فريدة رمزي شاكر
الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 04:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
هل صحيح في فرنسا، ليس كل لويس هو الملك ؟!
حادث تاريخي مشهور، حيث واجه اليهود رفض شعوب أوروبا لهم لأنهم تآمروا على الشعوب الأوروبية، وخصوصاً كانوا يدمرون كراهية للمسيحية، حتى تآمروا على بلدهم وجلبوا العرب المسلمين لإحتلال بلدهم إسبانيا ط، نتيجة كراهيتهم لشعبهم الإسباني الكاثوليكي.
وكانت هذه المحاكمة حوالي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي وهي عبارة عن « مناظرة باريس سنة 1240»
وكان الملك لويس التاسع وهو ملك متدين تقي، أظهر قدراته في الجدال ومناقشة اليهود حول مدى صحة العقيدة اليهودية. فأمر بمحاكمة التلمود في بلاطه سنة 1240 بعدما وصلته رسالة من يهودي تحول إلى المسيحية الكاثوليكية اسمه « نيكولاس دونين» وكان قد نبذ المجتمع اليهودي، ووجه رسالة لاذعةً إلى البابا غريغوري التاسع.
هاجم «دونين» في رسالته التَّلْمُودُ، وذكر 35 شكوى ضد التَّلْمُودُ، من بينها أن التَّلْمُودُ يهاجم الكنيسة الكاثوليكية، وبأن فيه إهانات للسيد المسيح، وبأنه يتضمن تجديفًا ضد المسيحية، وتحريضات بالهجمات على المسيحيين أنفسهم، وتجديفًا ضد الله، وخرافاتٍ بذيئة. وإستندت الهجمات على المسيحية إلى مقاطع بذيئة تُشير إلى يسوع المسيح وأمه العذراء مريم.
فعلى سبيل المثال، هناك مقطع يتحدث عن شخص يُدعى يسوع أُرسل إلى الجحيم ليُغلى في برازه إلى الأبد. وقد أنكر اليهود أن يكون هذا هو يسوع المذكور في الإنجيل، قائلين: «ليس كل لويس وُلد في فرنسا ملكًا». وبأنه شخص أخر عاش بعد المسيح بقرن.
➖ الفقرات التي إستشهد بها «دونين» ضد التلمود، حيث قال أن التلمود يشتم المسيح في هذه المواضع :
ــــ في سنهدرين 43أ : مكتوب: « في عشية عيد الفصح عُلّق يشوع الناصري... لأنه مارس السحر وأغوى إسرائيل».
ــــ في سنهدرين 107ب / سوتاه 47أ: قصة يشوع وتلميذه الذي طرده. « الحاخام يهوشع بن برحيا دفع يشوع بكلتا يديه».
ــــ جيتين 56ب-57أ: « أونكلوس استحضر روح يشوع فسأله عن عقابه، فقال: بعقوبة الغلي في البراز المغلي».
« دونين» قال إن هذا المكتوب في التلمود عن المسيح، والحاخامات قالوا هذا «يشوع بن بنديرا» وليس يسوع الناصري.
➖ اتهامات تخص مريم العذراء:
ــــ في« شبات 104ب / سنهدرين 67أ» :
« بن ستدا هو بن بانديرا... أمه مريم كانت مصففة شعر نساء، وزنت مع بانديرا».
دونين اعتبر «بن ستدا» هو المسيح و «مريم» هي العذراء.
الحاخامات ردوا: «مش كل مريم هي مريم أم المسيح، ومش كل يشوع هو يسوع».
➖ اتهامات عامة ضد المسيحيين « المينيم» و« النوتسريم»
ــــ في عابوداه زاراه 26ب: « لا تنقذ المينيم من الحفرة».
دونين قال « المينيم» يعني «المسيحيين».
ــــ في« سنهدرين 57أ »: «قتل غير اليهودي مباح».
رد دونين وفسرها إنها تشجع على قتل المسيحيين.
ــــ في «بركات 17ب»: دعاء « وللملشينيم لا يكن رجاء»
ــــ رد «دونين » وقال إن «ملشينيم» مقصود بهم المسيحيين.
ــــ في«روش هشاناه 17أ» : «المينيم ينزلون لجهنم ويُعاقبون فيها لأجيال».
والمينيم والنوتسريم، هما مصطلحان ظهرا في الأدب الحاخامي القديم:
ــــ المينيم:
وتعني هرطقة والمقصود بها في التلمود، اليهود المهرطقين أو الخارجين عن تعاليم الحاخامات. مثل الصدوقيين والبيثوسيين والغنوصيين الباطنية. واليهود المسيحيين الأوائل الذين آمنوا بالسيد المسيح ولكنهم تمسكوا بتطبيق الشريعة الموسوية، وهذا هو المعنى الأغلب في القرن2-3م. لمعنى« المينيم» بحسب آراء بعض الباحثين المعاصرين .
«في بركات28ب - 29أ»: أضاف الحاخام جملئيل الثاني حوالي سنة 90م، دعاء في صلاة الـ18ضد المينيم : «وللمينيم لا تكن رجاء». وهذا جعل اليهود المسيحيين مايقدروش يصلوا في المجامع اليهودية.
في« روش هشاناه 17أ»: « المينيم ينزلون لجهنم»
في« حولين 13ب»: «ذبائح المينيم وثنية»
ــــ أما النوتسريم:
فالمعنى الحرفي نسبة لمدينة «الناصرة» نَتْسَرَت. والمقصود بهم المسيحيين تحديدًا أي أتباع «يسوع الناصري». وأستخدم المصطلح في التلمود نادر. وظهر متأخراً في بعض المخطوطات.. مثال:
«في تعنيت 27ب» وهي مخطوطة ميونخ «يوم النوتسري» =أي يوم الأحد..
وفي الأدب اليهودي بعد التلمود، بقى المصطلح الرئيسي للمسيحيين حتى اليوم في العبري الحديث، المسيحي = يعني «نوتسري». ومن اللغة العبرية اشتق كتاب العرب المسلمين لفظة « النصارى» من نفس الجذر.
الرأي الأكاديمي: أغلب الباحثين بيقولوا إن «المينيم» في القرن 1-2م شملت اليهود-المسيحيين فعلًا، لأنهم كانوا أخطر هرطقة على الحاخاميين وقتها. لكن بعد القرن 4م لما المسيحية انفصلت تمامًا، بقى المصطلح «نوتسريم» هو المستخدم للمسيحيين، و«مينيم» بقى مصطلح عام للزنادقة اليهود المهرطقين بمن فيهم اليهود المسيحيين الأوائل الذين تمسكوا بتطبيق الشريعة.
➖ إتهامات ضد الإنجيل:
- في شبات 116أ: فقرة كتبت عن «المينيم- أي المسيحيين» تُسمى «أَوَن جليون» ويعني «كتابات الأوثان/الشر»، ويجب حرقها.
➖ رد الحاخامات في المحاكمة سنة 1240:
قال الحاخام يحيئيل من باريس 4 نقاط دفاع أساسية:
1. « ليس كل يشوع هو يسوع»
2. التلمود اتكتب بعد المسيح بـ 500 سنة.
3. يشوع المذكور عاش زمن الحاخام يهوشع بن برحيا، أي 100 سنة قبل المسيح.
4.وقال: « ليس كل لويس في فرنسا هو الملك»
وبأن التَّلْمُودُ يستخدم لغة المبالغة والتهويل « جوزما»، وبأن فقرة «الغلي في البراز» هي مبالغة أدبية لوصف شدة عقوبة من يضل الناس، وليس وصف حرفي.
ــ وقال أن: «المينيم» ليسوا المسيحيين، بل المقصود بهم طوائف يهودية مهرطقة من القرن الأول-الثاني زي الصدوقيين، وليس مسيحيين القرن 13!!
➖ وكانت نتيجة المناظرة :
اللجنة الكنسية رفضت دفاع الحاخامات. البابا والملك لويس التاسع أعتبروا التلمود «مليء بالتجديف» على المسيح وأمه العذراء وعلى المسيحية وأمروا بمصادرته.
في 17 يونيو 1242 تم إحراق 24 عربة فيها ,000 مجلد.
2. بعد الحرق، الرقابة الكنسية حذفت وعدّلت الفقرات المسيئة من نسخ التلمود المطبوعة في أوروبا .
هذه كانت الاتهامات اللي قدمها «دونين » واعتمدت عليها المحاكمة
فأرسل البابا غريغوري التاسع رسالة إلى جميع المؤسسات الكاثوليكية في فرنسا يطالبها فيها بمصادرة نسخ التلمود من المجتمعات اليهودية الموجودة فيها. كما أُرسلت رسائل مماثلة إلى القادة الكاثوليك في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال.
وأعلن البابا أن التلمود سيُحاكم، وأنه يجب مصادرة جميع النسخ قبل بدء المحاكمة.
حُدِّد موعد مصادرة مجلدات التلمود الثمينة من المعابد والمنازل والمدارس اليهودية يوم السبت الموافق 3 مارس 1240. في ذلك اليوم اقتحم المسؤولون المعابد في أنحاء أوروبا حيث كان اليهود مجتمعين لأداء صلاة السبت، وحملوا مجلدات التلمود التي كُتبت بخط اليد بعناية فائقة، بالإضافة إلى كتب يهودية أخرى.
بعد شهرين، عُرض التَّلْمُودُ للمحاكمة. أشرف الملك لويس التاسع على الترتيبات. وتعهد شخصيًا بضمان سلامة اليهود المكلفين بالدفاع عن التلمود. وكانت هناك قواعد صارمة يجب على أي يهودي يدافع عن التلمود الالتزام بها:
لا يجوز لهم إنتقاد المسيحية بأي شكل من الأشكال.
لا يُسمح بأي كلام مسيء للمسيحيين أو الإيمان المسيحي. والتجديف على الكنيسة غير مسموح به.
أمر الملك لويس التاسع أربعة من كبار الحاخامات بالدفاع عن التَّلْمُودُ: بقيادة «الحاخام يحيئيل» من باريس، «والحاخام موسى من كوسي»، «والحاخام يهوذا » من ميلوم، «والحاخام صموئيل بن سليمان» من شاتو تييري. وواجهوا« نيكولاس دونين» العابر للمسيحية .
➖ الحرق تم في 17يونيو 1242:
بعد إدانة التَّلْمُودُ، أصدر لويس التاسع الأمر بتنفيذ الحكم. في 17 يونيو 1242 حيث تم جمع كل نسخ التلمود وكتب أخرى من يهود فرنسا بالقوة.
وفي 24 عربة محملة بمخطوطات التلمود « اتسحبت في شوارع باريس حتى ساحة «Place de Grève » بجانب كاتدرائية نوتردام، وأحترقت علناً. تقول التقديرات إن الـ 24 عربة كان فيها حوالي 10,000 مجلد عبري مكتوب نَسخ بخط اليد. في الزمن قبل أختراع الطباعة، كل نسخة كانت تستغرق سنوات من النسخ اليدوي. مما أدي إلى تقلص شرور وتطرف تعاليم الحاخامات لأجيال من يهود فرنسا.
« الحاخام مئير» من « روتنبورغ » كان شاهد عيان وكتب مرثية مشهورة «شَعَلي سروفاه» بيبكي فيها التلمود المحروق الذي يحتوي على إهانات موجهة ضد المسيح والمسيحية. وقال فيها :« يا التلمود، الذي إلتهمته النار، اسعَ إلى سلامة الذين ينوحون عليك..»
➖ سبب أهمية هذه الحادثة:
1. أول محاكمة علنية للتَّلْمُود في أوروبا المسيحية.
2. هذه المحاكمة غيّرت نظرة المسيحيين لليهود: بعد ترجمة مقتطفات من التَّلْمُود للفرنسية، رأوا من خلالها أن اليهود ليسوا هم « أهل العهد القديم» فقط، بل رأوهم أصحاب دين مختلفاً تماماً عن اليهودية القديمة.
الحرق تم بأمر البابا غريغوري التاسع والملك لويس التاسع معًا، والملك لويس هو من أشرف على تنفيذ الحرق العلني بعد سنتين من المحاكمة.
هذه الحادثة التاريخية أصبحت يوم صيام عند بعض اليهود: الجمعة التي قبل قراءة « باراشات حوكات». وهو القَسَم الأسبوعي رقم 39 في التوراة. و« حُوكات» جمع «حُوك» חוק = ومعناها شريعة، فريضة
وبسبب هذه الحوادث التاريخية زاد تطرف الفكر الحاخامي عبر مئات السنين التالية .
#فريدة_رمزي_شاكر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟