أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زكرياء مزواري - نوستالجيا -سيد لميلود-














المزيد.....

نوستالجيا -سيد لميلود-


زكرياء مزواري

الحوار المتمدن-العدد: 7396 - 2022 / 10 / 9 - 19:57
المحور: الادب والفن
    


كانت لحارتنا الشعبية طقوس خاصة تُميّزها إبّان كلّ عيدٍ، حيث يجنّد الصّغير قبل الكبير للاحتفاء بالحدث، حدثٍ يُعيد بناءَ الذاكرة التاريخية، ويقوّي من عُرى الروابط الاجتماعية.
كان عيد المولد النّبوي الشّريف في زُقاقنا حدثاً فريداً ومتفرداً عن باقي الأعياد الدّينية الأخرى، إذ كنا نحن الصّغار نستعدّ لاستقبال أيّامه بطقوسنا الخاصة. مَنْ منا لم يدخر بعض الدّريهمات المعدودات، وَمَنْ منا لم يقصد الأسواق السوداء للمفرقعات؛ نعم، كانت أسواقاً سوداء في مخيلتنا، حيث ننسج حولها قِصصاً خيالية عن طبيعة هذه الأسلحة الثّقيلة التي تُحدث أصواتاً مدويةً في الحيّ، وأساطير تراجيدية عن المهرّبين الذين كانوا يستوردون مثل هذه السلع من الحدود الجزائرية، كما توهّمنا أنّ الجهاز القمعي للدولة يهاب انتشار هذا النوع من المفرقعات، لأنه ببساطة ينافس مسدساتها وبنادقها الرّشاشة التي تبثّ الهلع في البلاد والعباد.
كان صوت أسلحتنا النارية البدائية آيةً في الآفاق على دنو عيد المولد النّبوي الشّريف، عتادنا الحربي كان مكونا من: "لمحارقْ"، "لقنابلْ"، "لكاربينْ"، "سوارخْ"، "فلونبو"، "نجومْ"، "لميشْ"، و"سلكْ"... وما عداها من الأسلحة النّارية التي كانت توفرها لنا السلع الجزائرية المهربة. جميع أنشطتنا نحن الصغار تتعطل، ننسى الدراسة أولا، إذ كنا نسلم أنفسنا طواعية للمعلمين ولا نبدل أي جهد في إنجاز تماريننا الصفية، كما ننسى لعبتنا المفضلة كرة القدم، إذ لا شيء يعلو حينها عن بهجة العيد. كانت المدرسة عندنا نحن أبناء الأحياء الشعبية فرصة لرد الاعتبار، ونزع الاعتراف من أبناء "الفشوش"، كنا نقذف في قلوبهم الرّعب حين نهتبل فرصة الانفراد بهم، ونرميهم ببعض أنواع المفرقعات، كما نقتنص المناسبة ليلاً حين نجوب فيلاتهم وأحيائهم الأنيقة، ونرمي منازلهم بأسلحتنا الثقيلة!!، هذا فضلاً عن سخريتنا من ألعابهم الفاقدة لحس المغامرة والشجاعة.
أما عن حيّنا، فلا يلبث أن يتحول اللّعب المُسالم في البداية إلى حالة حربٍ مزريةٍ، حيث يأكل القويّ الضعيف؛ ذلك أن المالك لوسائل إنتاج الرّعب الثّقيلة من "قنابل" و"كاربين" هو وشلّته من يضمن سحق الخصم وإعلان الظّفر بالمعركة. بجانب هذا العنفوان، كان زقاقنا الشّعبي، يزدان مساءً بعبق رائحة "تَقْنَتَ" و"بَرْكُوكَشْ"؛ وهي أكلات وجدية خالصة لا ترى النّور إلا أيّام عيد المولد النّبوي الشّريف، هذه الوجبات الدّسمة كانت نسوة الحي تبرعن فيها، وتتبادلن بموجبها الأطباق عملاً بحقّ الجار والجوار.
زيادة على هذا الجو المفعم بالتّراحم، كان مسجدنا العتيق، مسجد "عكاشة" ليلة عيد المولد يتزيّن بمُسحٍ جماليةٍ لطيفةٍ، تُضفي على جنباته سكينةً وروحانيةً غير مألوفتين؛ إذ يبادر المأموم الفقيه "عمي الصحراوي" رحمه الله بفتح أبواب المسجد مبكراً، وحرق بعض "أعواد القماري" و"حبات الجاوي" حتّى تفعل فعلها في اللّيلة المباركة، ليلة ولادة خير الخلق.
عريس من عرسان السّماء هو مسجد "عكاشة" تلك اللّيلة، ريح ٌ طيب، حضورٌ وقور، نشوة بادية تكسو وجوه الجميع، جو تراحمي بديع، تؤدة تؤثّث المشهد، وطعام في الأخير يجمع أواصر أبناء الحي. مسجد تلك الليلة خزّان حقيقيّ من خزّانات الأرض للقداسة السّماوية، كلّ أيقوناته وعلاماته ورموزه تعرج بك إلى ملكوت الرّب، فيقتات قلبك من معين الحضرة الإلهية، وتعبر روحك في مدارج السالكين، ثم تظفر بأعزّ ما يُطلب في باب مشاهدة منازل الجمال.
هكذا، كان مسجدنا العظيم في اللّيلة المباركة، مسجد كلّه دفءٌ ورحمةٌ ومودّةّ، والكلّ منشد خلف الإمام:
وُلِدَ الهُدَى فالكَائِناتُ ضِياءُ*** وَفَمُ الزّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ



#زكرياء_مزواري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الحاجة إلى تعليم ذكوري
- المدرسة والمتعلم وتزييف الوعي
- المدرسة سجن كبير
- مجتمع الهمزة... نحو نموذج تفسيري جديد
- الدين والطقسنة القاتلة
- مجتمع الحزقة.. نحو نموذج تفسيري جديد
- مفهوم القودة...نحو نموذج تفسيري جديد
- عيد المولد النبوي الشريف في حينا
- مجتمع -العطية-... نحو نموذج تفسيري جديد
- فصل المقال في تقرير ما بين العلم والعوام من انفصال
- مجتمع الحشية.. نحو نموذج تفسيري جديد
- في رحاب الزاوية
- رمضانُ في الذّاكرة (ج2)
- رمضانُ في الذّاكرة (ج3)
- رمضانُ في الذّاكرة (ج4)
- رمضانُ في الذّاكرة (ج1)
- حُبٌّ فِي زَمَنِ التُّيُوسِ
- Jean-François Dortier, «Dieu et les sciences humaines»: بين ...
- مَقَاهِي المِلْحِ
- فيروس كورونا في مواجهة الإنسان السائل


المزيد.....




- بيتر كناب؛ الحرية خلف تموضع الجسد
- شاهد: عودة مهرجان الموسيقى الإلكترونية الأكثر برودة في العال ...
- -شكلي هبعت أجيب المأذون-.. شاهد رد فعل فنان مصري على حديث يا ...
- موسيقى الاحد:في مئوية الملا عثمان الموصلي
- بيت المدى يستذكر الفنان الهزلي المنسي لقلق زاده
- كاريكاتير العدد 5357
- مصر.. مصدر مطلع يحسم الجدل حول -قبة الأربعين- وأحقية ترميمها ...
- بالذكاء الاصطناعي.. طريقة من -غوغل- تحول النصوص إلى موسيقى
- سارة درويش تطلق روايتها الجديدة -باب أخضر للهاوية-
- وزيرا الثقافة الأردني والطاقة النيجيري في زيارة للقومي للحضا ...


المزيد.....

- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال
- يُوسُفِيّاتُ سَعْد الشّلَاه بَيْنَ الأدَبِ وَالأنثرُوبُولوجْ ... / أسماء غريب
- المرأة في الشعر السكندري في النصف الثاني من القرن العشرين / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زكرياء مزواري - نوستالجيا -سيد لميلود-