي صوت الباب وهو يُغلق بهدوء حذر) إذن هناك شخص آخر يعين السارد. ومعونته في الخفاء (*) هذه الوحدات السردية الصغرى تكشف مهارة الروائي محمد عبد حسن في (تكتيف المشهد المأزوم) وأن السارد مطارد والوقت عصيب. ويتضح ذلك في قوله التالي (التقطتُ ثيابي، قطعة قطعة وقمت ُ إلى الشباك أفتحه). (*) السارد يريد فتح الشباك وأزاحت الستارة. الجملة التالية (أزحتُ الستارة أولا) هذه الجملة عادية، لكن تمامة الجملة هي الأجمل والأقوى دلالة ً حين يكمل (فتسرب ضوء بعثره زجاج النافذة المشجر) لم أقرأ جملة أعمق دلالة من الضوء الذي بعثره الزجاج. وبعد جملتين يعود لجملة الضوء والزجاج ويكملها قائلا:(ضوء امتدت حزمة منه بعيداً لتنير بعض فضاء الغرفة) الإنارة هي الوظيفة الأولى لحزمة الضوء، لكن هناك جملة أجمل منها حين يكمل قوله عن حزمة الضوء (طاردة شيئاً يشبه الظلّ إلى الزاوية البعيدة) (*) مهمة السارد المطارد معلنة في قوله: (أريد الخروج بذات السرعة التي دخلت بها) ويخبرنا (كنتُ مشوشاً، ليس أقلّ مما أنا عليه الآن.. مستعجلاً إنهاء مهمة أنا من أجلها هنا) من عايش هذا الرعب الوطني من المستحيل أن لا يتماهى مع الحالة النفسية لهذه الشخصية. (*) المطارد لا ينقصه إلاّ العثور على القطعة الناقصة من ملابسه، حتى يغادر. البقاء منفردا يشطر الرجل المطارد إلى شطرين: (فضول يلازمني كلّما بقيت ُ وحيداً، يشتت تفكيري فأتيه) وحين يخبرنا المطارد (أحسد الجدران لأنها تمتلك قلبا كبيراً يستطيع الصبر..) هنا تتداعى تجربتي الخاصة وتستعيد الشاعر تميم ابن مقبل في مطولته الرائعة (ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرٌ – تنبو الحوادث عنه وهو ملومٌ).. يواصل الرجل المطارد كلامه عن الجدران ( اكتناز كلّ تلك المشاهد التي تحصل هنا وحفظها.. امتصاص الأصوات وتغيبيها حتى إشعارٍ آخر.) ينتقل الكلام عن الجدران إلى الصفة النقيض، حين تكتظ الجدران بالأصوات (ولكنها إذا بدأت بالبوح، فسيكون طوفاناً يُغرق.. يفضي إليك بأسراره من غير استنطاق مضنٍ) وكأن الجدران ينفذ صبرها مثل (لعبة الصبر) وللقاص تجربة قصصية مع (لعبة الصبر) أو (لعيبة البصر) كما نلفظها بالعامية. محتوى انهيار صبر الجدران يؤدي إلى نتيجتين (قد لا يوصل إلى شيء في الغالب.. وقد يوصل لكلّ شيء).
(*) المكان المهجور أعني البيت الصامت والصائم والمقهور بمرور الأيام طراوة فاعلية الكلام في هذا البيت، تُصاب باليبوسة وتساقط قشورها كما يتساقط الجص أو الطلاء مِن الجدران (إطارات الصور المثّبتة على الجدران، الستائر المعلقة هنا منذ دهور، كما يبدو، دون أن يمسحها أحد، شاشة تلفاز كبير مطفأ، سجادة حمراء تغيب حافاتها تحت مقاعد تحاذي الجدار وتلفّ معه للإحاطة بك) المشهد هنا يقوم بتحريك الساكن/ الأشياء سرديا، ثم ينتقل من الأشياء إلى الذات المقهورة (وتلفُ أنت.. أنت الواقف في الوسط تماما فوق نجمة فشلتَ في إحصاء عدد رؤوسها وأنت تدور).. النجمة رسمٌ في السجادة، لكنها تمتلك وظيفة العلامة في سياق السرد، ويردف المؤلف السرد بعلامة ٍ أخرى (أنت تدور كمصراع غزل بيد عجوز صبور) وهذا التشبيه الثالث (..أنت صاحياً كلّ الصحو.. بعينين مفتوحتين كعينيّ حصان) وهذا التشبيه الرابع الذي يؤكد زمن الرعب الفاتك(راكضاً على رؤوس أصابعك.. منحنياً كعجوز ينتظر ظهره فقط، ورقة عنب يابسة تستقر فوقه لينكسر) (*) الصوت تضخمه الحالة النفسية للرجل المطارد فصوت الباب وهو يغلقه بحذر يصبح (كدويّ سيارة مفخخة.. عبوة ناسفة انفجرت قريباً منك، ورحت تطلب منه، بيديك، أن يهدأ) ويشبّه غلق الباب بهذه الصورة السردية الطريفة التي تمنح الجماد فاعلية الكائن البشري (تطبطب عليه، كما تفعل أم بطفلها، لينام) في الغرفة المهجورة ثمة تواصل حيوي بين المطارد والفوتو الساكن المثبت في الجدار( أحدى عينيك تبحث، والأخرى ملتصقة بالصورة الكبيرة المعلقة وسط الجدار.. هل يراك؟ عيناه لم تفارقك مع أنك، منذ دخلت، غيرتَ مكانك أكثر من مرة.. وفي كل مرة كانت عيناه تتابعك فأغمضت عينيك لتتخلص منه) لكن حين كان السارد يبحث عن تلك القطعة من ملابسه ويدور في الغرفة بجسد نصف عار اختلف الحال ( لم يكن ينظر إليك كانت عيونه مغمضة). يرّكز السارد على فاعلية العين في الصورة، ويجعل العين تبث فاعلية الحنو على السارد المطارد. بعد هذا المشهد تظهر شخصية ثانية يخبرنا السارد حين يسأله صوتٌ (ألم تنته بعد؟) فيخبرنا السارد(وكنت َ قد انتهيتَ. هي تعلم ذلك.. ولكنك لا تستطيع التخلص من فضولك) تعيد المرأة سؤالها السابق (ألم تنته بعد؟) لا جواب لدى الرجل المطارد فهو الآن مجذوبٌ للوجه الذي في الصورة (يأسرك وجه الرجل وكأن علاقة، من نوع ما، نشأت بينك وبينه فتتجه إليه.. ولكن ليس طويلاً، تحسّه يخترقك بعينيه..) ينشط التراسل بين الأعين، وتحل أعينٍ جديدة لدى صاحب الصورة (وعاد للنظر إليك بعينين أخريين لم ترهما) ثم تحدث نقلة من العين إلى الأذن ( لم تره من قبل، سمعت عنه فقط، الذين سألتهم حدثوك عنه، وكنت تدوّن، في دفتر صغير بعضاً من رؤوس أقلام، كما تسميها، تساعدك في إعداد تقريرك.) ويعود السارد إلى المرأة وهي عودة إلى لحظات من الماضي (هي أيضاً حدثتك.. هي أيضاً عندما جاءت إليك هناك وكنت تائها في فك رموز الأحرف السوداء الملصقة على باب الثلاجة الصغيرة الموضوعة أمامك) المرأة قسيمة الرجل بخصوص الصورة وبخصوص الحياة. والمكان يضببهُ السارد مكتفيا بظرف مكان(هناك) مازال المطارد منشغلا بالصورة، لذا تخاطبه المرأة (دعك من الصورة الآن. عليك أن تخرج.. وبسرعة) رغم الخوف والحذر فهناك آية من الجمال تحرس الرجل المطارد يخبرنا وهو يغادر البيت ( خرجت منتصباً هذه المرة... كنت أسير في ظلّ تلقي به تعريشة عنب يابسة وأنا ألتفت ُ، استطعتُ أن أرى بوضوح هذه المرة تفاصيل الوجه الذي يُشيعني.. الثوب المشجّر بورود حمر وزرق وهو يوقف هبوطه عند منتصف الساقين).. (*) تتوقف قراءتي عند الدخول/ التسلل إلى البيت، حيث يستعيد المطارد دخوله من خلال سرد العين (تنتبه إلى الشباك وهو ينقلك إلى الخارج حيث الباب الحديد الموصد الآن. وجدته، وأنت تدخل، ينتظرك مفتوحاً، ولمّا دخلت أغلقته بحذر.. حتى صوت ضلفتيه وهما تتعانقان، أو تتخاصمان، على دخولك.. حتى هذا الصوت بدا كدوي سيارة مفخخة.. ورحت تطلب منه، بيديك، أن يهدأ.. تطبب عليه، كما تفعل أم بطفلها) .خلافا لهذا الحنو مع الباب، سينتهي الفصل الأول والرجل المطارد يغادر البيت(وأنا ابتعد، سمعتُ صوت باب خشب يوصد بعنف ممزقا سكون ظهيرة قائضة وكأنه يثأر لكل ذلك الحذر والترقب اللذين لا زماه طوال فترة بقائي في الداخل) في الحالتين تتألق بلاغة الصوت في التعبير عما يجري. (*)
تلاحظ قراءتي أن السطر الأول من الرواية : بدأ بجمل فعلية وبضمير المتكلم (كنتُ ألهث ُ) (وجدتُ نفسي) (التقطتُ ثيابي) (أزحتُ الستارة) ثم بعد سرد الجدران استعمل المؤلف ضمير المخاطب، وكأن الجدار صارت فاصلة بين السارد ونفسه، فصار السرد بضمير المخاطب ( تتيه وأنت ما زلت تدور) (كان الوجه وهو ينتظرك) (كما لو كنت َ تهرب منه) (يأسرك وجه الرجل) وفي منتصف ص10 يعود السرد بضمير المتكلم. في ضمير المتكلم الخطاب نحو الذات، وعند استعمال ضمير المخاطب يكون الكلام مسدد نحو الآخر. وربما الذات نفسها بسبب وضعها السياسي والنفسي أصبحت مشطورة إلى ذاتين في جسد واحد مطارد من قبل طغمة حاكمة مستبدة.
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة في نص (تأريض) : الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تأريض
-
قراءة في (تخريم) للأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تفكيك الواسع وسحر المتخيل/ بقلم الأستاذ الدكتور علاء العبادي
-
تخريم
-
الأرمن : الخلافة والدولة العثمانية وروسيا
-
بيت مخضرم
-
قصيدة محمد العابد
-
( الأرمن والدولة العثمانية) للباحثة نقية حنا منصور
-
الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي ومقالة مقداد مسعود عن
...
-
أصوات الروائي محمد عبد حسن
-
الشاعر صادق الصائغ
-
قصائد بلا أقفاص ولكل خريطة طيورها
-
أولاد حاتنا / شرق المتوسط
-
رسالة من الشاعر مجيد الموسوي
-
الكاتب والباحث نبيل الربيعي : قراءة عميقة ومخلصة
-
عربة القاص فرات صالح
-
عيد العمال وسعدي يوسف
-
الأستاذ الدكتور علاء العبادي: مقاربة تحليلية
-
كأنها غسالة اليواخين
المزيد.....
-
مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر
...
-
في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما
...
-
غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا
...
-
معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول
...
-
مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
...
-
مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا
...
-
-اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع
...
-
من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00
...
-
هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
-
هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|