أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - المدرسة والحاجة إلى ثورة ثقافية في العصر الرقمي














المزيد.....

المدرسة والحاجة إلى ثورة ثقافية في العصر الرقمي


زكرياء مزواري

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 16:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين أستمع لشكوى الكثير من المتعلمين وتدمّرهم من شكل المدرسة الحالي، وحين أتأمل سلوكهم داخل الفصل الذي يميل إلى التّمرّد وعدم القدرة على الانضباط والتركيز طوال الحصة التعليمية التعلمية، وحين أسمع أيضاً لشكوى المدرسين وشعورهم الجماعي بالإحباط ممّا آل إليه الوضع التعليمي عامة، وتدمّرهم من هذا الجيل الرقمي خاصة، تتبادر إلى ذهني الآية القرآنية الكريمة: "ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ".
والحال، أنّنا حين نُصيخ السّمع جيداً، ونعيد تقليب النّظر بشكل جذري في مؤسسة المدرسة، ونراعي طبيعة السياق التاريخي الذي نشأت فيه، ثمّ نربطه بروح العصر الذي ننتمي إليه، آنذاك تسهل علينا مُهمة الفهم، وتتيسّر لنا طرق التّفكيك وإعادة البناء. فالمدرسة بالشّكل التي هي عليه الآن، ابنة العصر الصناعي، ولا تزال تحمل في بنيتها العميقة جينات ذلك العصر.
إنّ النّقلة الحضارية التي عرفتها أوروبا إبّان الثّورة الصّناعية، فرضت على دولها إعادة هيكلة المجتمع بطريقة تخدم خصوصية المرحلة الجديدة، وكان جهاز المدرسة هو الأداة النّاعمة لهندسة هذا البناء الاجتماعي؛ فالحاجة إلى يد عاملة مؤهلة، لها القابلية لاحترام الوقت، وتنفيذ التعليمات، والانضباط، كانت كلها أدواراً خفية وموازية للدور التعليمي الموضوع في الواجهة. لذلك، ليس غريباً أن نجد بعض الدراسات السوسيولوجية تماثل بين المدرسة كتنظيم مشابه للمصنع في تنظيمه؛ وذلك من حيث التسلسل الهرمي، وضبط الوقت، والتقسيم الصارم للعمل، بالإضافة إلى التوحيد والمراقبة والجزاء.


هذا التصميم للمدرسة المستوحى من صورة المصنع، بهدف تشكيل إنسان على مقاس الرأسمالية الصناعية، كان مفهوماً ومبرراً إن نحن أطرناه في سياقه التاريخي ما دام مستجيباً لحاجات زمانه؛ فالمصانع كانت في حاجة إلى عمال منضبطين (الوقت المحدد والامتثال للقواعد) ومتعلمين (القدرة على القراءة والحساب) ومروضين (تحمل التكرار والملل)، والمدرسة بوصفها اختراعاً حديثاً اضطلعت بهذا الدور الناعم، ولعلّ هذا ما دفع مفكراً كبيراً من حجم ميشيل فوكو وهو يحلل عمل المدرسة، في كتابه المراقبة والمعاقبة، إلى القول:"إنها آلية دقيقة للتدريب والإخضاع، تُنتج أجساداً مطيعة وعقولاً قابلة للاستغلال."
وعلى هذه القاعدة، يمكن تغيير زاوية نظرنا اتجاه وظيفة المدرسة التي نشأت وانتشرت في المجتمع الصناعي، باعتبارها فضاء غير محايد يتخذ من نشر المعرفة وسيلة لتبرير وجوده، بينما هي في العمق جزء من البنية الاجتماعية الحديثة التي اخترعت بهدف الإسهام في إعادة إنتاج النظام القائم.
إن النموذج الذي صمّمت به المدرسة الحديثة فقد اليوم راهنيته في ظلّ الثّورة الرقمية، والتي هي امتداد متطوّر ومتقدّم للثّورة الصناعية. ففي هذا العصر الرقمي، تبرز الحاجة الملحة لتشبيب رُوح المدرسة التي شاخت بعد استنفاد أغراضها؛ فالمهارات التي كانت توزّعها سابقاً، كانت ملائمة لعالم مستقر نسبياً، حيث المعارف أبطأ في التغير، والمهن أكثر وضوحاً. أمّا مع الثورة الرقمية، صار الزمن سريعاً، وصبيبُ المعلومة متدفقٌ دون نضوب، والمعرفة مطروحة في الطريق بلغة الجاحظ مع شيء من التحوير، الأمر الذي خلق –وسيخلق- مهناً جديدة، وأنذر بأفول أخرى سواء على المدى القريب أو على المدى البعيد.
هذا التحول الكبير المميز لروح العصر، لم يسلم منه المُتعلّم اليوم الذي يقضي زمناً طويلاً في العوالم الافتراضية التي جاءت بها الثورة الرقمية، والتي أعادت صياغة تشكيل نظرته لذاته وللعالم المحيط به؛ فهو باعتباره مُتعلّماً ينتمي إلى جيل الشاشات الذكية والآلات المأتمتة، مقطوع الصّلة –نسبياً- بالأجيال السّابقة التي ينتمي إليها المدرس، وما قد يعنيه ذلك من اتساع الفجوة الترميزية المتعلقة باختلاف الرموز في عملية التواصل، نتيجة اتساع الفضاء المفتوح الذي يتحرك داخله المتعلم.
وهكذا، يجد المُتعلّم نفسه أمام مُفارقة يعسر عليه استيعابها؛ فهو من جهة ابن العصر الرقمي المتسم بالانفتاح واللامجالية والتعدد والسرعة والفردانية المفرطة، ويلج فضاء لا زال يحمل إرث العصر الصناعي، بحيث يجد نفسه أمام نظام مغلق وبطيء ومبني على التلقين، الأمر الذي يُشعره بعدم فائدة وجدوى هذا الفضاء.
وبناء على هذا، تكون المدرسة بوصفها تنظيماً، في حاجة إلى تحيين نفسها حتى تستطيع استيعاب هذه التحوّلات الكثيفة التي يشهدها عالم اليوم، وأن تخرج من دورها المصنعي المتمثل في إنتاج نسخ متشابهة من المتعلمين لتلبية متطلبات سوق الشغل إلى دور حضاري جديد تكون مهمتها أساساً تكوين عقول قادرة على العيش في عالم معقد، متغير، ومفتوح. ولا يمكن أن يتحقق هذا التحول دون ثورة ثقافية حقيقية، تعيد صياغة طرق التفكير في التعليم والتعلم، وتنقل المدرسة من منطق التلقين إلى منطق الإبداع والتفاعل وبناء المعرفة.



#زكرياء_مزواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الباحث -الكانبو- والباحث -القافز-
- الكيان الصهيوني وتوافق المصالح الغربية
- وجدة: من مشروع مدينة عصرية إلى قرية كبيرة
- التعليم النافع والتعليم غير النافع
- نهاية الواعظ الديني وبداية المؤثر الاجتماعي
- في نقد مفهوم -المجتمع التراحمي-: المسيري نموذجاً
- مجتمع الكر... نحو نموذج تفسيري جديد
- البحث العلمي تحت مجهر الأنثروبولوجيا
- زمن المؤخرات السائلة
- الإسلام في تركيا: انطباعات أنثروبولوجية
- رحلة زاكي باشا أفندي البطولية إلى الديار الاسطنبولية
- المُثَقّفُ المنشود في رواية -عبد الرحمن والبحر- لخالد حاجي
- في ضيافة بيت العنكبوت: من بيت من وهن إلى بيت من زجاج
- الكَهْفُ الافتراضي: هل فكرنا يوماً في السوشيال ميديا أَمْ عَ ...
- الجنس البارد
- نوستالجيا -سيد لميلود-
- في الحاجة إلى تعليم ذكوري
- المدرسة والمتعلم وتزييف الوعي
- المدرسة سجن كبير
- مجتمع الهمزة... نحو نموذج تفسيري جديد


المزيد.....




- أمريكا.. تحذيرات من -صدمة محتملة- في صناعة السيارات جراء حرب ...
- مباشر: ترامب يقول إن الولايات المتحدة قد تُضطر إلى توجيه ضرب ...
- السودان: 28 قتيلا في هجوم بمسيرة على سوق بغرب كردفان وتحذيرا ...
- ما خطة أوروبا السرية لما بعد الناتو؟
- نيويورك تايمز: أمريكا وإسرائيل راهنتا على أحمدي نجاد لقيادة ...
- فانس: تقدم في المحادثات مع إيران.. والخيار العسكري قائم
- ترامب يؤكد: سننهي حرب إيران -بسرعة كبيرة-
- رغم الهدنة.. غارات إسرائيلية دامية على جنوب لبنان
- صورة.. ترامب يهدي الرئيس السوري عطرا مرفقا برسالة
- تفاصيل جديدة عن الهجوم على المركز الإسلامي في كاليفورنيا


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكرياء مزواري - المدرسة والحاجة إلى ثورة ثقافية في العصر الرقمي