أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين محمود التلاوي - مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية















المزيد.....

مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 11:45
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ سياسة العوين في التقاليد السياسية المغربية مفهومًا غير مدوَّن بصيغة نظرية صريحة، لكنه حاضر في الممارسة التاريخية بوصفه نمطًا من تدبير السلطة قائمًا على نسج التحالفات، وبناء شبكات الولاء، والتكيّف مع موازين القوى المتغيرة داخليًّا وخارجيًّا.
وتُحيل كلمة "العوين" في التداول الدارج إلى معنى الاستعانة أو طلب العون؛ وهو ما ينسجم مع جوهر هذه السياسة بوصفها سياسة أحلاف وتوازنات، أكثر منها سياسة صدام مباشر أو هيمنة مطلقة.

الأصل التاريخي
ترجع جذور هذه السياسة إلى البنية القبلية التي سادت بلاد المغرب قبل قيام الدول المركزية؛ حيث استند المجتمع المغربي في بنيته على "العُرف" و"الجماعة"؛ فلم تُبْنَ السلطة على الإخضاع القسري وحده، بل على التفاوض المستمر بين القبائل، وعلى إقامة تحالفات مرنة تُراعي المصالح المتبادلة.
استمر هذا المنطق مع نشوء أولى الكيانات السياسية الكبرى؛ مثل الدولة الإدريسية في أواخر القرن الثامن الميلادي؛ إذ أمِّنت شرعيتها عبر التحالف مع القبائل الأمازيغية، وليس عبر فرض السيطرة العسكرية وحدها. ومع تطور الدولة في عصور لاحقة؛ وبوجه خاص في ظل الدولة المرابطية والدولة الموحدية، تعمّق هذا النمط؛ إذ لم يقم التوسع الإقليمي على القوة فحسب، بل على إدماج القوى المحلية في مشروع سياسي أوسع، عبر استيعاب القبائل والعلماء وربطهم بالمركز بعلاقات ولاء متبادلة.

تجليات العوين في العصور الوسطى والمتأخرة
أخذت سياسة العوين شكلًا أكثر نضجًا مع الدولة المرينية (1244 - 1465)؛ حيث ترسخ مفهوم "قبائل الكيش"؛ وهي القبائل التي قدمت السلطةُ لها الأرض الزراعية والإعفاءات الضريبية مقابل الخدمة العسكرية؛ وهو تجسيد عملي لتبادل المنفعة، ويمثل أرقى أشكال العوين السياسي والعسكري. وفي عهد الدولتين السعدية والعلوية، جُمِع بين الشرعية الدينية، والقوة العسكرية، والتحالفات القبلية.
وقد برزت هذه السياسة داخليًّا، كذلك، في تدبير العلاقة بين بلاد المخزن وبلاد السيبة؛ إذ لم يأت إخضاع الأطراف دائمًا عبر القوة، بل جرى عبر التفاوض، ومنح الامتيازات، وبناء تحالفات ظرفية ضمنت الحد الأدنى من الاستقرار؛ فكان السلطان يضمن للأعيان والقبائل مكانتهم، وهم بدورهم يرفدونه بالجند والدعم وقت الحاجة.
خارجيًّا تجلَّت هذه السياسة بوضوح في العلاقات مع القوى الأوروبية منذ القرن السادس عشر؛ حيث سعت الدولة المركزية إلى موازنة النفوذ بين إسبانيا والبرتغال، ثم فرنسا وبريطانيا، من خلال عقد اتفاقيات وتحالفات مرحلية تخدم مصلحة الدولة.
ويُلاحظ ذلك في سياسة أحمد المنصور الذهبي الذي نسج علاقات مع قوى أوروبية مختلفة، واستثمر التنافس بينها لتعزيز موقعه؛ وهو نهج استمر لضمان هامش من الاستقلال عبر تعدد الشركاء بدل الارتهان لطرف واحد.
ولعل أبرز مثال على تلك التحالفات التحالف المغربي الإنجليزي، في فترات تاريخية معينة، لمواجهة أطماع قوى أخرى.

السياسة المعاصرة وإسقاطات العوين الحالية
مع دخول مرحلة الحماية ثم الاستقلال، لم تختفِ هذه السياسة، بل أعيد تشكيلها ضمن سياق الدولة الحديثة.
وفي تفصيل ذلك أن المغرب اعتمد، بعد الاستقلال، على تنويع علاقاته الدولية، وعدم الانخراط في محاور مغلقة خلال الحرب الباردة؛ وهو ما يعكس امتدادًا واضحًا لسياسة العوين في صورتها المعاصرة.
وفي الوقت الحاضر، تبدو هذه السياسة حاضرة بقوة في توجهات المغرب الخارجية، حيث يحرص المخزن المغربي على بناء شبكة واسعة من الشراكات مع قوى دولية وإقليمية متعددة؛ مثل الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ودول إفريقيا جنوب الصحراء، دون الارتهان الكامل لأي محور؛ وهي سياسة يمكن تلخيصها في تعبير "الشراكات الاستراتيجية وتنويع الحلفاء".
داخليًّا تظهر هذه السياسة في تدبير التوازنات السياسية والاجتماعية، من خلال إشراك قوى مختلفة في المشهد السياسي، والحفاظ على التعددية التي تُدار ضمن إطار استقرار عام.
ومن أمثلة ذلك المبادرات الوطنية الكبرى التي تشرك القطاع الخاص والمجتمع المدني مع الدولة في مشاريع التنمية البشرية؛ مما يخلق نوعًا من التعاقد الاجتماعي.


كيفية التطبيق الحالي والمستقبلي
يُمكن تطوير هذه السياسة لتصبح منظومة شراكات استراتيجية متوازنة، تُعزّز الاستقلال الوطني وتفتح آفاقًا للتنمية. ويُطبَّق ذلك حاليًّا عبر "دبلوماسية التنمية" في إفريقيا؛ حيث تُبنى العلاقات على مبدأ "رابح-رابح"، وتُقدَّم الخبرات المغربية كنوع من "العون للأشقاء"؛ مما يضمن عمقًا استراتيجيًّا وتأييدًا للقضايا الوطنية.
لذلك يمكن القول إن "العوين" سياسة تقوم على المرونة، وإدراك أن السلطة والاستقرار لا يُبنيان بالقوة وحدها، بل بالعلاقات، والتوازنات، وحسن إدارة التحالفات.

خاتمة
بوجه عام فإن سياسة العوين ليست مجرد خيار مرحلي، بل نمط عميق الجذور في الثقافة السياسية والروحية المغربية (تمغربيت)، نشأ من الحاجة إلى التكيّف مع تنوع داخلي كبير وضغوط خارجية مستمرة.
لذلك لا يُعد العوين في العرف المغربي مجرد مصلحة آنية، بل "بيعة" سياسية وأخلاقية تتسم بالاستمرارية والوفاء للعهود؛ مما يفسر استقرار الملكية المغربية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية في المراحل التاريخية المختلفة؛ وبوجه خاص المفصلية منها.

مصطلحات جاءت في متن الموضوع:
تمغربيت: مفهوم يعبر عن الهوية الجامعة والشخصية المغربية التي صُقلت عبر السنين؛ فلم تعد انتماء جغرافيًّا، بل منظومة قيم تتمثل في مزيج يجمع بين المكونات الأمازيغية، والعربية، والأندلسية، والحسانية، والإفريقية، والعبرية. ومن سماتها الاعتدال الديني واستيعاب الثقافات الوافدة.

بلاد السيبة: وهو مفهوم سياسي واجتماعي استُخدم لوصف المناطق التي لم تكن تخضع للسلطة الإدارية والمالية المباشرة للمخزن. ولم تكن هذه المناطق تعلن الولاء لجهة خارجية أو دولة أخرى، بل كان سكانها يعترفون بـ "الشرعية الروحية" للسلطان بصفته أميرًا للمؤمنين، فتُقام الخطبة باسمه في المساجد. لكن تلك قبائل رفضت أداء الضرائب للدولة المركزية أو استقبال ممثليها الإداريين، وفضلت تدبير شؤونها ذاتيًّا بناءً على أعرافها القبلية، مع بقائها ضمن النسيج الوطني المغربي وقت الأزمات الخارجية.

قبائل الكيش: تعاقد صريح ودائم بين السلطة المركزية ومجموعة من القبائل القوية. وبموجب هذا التعاقد، يُعفى أفراد هذه القبائل من أداء الضرائب والرسوم، وتُمنح لهم مساحات واسعة من الأراضي الخصبة لاستغلالها زراعيًّا ورعويًّا، وتُسمى هذه الأراضي "بلاد الكيش". في المقابل، يلتزم رجال هذه القبائل بالخدمة العسكرية الدائمة تحت راية السلطان. ويعود الأصل اللغوي لكلمة "الكيش" إلى الكلمة العربية "الجيش"؛ حيث نُطقت بحرف "الكاف" وفق النطق الدارج في بعض مناطق المغرب.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تجربة موسى بن أبي العافية في المغرب الأقصى: مقاربة مكثفة في ...
- جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!
- عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي
- أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
- أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات ...
- عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
- حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب ...
- عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه- ...
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار
- هل من جديد؟!
- قراءة سريعة في خطاب الحزب الشيوعي الأمريكي إلى الحزب الشيوعي ...
- هاري بوتر... ما لم تقلْ رولينج في قصصها
- إيلا المسحورة.. بحث عن الذات وإثبات الهوية
- الاشتراكية الديمقراطية في مصر.. أبرز النقاط
- مخيم النصيرات: نظرة في عدوان أعمى
- نفسي الأمارة بك.. بطاقة تعريف أدبية
- دون جوان موليير.. خواطر سريعة عن تحفة إبداعية
- غزة والسيناريوهات اللبنانية


المزيد.....




- مراسل CNN ينقل استعدادات باكستان لاستضافة محادثات وقف إطلاق ...
- الحرس الثوري: إدارة مضيق هرمز دخلت -مرحلة جديدة-.. كم سفينة ...
- ترامب يكشف عن -ورقة تفاوضية- بيد إيران و-سبب بقائهم على قيد ...
- قبيل محادثات إسلام آباد.. فانس يأمل بنتائج -إيجابية- مع إيرا ...
- إيطاليا: من لعبة غو إلى مونوبولي ألعاب الطاولة تجمع الأجيال ...
- تقرير: فنزويلا خططت لشراء صواريخ باليستية من إيران بقيمة 400 ...
- المجر: أوربان أمام اختبار انتخابي حاسم... هل يسقط حليف بوتين ...
- مظاهرات في اليمن رفضا لمخطط إسرائيل الكبرى
- صحيفة تركية: هل تفتح مفاوضات باكستان باب السلام أم أبواب الج ...
- الكونغو.. ما الجديد بملف الجنود المحتجزين لدى حركة إم 23؟


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسين محمود التلاوي - مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية