أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان















المزيد.....

ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


عندما نقرأ روايات الكاتب الجزائري "محمد مولسهول" الشهير بـ"ياسمينة خضرا"، نرى سهام النقد تتطاير في اتجاهات شتى. قد يعتقد الناظر إلى تلك السهام أنها تنطلق عشوائيًّا من يد حانقة على الجميع، لكن النظرة الفاحصة توضح أن تلك السهام موجهة بعناية نحو أهداف محددة مدروسة. وهذا الأمر ليس بغريب على ضابط سابق في الجيش، اعتاد توجيه السلاح نحو هدف محدد بدقة.
ولا تخرج سهام النقد الواردة في رواية "القريبة كاف" عن ذلك السياق؛ حيث قدّم الكاتب بانوراما تشريحية للمجتمع الجزائري مشخصًا أوجه الداء فيه، واصفًا بكل بساطة الدواء من خلال تشخيصه.
لكن من هو "ياسمينة خضرا"؟ وما روايته "القريبة كاف"؟ ولماذا يبدو حانقًا على كل شيء؟!

الجندي الذي استحال ياسمينة
"محمد مولسهول" كاتب جزائري مقيم في فرنسا، كان ضابطًا في الجيش الجزائري، قبل أن يتقاعد، ويتجه إلى الكتابة الأدبية، ويكتب تحت اسم "ياسمينة خضرا" بدلًا من اسمه الحقيقي، لاعتبارات تتعلق بخلفيته العسكرية. تتناول أعماله التطرف والعنف من زاوية انتقادية، لا تكتفي بالانتقاد فقط، بل تحلل الظاهرة سعيًا إلى معرفة الأسباب. ولعل ذلك يرجع إلى أنه شارك في الحرب على الإرهاب في التسعينيات خلال ما يُعرف بـ"العشرية السوداء" أو "سنوات الدم".
ولن نطيل في التعريف بالكاتب؛ لأن ذلك مما يمكن معرفته من مصادر عدة، وسوف نحاول معرفته أكثر من خلال كتاباته؛ وعلى وجه التحديد روايته "القريبة كاف".

مَن طواهم النسيان
يمكن القول إن رواية "القريبة كاف" تقترب من النوع الأدبي المسمى "الرواية القصيرة" أو "النوفيللا" من حيث الحجم، وفقًا للنسخة الصادرة عن دار الفارابي في لبنان وسيديا في الجزائر من ترجمة "نهلة بيضون"؛ وهي النسخة التي لم تتجاوز في صفحاتها 115 صفحة تقريبًا.
في حبكة نفسية يهيمن عليها التوتر بامتياز، تتناول الرواية حياة إنسان بدأ وعيه على الدنيا يتشكل مع مرأى جثمان والده الذي قُتل على يد أهل قريتهم بسبب جريمة لم يرتكبها، قبل أن تنال أسرة القتيل اعتذارًا من أهل القرية بعد ثبوت براءة القتيل، لكنه اعتذار لم يُعِد القتيل إلى الحياة، ولم يهدم الجدار الذي بُني بين الأسرة وباقي أهل القرية، على الرغم من ثراء عائلته، وتعاملاتها التجارية التي كانت تديرها أمه.
في هذا الجو وبهذه البداية، نشأ الفتى لا يرافقه في حياته سوى أمه قليلة التكلم، وشقيقه الأكبر الذي التحق بالجيش، ويتلقى منه معاملة طيبة. هذان الاثنان وخيالاته؛ تلك الخيالات التي جعلته لا يستطيع الاستمرار في المدرسة، ولا يكوّن صداقات.
إذن هو فتى نساه المجتمع، فاعتاد النسيان، وعندما حاول المجتمع أن يعود عن خطئه، كان الوقت قد فات، واختار هو بإرادته أن "يبقى طي النسيان".

كاف.. المُعادِل السلبي
لكل شيء نقيض، وكانت القريبة "كاف" نقيضة بطل القصة في كل شيء. حباها الله بالجمال والثراء، ومحبة الآخرين، والقدرة على كسب المحبة ممن لا يعرفونها، وحسن إدارة للعلاقات الاجتماعية بما يجعل الآخرين يقدمون لها ما ترغب، بكل ود وترحاب.
لكن الاصطناع كان موجودًا وسط كل هذا، واستطاع قلب الفتى أن يلتقطه، عندما أخفقت أعين الآخرين في رؤيته. لذلك لم تكن علاقته بها من ذلك النوع الذي يسير في اتجاه واحد؛ فهو يحبها، وهي تصده، لكن هذا لم يكن السبب الأساس في كراهيته لها، بل كانت طريقة الصد وأسلوب المعاملة التي كانت تسقط فيها كل أقنعة الاصطناع؛ فيبدو الوجه الذي لا يراه الآخرون. ومع عدم ارتياحه، لم يكن ليعبر عن إحساسه؛ فلماذا يعبر، عندما لا يستمع إليه الآخرون؟

الشقيق الأكبر.. الجيش
كانت نقطة الاستماع هذه الميزة الكبرى التي وجدها في شقيقه الأكبر الذي التحق بالجيش؛ حيث كان يلقى معاملة طيبة من شقيقه، ومن مفرداتها الاستماع إليه.
ولم تفتر مشاعره الطيبة إزاء هذا الشقيق الأكبر حتى بعد رحيله إلى الجيش، وما اقتضى ذلك من عدم وجوده في المنزل كثيرًا مثل السابق.

الأم وابنها "الأمل"..
لكن شيئًا ما كان يعكر صفو مشاعره نحو شقيقه الأكبر؛ وهو معاملة أمه لهذا الشقيق. بعد أن وقع ما وقع من قتل الأب، لم تجد الأم أمامها سوى ابنها الأكبر لترد اعتبار العائلة أمام المجتمع، وتثبت فوقيتها عليه. وعندما عاد إليها ابنها الأكبر بالزي الرسمي تزينه الرتبة، شعرت أن كل شيء قد صار في محله.
ومع محبته لشقيقه، كانت هذه المعاملة الطيبة تقع موقعًا سلبيًّا في نفس الفتى. كان يشعر بالضيق، لا بالغيرة؛ فقد كان يحب أخاه لدرجة لا تجعله يشعر بالغيرة منه، لكنه كان يشعر بالضيق من أمه، ويشعر أنها لا تراه من الأساس.

جريمة والكل مدان..
وفي لحظة ما انفجر كل هذا المخزون الشعوري المتناقض في نفس الفتى ليقتل الطرف الأضعف في دائرة معارفه؛ وهو القريبة كاف.
شخص واحد ارتكب الجريمة، لكن الكاتب وجه إصبع الاتهام إلى الأطراف كافة. كافة؟! ليس كافة في واقع الأمر، بل كانت هناك استثناءات، ليست كثيرة، لكنها موجودة، ولديها ما يبرر استثناءها في رؤية الكاتب.
في طبيعة الجريمة والأجواء المحيطة بها يضع الكاتب المجتمع في قفص الاتهام كمتهم أول. عندما تتفتح عينا الفتى على العنف، لا يمكن توقع أن تزهر نفسه بالورد والريحان، ولا بد أن تكمن بذرة العنف هنا أو هناك في ثنايا النفس، لكن المجتمع لم يُعِر ذلك اهتمامًا. كذلك عندما توضع المرأة في مكانة دنيا في المجتمع، لا بد أن تكون الهدف الأول لأي نوبة عنف.
وعندما يجد المرء نفسه يُعامل بأسلوب تمييزي، لا يلقى به اهتمامًا يساوي ما تلقاه فئات اجتماعية أخرى، من الطبيعي أن يلجأ إلى العنف لجذب الانتباه، وليقول: "أنا موجود" في أقسى وسائل التعبير عن الذات.

تشريح للمجتمع
لذلك تبدو الرواية كأنها تشريح للمجتمع الجزائري بعد الاستقلال؛ ففيها يضع يده على العديد من المشكلات بل الجراح التي أفرزتها عقود من الاستعمار الدموي، دون أن تجد الرعاية الكافية أو السعي إلى مداواتها. لم يسع المجتمع إلى علاج ضحايا الصدمات والعنف جراء في سنوات الثورة جراء جرائم الاحتلال؛ وهي الجرائم التي لا يفيد الاعتذار عنها في مداواة النفوس.
لم تقتصر المشكلة عند حدود ترسبات العنف في النفوس، بل وصلت إلى حد انشغال الدولة ببناء مؤسسة بعيدًا عن دعم باقي مؤسسات المجتمع، واعتبار أن تلبية الاحتياجات الأساسية لأفراده يكفي، بل يغني عن تلبية أية احتياجات أخرى. وبذلك تتفرغ الدولة، ممثلةً في الأم، في دعم المؤسسة العسكرية التي لم تتخلف عن مسئولياتها الاجتماعية "قدر الإمكان"؛ فلم يكن في مقدور المؤسسة الوليدة بعد الاستقلال أن توجه جهودها إلى بناء المجتمع، في الوقت الذي لا تزال هي نفسها قيد البناء.
وكانت هناك الطبقة المنتفعة. تلك الطبقة التي أجادت تقديم نفسها؛ فحصدت، دون أي وجه حق، مكاسب كانت من حق فئات أخرى في المجتمع، لم يجيدوا التعبير عن احتياجاتهم؛ فلم يجدوا من يلبها لهم.
جاءت الجريمة انفجارًا لكل تلك الأخطاء والممارسات والسلبيات لتضع المجتمع أمام مسئولياته: لدينا ميراث عنف يحتاج إلى معالجة، ولدينا فئات لم تقدم للمجتمع ما تستحق لأجله ما تحصده من مكاسب، ولدينا الفئات الخاسرة التي لم تحصل على حقوقها؛ فانفجرت في وجه المجتمع. لدينا كل ذلك، فماذا نحن فاعلون؟

الخلاصة
يضع الكاتبُ المجتمعَ الجزائري أمام مسئولياته؛ فكأنه يقول: للعنف جذوره في بنية المجتمع، ويتعين معالجتها قبل الشكوى من انفجار جديد.
يجيد الكاتب توجيه سهام النقد؛ فهو ضابط سابق حمل السلاح، وسدد به الضربات؛ فانتقلت تلك القدرة إلى صفحات الروايات. كذلك واجه العنف في العشرية السوداء، واحتك بالظاهرة عن قرب، وسمع من أطرافها؛ فلا عجب إذن أن يدرك أن لها أسبابًا، إن لم تكن مباشرة، فعلى الأقل عززت انفجارها إلى تلك المستويات المرعبة كمًّا وكيفًا على هذا المدى الزمني الطويل.
سعى، إذن "ياسمينة خضرا" -أو "محمد مولسهول"- إلى تعرية الجراح في المجتمع سعيًا وراء تطهيرها ليسترد الجسد الجزائري عافيته بعد أن دفع الكثير من الدماء في كفاحه ضد احتلال ظلامي وإرهاب سرطاني؛ فحقَّت له ولأبنائه الراحة.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأدب الشعبي الجزائري: تاريخ ومكونات ومستقبل
- الأدب الشعبي المصري: التاريخ والسمات والآفاق
- بطارخ أبو عبير
- إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا ...
- إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا ...
- غزلان الليل.. حكايات من أرض الأمازيغ
- مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية
- تجربة موسى بن أبي العافية في المغرب الأقصى: مقاربة مكثفة في ...
- جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!
- عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي
- أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
- أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات ...
- عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
- حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب ...
- عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه- ...
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار
- هل من جديد؟!
- قراءة سريعة في خطاب الحزب الشيوعي الأمريكي إلى الحزب الشيوعي ...


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان