|
|
تجربة موسى بن أبي العافية في المغرب الأقصى: مقاربة مكثفة في هندسة التوازنات السياسية
حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 14:27
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة ليست كل الشخصيات التاريخية التي تملأ صفحات الصراع السياسي مؤهلة لأن تُدرج ضمن "تاريخ الفكر السياسي"، ولا كل من بلغ السلطة كان صاحب مشروع دولة أو رؤية تنظيرية، لكن هناك شخصيات اقتربت، وبَنَتْ مشروعًا سياسيًّا، دون أن تصل الى أي من هاتين المكانتين. من بين هذه الشخصيات الإشكالية يبرز موسى بن أبي العافية، الذي عاش في مرحلة مضطربة من تاريخ المغرب الإسلامي؛ حيث تداخلت العصبيات القبلية مع الصراع بين القوى الكبرى؛ مثل الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس، في بيئة لم تكن تسمح بسهولة بقيام دول مستقرة أو نظم مؤسسية راسخة. يطرح هذا أسئلةً جوهرية: هل كان موسى مجرد زعيم قبلي طموح استثمر ظرفًا سياسيًا ملائمًا، أم أنه كان يحمل مشروعًا سياسيًّا خاصًّا؟ وإذا لم يكن صاحب تنظير أو "مدرسة" بالمعنى الدقيق، فهل يمكن اعتباره حالة تطبيقية مبكرة لنمط من الحكم قائم على إدارة التوازنات بدل بنائها؟ وهل يمكن إدراجه ضمن مسار تشكّل تقاليد سياسية مغربية أعمق، مثل سياسة الأحلاف أو "العوين"، التي تقوم على نسج شبكات ولاء مرنة داخليًا، ومناورة القوى الكبرى خارجيًّا؟ إن أهمية موسى بن أبي العافية لا تكمن في ما تركه من مؤلفات أو نظريات - إذ لم يُعرف له شيء من ذلك - بل في كونه نموذجًا حيًّا لمرحلة انتقالية، تتجلى فيها، بوضوح لافت، آليات تشكّل السلطة في الأطراف الإسلامية، كما سيفسرها لاحقًا ابن خلدون من خلال مفاهيم العصبية وتوازن القوى. لقد امتلك موسى عناصر الصعود: عصبية قبلية قوية، وسيطرة على مراكز حضرية، وقدرة على المناورة بين القوى المتنافسة؛ لكنه، في المقابل، لم ينجح - أو لم يسعَ - إلى تحويل هذه الإمكانات إلى دولة مستقرة أو نظام مؤسسي دائم. من هنا، يصبح النظر إليه مدخلًا لفهم نمط خاص من الفعل السياسي، لا يقوم على تأسيس الدولة بقدر ما يقوم على "إدارة المجال" عبر التحالفات والتوازنات؛ وهو النمط الذي سيجد امتداداته، بأشكال أكثر نضجًا، في تجارب لاحقة داخل التاريخ المغربي، وصولًا إلى سياسات أكثر تركيبًا لدى الدولة العلوية. وبذلك، فإن دراسة موسى بن أبي العافية لا تقتصر على إعادة قراءة شخصية تاريخية، بل تفتح أفقًا أوسع للتأمل في طبيعة السلطة، وحدود الدولة، واستمرارية أنماط الحكم في المجال المغاربي.
نشأة موسى بن أبي العافية ولد موسى بن أبي العافية في أواخر القرن العاشر الميلادي داخل قبيلة مكناسة؛ إحدى القبائل الكبرى ضمن اتحاد زناتة في شمال المغرب، في بيئة اجتماعية تقوم على العصبية القبلية والترابط العائلي. تربى موسى في وسط قبلي؛ حيث كان الانتماء والولاء للعشيرة والقبيلة يشكّلان أساس النفوذ والهوية؛ وهو ما غرس فيه منذ الصغر فهمًا عمليًّا لكيفية بناء القوة والحفاظ عليها. تلقى موسى علومه الأولى داخل محيطه المحلي؛ حيث تعلّم قراءة القرآن والفقه الأساسي، كما اكتسب معرفة بالأعراف القبلية وطرق التفاوض والتحالف؛ وهي علوم عملية صقلت قدراته على القيادة السياسية والاجتماعية قبل أن يمتد نفوذه إلى المستوى الإقليمي. ومع مرور الوقت، برز كفرد ذكي ومحنك قادر على استغلال الفرص؛ فاستحوذ تدريجيًّا على دعم قبيلته وتحالفاتها؛ ما مكّنه من الصعود إلى زعامة مكناسة، وفتح له الباب للعب دور مؤثر في الصراعات السياسية المحلية والإقليمية في المغرب الأقصى.
الإطار السياسي المحلي والظرف الدولي لبداية تجربة موسى بن أبي العافية لفهم المسار السياسي لموسى بن أبي العافية، لا بد من وضعه ضمن سياق تاريخي شديد التعقيد، تداخلت فيه هشاشة البنية الداخلية للمغرب الأقصى مع احتدام الصراع بين قوى إقليمية كبرى؛ ما أفرز بيئة سياسية مفتوحة أمام الفاعلين المحليين، لكنها في الوقت نفسه كانت مليئة بالمخاطر والتقلبات. أولًا: الوضع السياسي المحلي في المغرب الأقصى عند بداية بروز موسى بن أبي العافية، لم يكن المغرب الأقصى يعرف وجود دولة مركزية قوية بالمعنى المؤسسي، بل كان أقرب إلى فسيفساء سياسية تتوزعها قوى متعددة تشمل بقايا نفوذ الأدارسة الذين فقدوا الكثير من تماسكهم السياسي، وتحول حضورهم إلى رمزي أكثر منه فعلي في بعض المناطق، إلى جانب القبائل الكبرى؛ وبوجه خاص زناتة التي كانت تشكل قوة عسكرية واجتماعية حاسمة، لكنها لم تكن موحدة تحت قيادة واحدة، بالإضافة إلى مدن محورية؛ مثل فاس التي كانت تمثل مركزًا حضريًا مهمًا، لكنها بدورها كانت عرضة للتنافس بين القوى المختلفة. وفي هذا السياق، لم تكن السلطة تُبنى عبر مؤسسات مستقرة، بل عبر موازين القوى القبلية والتحالفات المتغيرة والقدرة على فرض النفوذ في لحظة معينة؛ مما يعني أن المجال السياسي كان مفتوحًا أمام زعماء قادرين على الحشد والمناورة؛ وهو ما أتاح لشخصية مثل موسى أن تصعد بسرعة، لكن دون ضمانات للاستمرار. ثانيًا: الظرف الدولي والإقليمي تزامن صعود موسى بن أبي العافية مع واحدة من أهم لحظات الاستقطاب في الغرب الإسلامي، تمثلت في الصراع بين الدولة الفاطمية التي كانت تسعى إلى تثبيت نفوذها في المغرب وتوسيع مشروعها السياسي الديني غربًا، وبين الدولة الأموية في الأندلس التي رأت في ذلك تهديدًا مباشرًا؛ فسعت إلى مواجهة الفاطميين عبر دعم قوى محلية مناوئة لهم في المغرب. ولم يكن هذا الصراع مجرد تنافس عسكري، بل كان أيضًا صراعًا على الشرعية والخلافة وصراعًا على النفوذ في طرق التجارة والمجال المتوسطي. وبسبب البعد الجغرافي النسبي، لم تستطع أي من القوتين فرض سيطرة مباشرة ومستقرة على المغرب الأقصى، فاعتمدتا بشكل أساسي على سياسة الوكلاء والأحلاف المحلية. ثالثًا: التفاعل بين المحلي والدولي في نقطة التقاء هذين المستويين من تفكك داخلي وصراع خارجي، تشكلت البيئة التي تحرك فيها موسى بن أبي العافية؛ فمن جهة، وفّر له ضعف المركز السياسي المحلي فرصة لبناء نفوذ مستقل، ومن جهة أخرى، أتاح له الصراع بين الفاطميين والأمويين هامشًا واسعًا للمناورة عبر تبديل الولاءات وتوظيف الدعم الخارجي وتحقيق توازن بين القوى، لكن هذا الهامش نفسه كان سلاحًا ذا حدين؛ إذ مكّنه من الصعود لكنه جعل استقراره مرهونًا دائمًا بتقلبات ميزان القوى الأكبر منه.
آليات الحكم وتحليل المشروع السياسي وحدوده إذا كان صعود موسى بن أبي العافية قد ارتبط بظرف سياسي مفتوح على الاحتمالات، فإن استمراره في الفعل السياسي ارتكز على جملة من الآليات التي تعكس نمطًا خاصًا من الحكم يقوم على إدارة التوازنات أكثر من بناء المؤسسات، ومن خلال تفكيك هذه الآليات يمكن الوقوف على طبيعة مشروعه السياسي وحدود هذا المشروع في الآن ذاته. أولًا: آليات الحكم فيما يخص آليات الحكم، اعتمد موسى في تثبيت نفوذه على عصبية قبيلته مكناسة ضمن زناتة؛ بوصفها مصدر القوة العسكرية وأداة الحشد والتعبئة، غير أن هذه العصبية لم تتحول إلى إطار جامع يتجاوز القبيلة بل ظلت قاعدة انطلاق لا نواة دولة. كذلك كانت أبرز أدواته بناء تحالفات مرنة، وتبديل الولاءات وفق تغير موازين القوى، وقد شمل ذلك القوى المحلية من قبائل وزعامات والقوى الإقليمية وخاصة الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس. وهنا تتجلى بوضوح ملامح ما يمكن تسميته حكم الشبكات لا حكم المؤسسات. أيضًا أدرك موسى أهمية المدن؛ وبوجه خاص مدينة فاس؛ فعمل على بسط نفوذه عليها وتوظيف مواردها ورمزيتها، لكن هذه السيطرة ظلت عرضة للتقلب ومرتبطة بميزان القوة العسكري والسياسي؛ أي أنها لم تتحول إلى إدارة مستقرة ذات طابع مؤسسي. لم يكن موسى مجرد فاعل محلي، بل أحسن استثمار الصراع بين القوى الكبرى، فيقترب من طرف حينًا، ويبتعد عنه حينًا آخر؛ بما يسمح له بالحفاظ على موقعه دون الخضوع الكامل لأي منهما، وهذا يعكس انتقال سياسة الأحلاف من مستوى قبلي إلى مستوى إقليمي متعدد الأطراف. ثانيًا: تحليل المشروع السياسي من خلال هذه الآليات، يمكن القول إن موسى بن أبي العافية لم يكن بلا مشروع، بل كان يحمل مشروعًا يمكن تعريفه بدقة بأنه مشروع سيطرة مرنة على المجال لا مشروع بناء دولة؛ أي أن هدفه لم يكن تأسيس نظام مستقر طويل الأمد، بل الحفاظ على موقع متقدم داخل شبكة معقدة من القوى، وهذا ما يفسر اعتماده على التوازن بدل الحسم وعلى التحالف بدل الإخضاع وعلى الظرفية بدل التخطيط بعيد المدى. ثالثًا: حدود المشروع السياسي على الرغم مما أتاحته هذه المقاربة من قدرة على الصعود والمناورة، فإنها حملت في طياتها حدودًا بنيوية واضحة، تبدأ بهشاشة الاستقرار بسبب اعتماد الحكم على ولاءات متغيرة وتحالفات ظرفية؛ مما جعل نفوذ موسى معرضًا للاهتزاز مع أي تغير في موازين القوى. ويضاف إلى ذلك غياب الشرعية المستقلة حيث لم يستند مشروعه إلى دعوة دينية جامعة أو نسب يمنحه شرعية رمزية ممتدة؛ فبقيت شرعيته عملية ومؤقتة لا رمزية ومؤسسة. كذلك لم تشهد تجربته تشكل جهاز إداري؛ إذ لم يعمل على بناء مؤسسات أو تنظيم إدارة دائمة؛ مما جعل حكمه مرتبطًا بشخصه أكثر من ارتباطه بنظام قابل للاستمرار، فضلًا عن الارتهان النسبي للخارج،؛ فعلى الرغم من مهارته في المناورة، فإن انخراطه في صراع الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس جعل موقعه متأثرًا بل أحيانًا مرهونًا بتقلبات هذا الصراع.
سياسة الأحلاف من الجذور السابقة إلى تطبيق موسى واستمراريتها في التجربة المغربية تُعد سياسة الأحلاف أو ما يُصطلح عليه في بعض الأدبيات بـ"العوين" إحدى السمات العميقة في التاريخ السياسي للمغرب؛ حيث لم تتشكل السلطة في كثير من مراحله عبر مركز صلب ومؤسسات ثابتة بقدر ما قامت على شبكات من الولاءات المتحركة. وفي هذا السياق تمثل تجربة موسى بن أبي العافية لحظة كاشفة في تبلور هذا النمط، لا بوصفه مبتكرًا له، بل بوصفه أحد أوائل من مارسوه بوعي سياسي واضح داخل سياق إقليمي معقد. أولًا: الأحلاف في المغرب قبل موسى بن أبي العافية لم تكن سياسة الأحلاف ظاهرة طارئة، بل كانت ممتدة في البنية الاجتماعية والسياسية للمغرب منذ فترات مبكرة؛ ففي المرحلة القبلية السابقة للإسلام كانت العلاقات بين المجموعات تقوم على التحالف والتوازن وتبادل المصالح، ومع قيام كيانات سياسية إسلامية مبكرة مثل الأدارسة لم تختفِ هذه البنية، بل استمرت في التأثير حيث اعتمد الحكم على البيعة القبلية واستمالة القوى المحلية، دون القضاء الكامل على استقلاليتها. وبذلك يمكن القول إن الأحلاف كانت بنية سابقة على الدولة ومرافقة لها في آن واحد. ثانيًا: تطبيق موسى بن أبي العافية لسياسة الأحلاف ما يميز موسى ليس ابتكار هذه السياسة بل نقلها إلى مستوى أكثر تعقيدًا ووعيًا؛ فمن الناحية المحلية اعتمد على بناء تحالفات مع قبائل وزعامات مختلفة مع موازنة القوى داخل المجال الذي يسيطر عليه، وتجنب الصدام الشامل مع جميع الأطراف؛ فلم يسعَ إلى إخضاع كامل، بل إلى إدارة توازن يسمح له بالبقاء في موقع القيادة. وعلى المستوى الإقليمي والدولي فقد ظهرت خصوصية تجربته بشكل أوضح؛ حيث نجح في توظيف الصراع بين الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس؛ فتحالف مع هذا الطرف حينًا، ثم مال إلى الطرف الآخر حينًا آخر ليس بدافع الولاء العقيدي، بل باعتبار التحالف أداة لتحقيق التوازن وحماية موقعه، وهنا تتحول سياسة الأحلاف من آلية محلية إلى استراتيجية متعددة المستويات، تشمل المحلي والإقليمي. لذلك يمكن القول إن في تجربة موسى لم تكن الأحلاف مرحلة انتقالية نحو بناء دولة، بل أصبحت نمط حكم قائمًا بذاته؛ مما يفسر غياب السعي إلى مؤسسات دائمة واستمرار الاعتماد على المرونة بدل الاستقرار. ثالثًا: استمرارية سياسة الأحلاف في التجربة المغربية على الرغم من التحولات الكبرى التي عرفها المغرب، لم تختفِ هذه السياسة، بل أعيد إنتاجها بأشكال أكثر تنظيمًا؛ وبوجه خاص في إطار الدولة العلوية. على المستوى المحلي عملت الدولة العلوية على إدماج القوى القبلية والزعامات المحلية داخل بنية المخزن وتوزيع الأدوار بدلًا من إلغائها، والحفاظ على توازن دقيق بين مراكز النفوذ؛ فأصبحت الأحلاف مُدارة من المركز عوضًا عن أن تكون خارجة عنه. وعلى المستوى الدولي اعتمدت الدولة العلوية تاريخيًّا وحديثًا على تنويع الشركاء الدوليين، وتجنب الارتهان لقوة واحدة، واستخدام العلاقات الخارجية لتحقيق توازن استراتيجي؛ وهو ما يعكس امتدادًا لمنطق الأحلاف ولكن في صورة دبلوماسية أكثر تعقيدًا.
تقييم نهائي للتجربة في التاريخ السياسي المغربي والإسلامي تتجلى أهمية موسى بن أبي العافية في التاريخ السياسي المغربي ليس في كونه مؤسس دولة أو منظّر سياسي، بل في كونه حالة تطبيقية مبكرة لمبادئ إدارة السلطة عبر التوازنات والتحالفات، في بيئة مضطربة تمزج بين تفكك داخلي وضغوط إقليمية كبرى. وتنكشف هذه الأهمية على مستويين المحلي والإقليمي، وضمن الإطار الأوسع للتاريخ الإسلامي. أولًا: على الصعيد المغربي يمثل موسى مرحلة وسيطة بين الزعامة القبلية التقليدية وبروز الدولة المركزية؛ حيث استغل العصبية والولاءات القبلية لتثبيت نفوذه مؤقتًا دون الانتقال إلى إنشاء مؤسسات دائمة أو دولة مستقرة. ومن خلال ممارسته لسياسة الأحلاف، نقل هذا النمط من أداة ظرفية إلى استراتيجية واضحة لإدارة السلطة؛ مما شكل نموذجًا لاحقًا لاستراتيجيات الدولة المغربية وصولًا إلى الدولة العلوية التي أعادت صياغة هذه السياسة داخليًّا وخارجيًّا، بطريقة أكثر تنظيمًا واستمرارية، كما يمكن اعتباره حلقة مهمة لفهم تطور السلطة في الأطراف المغربية، وكيف يمكن للقوى المحلية أن تلعب دورًا فعالًا حتى في غياب الدولة المركزية. ثانيًا: على الصعيد الإسلامي على الرغم من أن موسى لم يكن منظّرًا سياسيًّا بالمعنى الكلاسيكي، فإن تجربته تقدم نموذجًا حيًّا لتطبيق ما سيصبح لاحقًا مفاهيم علم العمران عند ابن خلدون؛ لا سيما في دراسة العصبية وتوازن القوى وتأثير التحالفات على ظهور وسقوط السلطة؛ ومن ثم لا يُسجّل له دور في الفكر السياسي الإسلامي التقليدي، لكنه يُسجّل كحالة واقعية توضح كيفية تشكّل السلطة وإدارتها في الأطراف خارج المركز؛ وهو موضوع محوري لفهم الديناميات السياسية في العالم الإسلامي المبكر والمتوسط. إذن يمكن صياغة مكانة موسى بن أبي العافية بدقة بالقول إنه لم يكن مفكرًا سياسيًّا، ولم يكن مؤسس دولة، لكنه كان فاعلًا سياسيًّا بارعًا ضمن ظرف تاريخي مضطرب، استطاع من خلاله ممارسة سلطة قائمة على العصبية والتحالفات، وقدم نموذجًا لتجربة الحكم الشبكي التي ستستمر في المغرب عبر القرون. وبذلك يمثل حلقة مهمة لفهم مسار تطور السلطة والسياسة الواقعية في المغرب الإسلامي سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي، ويظل اسمه مرجعًا لدراسة العلاقة بين القوة والتحالفات والعصبية في التاريخ السياسي.
خاتمة تُظهر قراءة تجربة موسى بن أبي العافية أن الحكم على الشخصيات التاريخية لا يستقيم دائمًا وفق معايير لاحقة؛ كفكرة الدولة المؤسسية أو التنظير السياسي المكتمل. فالرجل لم يكن فيلسوفًا سياسيًا، ولا صاحب "مدرسة" فكرية، كما أنه لم ينجح في تأسيس دولة مستقرة بالمعنى المعروف. لكنه، في المقابل، لم يكن مجرد طامح عابر أو زعيم قبلي محدود الأفق. لقد تحرك موسى داخل سياق مركب، اتسم بتفكك داخلي وصراع إقليمي بين الدولة الفاطمية والدولة الأموية في الأندلس؛ فاستطاع أن يستثمر هذا الواقع عبر آليات حكم تقوم على العصبية، والتحالفات المتحركة، وإدارة التوازنات، بدلًا من السعي إلى الحسم أو بناء مؤسسات دائمة. ومن هنا، يمكن فهم مشروع موسى بن أبي العافية بوصفه "مشروع سيطرة مرنة على المجال"، لا مشروع تأسيس دولة. غير أن حدود هذا المشروع كانت كامنة في طبيعته ذاتها؛ إذ إن الاعتماد على الأحلاف والولاءات الظرفية، على الرغم مما يوفره من قدرة على الصعود والمناورة، يظل عاجزًا عن إنتاج استقرار طويل الأمد أو شرعية مستقلة. وهو ما يفسر بقاء تجربة موسى ضمن دائرة "السلطة الممكنة" لا "الدولة المستقرة"، وفق منطق يقترب مما سيبلوره لاحقًا ابن خلدون في تحليله للعصبية وتحوّلها إلى مُلك. ومع ذلك، فإن أهمية موسى بن أبي العافية لا تكمن في ما أنجزه فحسب، بل في ما يكشفه من أنماط أعمق في التاريخ السياسي المغربي، وعلى رأسها سياسة الأحلاف أو "العوين"، التي ظهرت قبله، لكنه أسهم في نقلها إلى مستوى أكثر تعقيدًا، عبر ربطها بالصراع الإقليمي وتوظيفها كأداة حكم. هذه السياسة، التي تقوم على إدارة التوازنات داخليًّا، ومناورة القوى خارجيًّا، ستجد امتداداتها في تجارب لاحقة، وصولًا إلى الدولة العلوية، التي أعادت إنتاجها في صورة أكثر تنظيمًا واستمرارية. وبذلك، فإن دراسة موسى بن أبي العافية تتيح لنا تجاوز التصنيفات البسيطة، لننظر إليه بوصفه "حلقة في مسار تاريخي أطول"، يتشكل فيه الحكم في المغرب عبر تفاعل مستمر بين العصبية، والتحالف، والتوازن، أكثر مما يتشكل عبر القطيعة أو البناء المفاجئ للدولة. ومن هذا المنظور، يغدو موسى ليس استثناءً، بل تعبيرًا مبكرًا عن منطق سياسي سيستمر، بأشكال مختلفة، عبر القرون.
مراجع للاستزادة: 1. أحمد، حسن خضيري: صفحات من تاريخ المغرب الإسلامي، دار الهداية القاهرة، 1993 2. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (تاريخ ابن خلدون)، دار الفكر، بيروت، 2000 3. ابن عذاري المراكشي، أحمد بن محمد: بيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. (تحقيق ج. س. كولان وإيف ليفي بروفنسال)، دار الثقافة، بيروت، 1983 4. العروي، عبد الله: مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2007
#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)
Hussein_Mahmoud_Talawy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!
-
عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي
-
أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
-
أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات
...
-
عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
-
حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب
...
-
عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه-
...
-
حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
-
حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
-
حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار
-
هل من جديد؟!
-
قراءة سريعة في خطاب الحزب الشيوعي الأمريكي إلى الحزب الشيوعي
...
-
هاري بوتر... ما لم تقلْ رولينج في قصصها
-
إيلا المسحورة.. بحث عن الذات وإثبات الهوية
-
الاشتراكية الديمقراطية في مصر.. أبرز النقاط
-
مخيم النصيرات: نظرة في عدوان أعمى
-
نفسي الأمارة بك.. بطاقة تعريف أدبية
-
دون جوان موليير.. خواطر سريعة عن تحفة إبداعية
-
غزة والسيناريوهات اللبنانية
-
لسان الدين بن الخطيب
المزيد.....
-
عناقٌ حقيقي بعدما تخلت أمه عنه.. شاهد -بانش- القرد يجد الدفء
...
-
-اهتزت الأرض-.. ما حقيقة فيديو -التجربة النووية في إيران-؟
-
ما هي الجزر الصغيرة في الخليج التي قد تكون هدفًا لهجمات ترام
...
-
دول أوروبية تتخذ إجراءات مستعجلة لمواجهة تداعيات حرب الشرق ا
...
-
القلق: هل هو رسالة من العقل أم من الجسد؟
-
ريبورتاج: أوضاع إنسانية صعبة بالنبطية جنوب لبنان بسبب الحرب
...
-
بوتين: موسكو لا تزال صديقا وفيا وشريكا موثوقا لإيران
-
20 مصابا في منطقة ديمونة جنوب إسرائيل جراء هجوم صاروخي إيران
...
-
حرب إيران.. نهاية قريبة أم منعطف خطير للصراع؟
-
من وراء الكواليس.. كيف يدير روته ضغوط ترامب على الناتو؟
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|