أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الرواية والتاريخ: حين يتحوّل الماضي إلى لغةٍ للتأويل














المزيد.....

الرواية والتاريخ: حين يتحوّل الماضي إلى لغةٍ للتأويل


محمد عبدالله الخولي
كاتب/ ناقد/ باحث

(Mohammed Elkhooly)


الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


لا يمكن النظر إلى الرواية بوصفها مجرد جنسٍ أدبيٍّ يروي الحكايات، بل بوصفها أفقاً معرفياً تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع اللغة، ويتحوّل فيه العالم إلى نصٍّ قابل لإعادة الكتابة. فالرواية لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد تشكيله، ولا تستدعي التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً، بل بوصفه مادةً حيّةً قابلة للتأويل، ومن هنا تتأسس خصوصيتها بوصفها فناً يشتغل على الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتخييل. لقد تنبّه ميخائيل باختين إلى أن الرواية جنس مفتوح، تتجاور داخله أصوات متعددة، وتتقاطع فيه خطابات متباينة، وهو ما يجعلها قادرة على احتواء التاريخ لا باعتباره سرداً منغلقاً، بل بوصفه خطاباً قابلاً للمساءلة وإعادة الصياغة. وفي هذا السياق، يصبح التاريخ داخل الرواية ليس مرجعاً ثابتاً، بل نصاً موازياً يخضع لسلطة السرد، حيث تُعاد كتابة الوقائع في ضوء رؤية جمالية وفكرية تتجاوز مجرد التوثيق.
وحين تتجه الرواية إلى التاريخ، فإنها لا تفعل ذلك بدافع الحنين أو الاستعادة البريئة، بل بدافع معرفي وجمالي في آن، إذ تبحث في الماضي عمّا يفسّر الحاضر، وتفتّش في الوقائع عمّا يكشف البُنى العميقة للتجربة الإنسانية. إن التاريخ هنا يتحوّل إلى وسيط تأويلي، لا إلى مادة خام، ويغدو الحدث التاريخي علامةً مفتوحة على احتمالات متعددة من المعنى، وهو ما يلتقي مع تصور بول ريكور الذي يرى أن السرد لا يعكس الزمن بل يعيد إنتاجه، وأن ما نسمّيه "الماضي" لا يُدرك إلا من خلال بنيات الحكي التي تعيد ترتيبه وتمنحه دلالته. بذلك، لا تعود الرواية معنية بإثبات ما حدث، بل بكشف كيف يمكن أن يُفهم، أو كيف يمكن أن يُعاد تخيّله داخل أفق إنساني يتجاوز حدود الوقائع.
ومن هذا المنطلق، يتخذ التمثيل التاريخي في الرواية أشكالاً متعددة تتداخل فيما بينها دون أن تنفصل، إذ قد يظهر التاريخ بوصفه قناعاً إسقاطياً تُمرَّر من خلاله قضايا الحاضر، فيغدو الماضي مرآةً لأسئلة راهنة، وقد يتحوّل إلى بنية مجازية تتجاوز الحدث إلى رمزيته، بحيث يصبح التاريخ استعارةً كبرى للوجود الإنساني في صراعاته وتحولاته. وفي أحيان أخرى، يقترب السرد من التقريرية حين يلتزم بخطوط الحدث التاريخي، لكنه لا يلبث أن ينزاح نحو التخييلي، حيث تُملأ فجوات التاريخ بما لم يُقل، وتُستعاد الشخصيات بوصفها كائنات حية تتنفس داخل النص لا داخل الأرشيف. أما التمثيل المباشر فيحافظ على تسلسل الوقائع، لكنه يحمّلها برؤية ذاتية تجعل من الحدث تجربةً معيشة، في حين يسعى التمثيل التوثيقي إلى إيهام القارئ بالحقيقة عبر إدماج الوثيقة داخل النسيج السردي، دون أن يفقد النص طابعه التخييلي الذي يعيد ترتيب تلك الوثائق ضمن أفق دلالي جديد.
وما يجمع هذه الأنماط جميعاً أن الرواية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه حقيقة نهائية، بل بوصفه إمكانية مفتوحة للقراءة، فهي لا تنافس المؤرخ في دقته، بل تتجاوزه في قدرته على مساءلة المسكوت عنه، وعلى الكشف عن المناطق المعتمة التي لا تصل إليها الكتابة التاريخية التقليدية. وهكذا يتحول التاريخ في الرواية إلى مجال للصراع بين ما هو مُثبت وما هو مُتخيَّل، بين ما كُتب وما يمكن أن يُكتب، وهو صراع لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يظل مفتوحاً على احتمالات التأويل. إن الرواية، في هذا المعنى، لا تعيد إنتاج الماضي، بل تعيد خلقه، لا لتثبّت وقائعه، بل لتفكك دلالاته، ولتكشف أن الحقيقة ليست معطىً جاهزاً، بل بناءً سردياً يتشكل عبر اللغة.
بهذا المعنى، تغدو الرواية فعلاً تأويلياً بامتياز، حيث لا يكون التاريخ سوى ذريعة للكتابة، ولا تكون الكتابة سوى وسيلة لإعادة النظر في العالم. إنها لا تكتفي بأن تقول ما حدث، بل تسائل لماذا حدث وكيف يمكن أن يُفهم، وهي في ذلك تفتح أفقاً إنسانياً يتجاوز حدود الزمن، ليجعل من الماضي طاقةً حيةً تتجدد في كل قراءة، ومن السرد أداةً لإعادة اكتشاف الذات والعالم في آن واحد.



#محمد_عبدالله_الخولي (هاشتاغ)       Mohammed_Elkhooly#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك الحضور وإرجاء المعنى: قراءة في مقولة -لا شيء خارج النص ...
- من ثنائية سوسير إلى ثلاثية بيرس: هل أُسيء فهم اعتباطية العلا ...
- من المحايثة إلى السميوز: نحو فهم سيميائي لسيرورة إنتاج المعن ...
- من السيرة إلى الأسطورة: المقدّس الشعبي وسوسيولوجيا الوراثة ا ...
- جدلية الصمت والتأويل: الوظيفة الإبستمولوجية للنقد في مساءلة ...
- أزمة التأسيس في اللسانيات الحديثة: أسئلة إبستمولوجية ونقد بن ...
- الشِّعر بوصفه سلطة جمالية متعالية على الأشكال - مقاربة نقدية ...
- بيان نحو نظرية عالمية للأدب: تجاوز المركزية وبناء الأفق الإن ...
- نحو نظرية عالمية للأدب: من مركزية النموذج الغربي إلى أفق إنس ...
- الاستعارة بوصفها معرفة: حين يتحول المجاز إلى طريقة في فهم ال ...
- النقد الثقافي: حين يصير النص مرآةً للسلطة الخفية في الحياة.
- نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف ...
- الشِّعريّات: من بنية اللغة إلى تجربة الوجود الجمالي
- ألف ليلة وليلة: السرد الذي عبر العالم وتعددت أصواته بين الذا ...
- جدلية الإبداع والنقد وتحولات المنهج في الفضاء النصي
- الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة
- الشعر والسرد: جدل المنطق والدهشة في اللغة الأدبية
- إدراك العالم واكتشاف بنية الوجود: من الوعي المحايث إلى الممك ...
- آليات السرد في الشعر العربي المعاصر قراءة في مشروع الدكتور ع ...
- من تعدديّة الأصوات إلى أحادية الذات: تمثيلات الأنا والآخر في ...


المزيد.....




- توبوريا يكشف كواليس الشراكة مع رونالدو في فنون القتال المختل ...
- تضارب الروايات بشأن مضيق هرمز: واشنطن تعلن العبور لتطهير الأ ...
- بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف ...
- بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون
- عائلته ضمن الحضور.. فيلم عن حياة مايكل جاكسون يجذب الآلاف إل ...
- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبدالله الخولي - الرواية والتاريخ: حين يتحوّل الماضي إلى لغةٍ للتأويل