أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - حسين محمود التلاوي - جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!














المزيد.....

جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 18:50
المحور: السياحة والرحلات
    


قد تحتار كثيرًا في توصيف هذه الجزيرة التونسية؛ هل هي قطعة من اليابسة طفت فوق المتوسط، أم حلمٌ أندلسي قديم قرر أن يستقر قبالة السواحل التونسية؟! ولكن الحيرة أن تلبث أن تتبدد بمجرد أن تطأ قدماك أرض جزيرة جربة التونسية؛ فستجدها كفتاة خجولة، تفضل الهدوء على الضجيج، وتختار الكبرياء المتجذر في أعماق التاريخ بديلًا عن صخب الحداثة الزائف. كذلك قد تحتار طويلًا في اختيار نقطة البداية، قبل أن تدرك أن الحيرة نفسها هي البداية الأنسب، وتترك نفسك الإحساس الذي يقول لك: أنت الآن في مكان له روح.
وهكذا كانت جزيرة جربة.

الشوارع الفسيحة... ضجيجُ الهدوء!
أول ما يصافح وجهك في جربة ليس رذاذ البحر، بل تلك الشمس الساطعة التي تبدو وكأنها قررت أن تتخذ من سماء الجزيرة مستقرًا أبديًّا لها. وسماء الجزيرة ليست كأي سماء؛ فهي تنافس البحر في زرقتها، قائلةً له: "لي لوني؛ فلا تحتكر الأزرق وحدك"، بل ربما تتفوق عليه أحيانًا في صفاءٍ نادر، يجعل الرؤية تمتد إلى ما لا نهاية.
إذا سرتَ في شوارعها الفسيحة، قد يستوقفك ذلك التناقض العجيب؛ فالشوارع مفعمة بالحياة، لكنّ ما يسود هو "هدوء الحياة"، إن جاز التعبير؛ فلا مكان للضجيج أو الضوضاء. واللافت أن بتمشية بسيطة، لا تكلفك سوى بضع دقائق من التأمل، يمكنك أن تنتقل من مناطق ذات مبانٍ حديثة، تخبرك أن العالم لا يزال يتحرك، إلى مناطق أخرى تحتضن منازل "الحوش" التقليدية بأسوارها البيضاء الناصعة وقبابها التي تعكس أشعة الشمس، وأبوابها التي تجعلك تشعر كأنك عبرت بوابة زمنية إلى تاريخ مزدان بالإبداع الإنساني. هذه الأحواش رمز للإبداع العابر للأزمنة.

في حضرة "حومة السوق".. عبق الزمان وأُنس الحياة
من النصائح المهمة ألا تجعل وجهتك تقتصر على البحر؛ فالبحر — على جماله — متاحٌ في كل مكان، لكن "الحياة" الحقيقية تكمن في "حومة السوق". هناك، في الأزقة المتداخلة التي تشبه متاهة يحفظها أبناؤها مثل أسمائهم، تجد "الحوانِت" (المحال الصغيرة) بواجهاتها البيضاء، تبيع كل ما صنعته يد أبناء الجزيرة بصبر وأناة، تحت مظلات تحجب سخونة الشمس، ولا تمنع ضياءها.
في تلك المحال، تطالعك أكوام التوابل الشعبية بألوانها المتدرجة من الزعفران إلى الكمون، تملأ الأنوف بعطر الأرض، وبجانبها المشغولات اليدوية والديكورات المنزلية المصنوعة بصبر المتقِن الخبير. وبطبيعة الحال سوف تتوقف طويلًا أمام الملابس التقليدية المنسوجة بخيوط من ذوق وأناقة وتاريخ. وقد لا تجد بأسًا في جلسة بأحد المطاعم لتتناول أكلات؛ مثل البريك أو اللبلابي.
في السوق سوف تشعر أن كل زقاق، بل كل حانوت، فيه هو "خيط في حبات عقد" يربط بين الماضي والحاضر، ويفتح نافذة تتعرف منها على ذائقة الناس، وعلى ما يضعون في بيوتهم، وما يلبسون في أفراحهم، وما يطبخون في مساءاتهم الطويلة

حارة اليهود... ملامح التاريخ وملح البحر
من قلب السوق، وبسهولة تُثير الدهشة، تجد نفسك تنتقل إلى منطقة "الحارة" أو حارة اليهود. هنا، يكتسب المكان طابعًا مختلفًا، لكنه يظل وفيًّا لروح الجزيرة في السياق المعتاد في تونس، من التنوع في إطار الوحدة. منازل تقليدية، ومعالم تحكي قصصًا عن تعايشٍ ضارب في القدم، ويمتد إلى حداثة تراها في رسومات جرافيتي على الحوائط.
ومن المؤكد أنك لن تقاوم رائحة الطعام المنبعثة من المطاعم الصغيرة هناك. مطاعم تزينها لافتات متعددة اللغات والملامح، وأطباقها لها مذاق آخر؛ خليط من المطبخ التونسي ونكهة الذاكرة اليهودية القديمة، تجمع بين ملوحة البحر وحلاوة الكرم التونسي. تجلس في أحد هذه المطاعم، فلا تشعر أنك سائح، بل عابر سبيل وجد مائدة مفتوحة؛ فقال: لم لا؟
في هذه المنطقة، تدرك أن جربة ليست مجرد مكان، بل هي "حالة شعورية" تحتضن الجميع، وتفتح أبوابها للكل.

الغروب... شعلةٌ لا تنطفئ
وبينما الشمس تهم بالرحيل، لترسم ألف لون وانعكاس على واجهات البيضاء للجزيرة، توقن أن سحر جربة لا يكمن في فنادقها الفارهة، بل في تلك النزهة الراجلة بين أزقتها، وفي السلام الذي يسكن شوارعها، وفي قدرتها على الحفاظ على "شخصيتها" وسط عالمٍ يتغير بسرعة جنونية.
وعندما ترحل عن جربة، سوف تشعر في داخلك برغبة في أن تعود إليها ثانية، ليس من أجل البحر، بل من أجل ذلك الهدوء والسلام الداخلي، وزرقة السماء والبحر، وشمس لا تكتفي أن تضيء النهار، بل تضيء ما قد تعتمه الحياة داخل النفس.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي
- أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
- أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات ...
- عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
- حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب ...
- عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه- ...
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار
- هل من جديد؟!
- قراءة سريعة في خطاب الحزب الشيوعي الأمريكي إلى الحزب الشيوعي ...
- هاري بوتر... ما لم تقلْ رولينج في قصصها
- إيلا المسحورة.. بحث عن الذات وإثبات الهوية
- الاشتراكية الديمقراطية في مصر.. أبرز النقاط
- مخيم النصيرات: نظرة في عدوان أعمى
- نفسي الأمارة بك.. بطاقة تعريف أدبية
- دون جوان موليير.. خواطر سريعة عن تحفة إبداعية
- غزة والسيناريوهات اللبنانية
- لسان الدين بن الخطيب
- أدب أفريقيا السوداء.. تتبع وآفاق


المزيد.....




- فرنسا: عبور أكثر من 250 مهاجرا بحر المانش إلى بريطانيا مع عو ...
- أربعة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب في إيران.. هل تستمر الف ...
- هل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران قانونية؟
- بعد قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله.. لبنان يشد ...
- واشنطن تعلن السيطرة على الأجواء الإيرانية وتتوعد بتدمير الصو ...
- لأول مرة منذ عقود.. واشنطن تعلن إغراق سفينة حربية إيرانية بط ...
- إيران: أكثر من ألف قتيل منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي
- دول أوروبية تعمل على إعادة رعاياها من الشرق الأوسط
- الحرب على إيران: وفاة طفلة في الكويت إثر سقوط شظايا في منطق ...
- الاستخبارات الأمريكية تعمل على تسليح القوات الكردية بهدف إشع ...


المزيد.....

- قلعة الكهف / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياحة والرحلات - حسين محمود التلاوي - جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!